عبد الله الشامي

انطلقت رحلتنا إلى أم الدنيا في سيارة مغلقة صغيرة برفقة 13 مغامرا من شقة قرب ساحل البحر الأحمر في مدينة بورتسودان، بعد مكوثنا هناك لأربعة ليال طوال، وكانت وجهتنا الصحراء المجهولة اللامتناهية.

بعد مرور ساعة من السفر في طرقات فرعية ضيقة وصلنا أخيرا إلى سيارة المهرب الأولى من نوع “تويوتا”، التي فاجأتنا بصغر حجمها مقارنة بعددنا الكبير، وحجم الحقائب التي حملها مهاجرو مجموعتنا، فظننا أن سيارة أخرى بانتظار أن تأتي؛ لكن المهرب بلكنته السودانية السريعة والغريبة التي لم يسعنا الوقت لتعلمها قال “هذا ما لدينا”.

في حلكة الليل بدأنا برصف حقائبنا ومن تحتها صناديق المياه الستة عشر التي ستكون في وقت من الأوقات “إكسير الحياة” في الصحراء المتوحشة. كانت زوجتي الحامل في شهرها الخامس واقفة بعيدا تبدو عليها علامات الاندهاش والخوف غير مصدقة أنها ستصعد إلى صندوق السيارة الذي كان قد امتلأ بالحقائب وقوارير المياه، بينما كان ابني ذو السنتين ساكنا على غير عاداته النشيطة يراقب الجميع وهم يهرعون لتسلق الصندوق الذي سيعبر بهم إلى أم الدنيا. صعدنا أخيرا على كومة الحقائب التي لم تترك لنا عمقا كافيا داخل الصندوق لنشعر بقليل من الأمان،  حيث تمركزت النساء والأطفال في المنتصف بينما جلس الشبان على أطراف الصندوق الحديدية ووضعوا أرجلهم إلى الخارج لكي يوفروا مساحة أكبر في الداخل. وخلال دقائق دار محرك السيارة الذي ملأ هديره آفاق العدم اللامتناهية حينها أدركنا أننا وصلنا إلى نقطة اللاعودة وأن علينا التغلب على مخاوفنا مهما بلغت.

سارت بنا المركبة دون إضاءة لكن القمر الذي بدأ بالظهور أعطاني الفرصة لأرى ولأول مرة في حياتي معالم الصحراء، التي أدهشني فيها امتزاج القساوة بالنعومة والاتساع بالضيق. عبرنا مئات الكيلومترات ما بين الطريق الرئيسي المعبد الذي سلكناه لعشرات الدقائق فقط والطريق الصحراوي الذي أفضى بنا إلى تجمع سكني لم أجد له مصطلحا مناسبا لتسميته، كان مؤلفا من بضعة منازل مصنوعة من القش والحطب الجاف لا تتجاوز مساحة كل منها عشرة أمتار مربعة، ترقد بينها بعض رؤوس الماعز والجمال إضافة إلى بئر عربي بدا لي أنه من العصور الغابرة.

توقفت مركبتنا في تلك القرية الصغيرة وطلب منا المهرب الانتظار ريثما يتحدث إلى السكان المحليين، عن وضع الطريق، لكنه عاد مسرعا ليخبرنا بما لم يخطر ببالنا سماعه، أن علينا المتابعة سيرا على الأقدام. أصابتنا حينها حالة من الغضب؛ لأن الرأس الكبير بين المهربين الذي أطلقوا عليه لقب “الريس” كان أكد لنا قبل مغادرتنا السودان أننا لن نسير راجلين أبدا وامتزج ذلك الغضب بخوف كبير لما سمعناه من قصص وروايات عانى فيها الكثير من المغامرين أثناء سيرهم،  وأودى ذلك بحياة البعض منهم، لكن أين السبيل إلى الرجوع.

أنزلنا حقائبنا من صندوق السيارة ووضعنا فيها ما استطعنا حمله من قوارير المياه، ثم هممنا بالمسير برفقة أحد السكان المحليين لنعبر “جبلا صغيرا لمدة عشر دقائق فقط” على حد قوله. 

حملت على كتفي حقيبتين ثقيلتين، وحملت بإحدى يدي حقيبة أخف وفي يدي الأخرى أمسكت بيد طفلي الذي أجبرني بكاؤه الشديد على حمله، في وقت لم تكن فيه أرجل زوجتي قادرة على حمل جسدها الذي أنهكه السفر من لبنان إلى الإمارات ثم إلى الخرطوم،  حيث مكثنا لأسبوع قبل التوجه إلى بورتسودان، فأمسكت إحدى الفتيات بيدها ودفعتها في مسيرها إلى الأعلى. انقضت العشر دقائق المفترضة للمسير؛ لكن المهرب المحلي مستمر في المشي بعكازته الخشبية، التي لم نعلم سبب استخدامها رغم أنه كان شابا. 

تراوح مسيرنا بين المشي على الأعشاب الشوكية والحجارة السوداء القاسية والرمال الطرية، في جو ساده هدوء مخيف تخللته صرخات متكررة من الأطفال والنساء الذين تعثرت خطواتهم وابعدتهم عن موكب الرجال عدة مرات.

بعد مضي ساعتين على المشي كان التعب قد أنهكني جسديا ونفسيا فبت أفكر في رمي الحقائب جانبا ورفع الراية البيضاء كما فعل الكثيرون من قبل، كلما اعتقدنا أننا وصلنا إلى قمة الجبل ظهرت تلال جديدة وكأننا نسير في متاهة لا نهاية لها، لكنني لم أرد أن أظهر استسلامي لزوجتي المنهكة فقررت أن أستمر في السير ولو كلفني الأمر أن أنهار أخيرا. 

ابتعدنا كثيرا عن ركب المتقدمين ولم نعد نرى أثرا لهم حينها سمعت أول جملة نطقت بها زوجتي منذ بدء المسير: “المهم أن نموت سويا” فاكتفيت بالإجابة بابتسامة لأن شفاهي لم تسفعني بالكلام. 

بعد دقائق بدأ النور بالبزوغ وتلاشت لآلئ السماء المؤنسة إلى أن وصلنا إلى نهاية الجبل، التي كانت  أرضا رملية مستوية نهضت منها بضعة شجيرات، وهناك التم شمل المجموعة مجددا بعد أن رمت النساء المتأخرات بعضا من حقائبهن التي آثرن حمل أطفالها على حملها. رميت الحقائب أرضا ثم انهار جسدي المنهك على الرمال الناعمة، فأحسست أني لن أقوم أبدا بعد إذ ذقت طعم الراحة المغرية. 

مكثنا ساعة من الزمن ريثما أحضر المهرب السيارة التي كانت تنتظرنا وراء تلة صغيرة، ركبنا صندوقها بنفس الوضعية التقليدية التي اتخذناها في السيارة الأولى وانطلقنا. في جوف الصحراء مشت السيارة بسرعة يخشى الكثيرون أن يصلوا إليها على الطرقات المعبدة، فكانت أجسادنا تطير عند مرورنا فوق أكوام الرمل الصغيرة باستثناء أيدينا التي تشبثت بجردان الصندوق الحديدية كتشبث النفس بالحياة.

مرت بنا أربع ساعات تجمدت خلالها أجسادنا من الخوف والترقب،  إلى أن أدخلنا المهرب الذي لم يتجاوز عمره العشرين عاما في طريق ينتهي بثكنة عسكرية مصرية، حيث نصب الجيش المصري كمائن على الطريق وفي قلب الصحراء، فما كان من المهرب إلا أن استدار محاولا التوغل في عمق الصحراء لكن  العساكر طاردونا بمركباتهم المختصة إلى أن اقتربوا منا وأطلقوا النار في الهواء ما أجبر السائق على التوقف جانبا، حينها أدركت أن مشقتنا ذهبت هباءً إذ لم نتمكن من الوصول إلى مدينة أسوان أقرب الحواضر إلينا، والتي كانت تبعد عنا مسيرة أربع ساعات أخرى. أمسك العساكر بالمهرب واتجهوا نحونا مرحبين مطمئنين بأننا سندخل مصر إن شاء الله آمنين، ثم نقلونا إلى مفرزة مخابرات الحدود التي قضينا فيها ليلة قبل أن يتم تحويلنا إلى سجن بلدة شلاتين.

هناك أدخلونا إلى زنزانة صغيرة ضاقت جنباتها بالأربعين رجلا، الذين كان بعضهم قد مكث أكثر من شهرين فيها، في حين مكثت النساء والأطفال في غرفتين صغيرتين اكتظت بأقرانهم. أمضينا في السجن ثلاثين يوما سمح لي خلالها بالجلوس مع زوجتي وطفلي مرتين فقط ولمدة عشر دقائق، لكننا كنا نسترق النظرات والكلمات من خلف قضبان الزنزانة عندما سمح لهما بالخروج للنقاهة بين الفينة والأخرى. في اليوم الأخير أعلمنا عناصر الشرطة أننا سنخرج في الليلة التالية إلى مدينة الغردقة، بعد أن انتهت الجهات الأمنية من دراسة أوضاعنا، لكن النساء وصل بهن الإنهاك إلى أن يستجدين المسؤولين من أجل المغادرة في اليوم ذاته على أن ندفع تكلفة الحافلات والسيارات التي ستقلنا. في تلك الليلة جمعنا عناصر الشرطة في ردهة المخفر وكبلوا أيدينا بالأصفاد كأننا مذنبون، وانطلقت المركبات بنا إلى الغردقة التي تبعد نحو تسع ساعات، حيث ختم على جوازاتنا إقامة سارية لشهرين، فيما  تم تخيير الشبان الذين لم يأتوا مع عائلاتهم بين عدة دول لترحيلهم إليها.

انتهت معاناتي أخيراً وتخلصت من عذاب الضمير الذي كان يرافقني من لحظة وصولي إلى السودان إلى حين إطلاق سراحي، عذاب الضمير بأني جنيت على زوجتي وطفلي ورميت بهم إلى طرق كانت ستؤدي إلى هلاكنا جميعا في بعض الأحيان، ولكن كما الأفلام كانت النهاية سعيدة وانتصر أبطال القصة، ليبدأوا حياة جديدة بمعاناة ولكن على شكل مختلف..

مصدر الصورة: commons.wikimedia