هنادي زحلوط 

كان لافتا في مجتمع تطغى الثقافة الذكورية عليه أن تجد النساء السوريات الشجاعة للنزول إلى الشارع منذ المظاهرة الأولى.

كانت ردة فعل النساء عفوية، بالطبع كن يخفن الإصابة والاعتقال، لكنهن كن مصرات على التواجد وبكثافة في المظاهرات، وسرعان ما تحركن لتنظيم مظاهرات نسوية تخرج فجأة، حتى في وسط العاصمة دمشق تفاجأ الأمن وتسجل حضورها.

كان دور هؤلاء النسوة الرائدات فاعلا أيضا من خلال توقيعهن على ما عرف بـ “بيان الحليب”،  حيث طالب بكسر الحصار المفروض على درعا، وكان ذلك وعيا مبكرا لفكرة أن السكوت على حصار مدينة سيعني السكوت على حصار المدن السورية واحدة واحدة، بالإضافة لكون التوقيع على هذا البيان آت من إحساس عميق بالمسؤولية تجاه المحاصرين في درعا.

من هذه المظاهرات نتذكر تواجد ريما فليحان ومي سكاف وسواهما في جامع حي الميدان الدمشقي، وكان دورهن يتعدى التظاهر ليصل حد كسر الصورة النمطية والقول إن بوسع المثقفات والفنانات أن يكن في طليعة النساء المتظاهرات، المطالبات بالكرامة والحرية، واعتقال مروة الغميان في أولى مظاهرات دمشق، ظهرت النساء في مظاهرات دمشق ابتداء من مظاهرة الخامس عشر من آذار/ مارس لعام 2011 وكن في الصف الأول، ولاحقا ظهرت فدوى سليمان إلى جانب الساروت في مظاهرات حمص عاصمة الثورة، حيث أسهم ظهور فدوى سليمان العلوية المولد لتخفيف الاحتقان الطائفي الذي عمل عليه النظام طويلا.

في الصورة كانت فدوى سليمان شابة وسافرة وذات شعر قصير، وضعت كوفية مرات عديدة على شعرها، لم يكن ذلك عفويا من امرأة مثقفة كفدوى سليمان، لقد كانت تعي أنها تخاطب عقول الناس قبل آذانهم وعيونهم، وتقدم صورة مختلفة لامرأة تتحمل خطورة التهديد بالقتل في كل لحظة مقابل أن تئد الفتنة في مهدها.

كان دور السوريات أيضا نوعيا في قيادة الحراك، كانت رزان زيتونة المبادرة مع رفاقها في إنشاء “لجان التنسيق المحلية“، التي كانت الفكرة منها ربط تنسيقيات كانت تنمو كالعشب أينما ذهبت في البلاد، كانت مهمة اللجان أيضا إصدار بيانات واكبت التطورات على الصعيد المحلي ،كما حذرت من ارتكابات وتجاوزات النظام كما الفصائل، كانت اللجان قائدا وطرفا فعليا منظما على الأرض، وكان ل رزان زيتونة فضل كبير في ذلك.

أسست رزان مكتبا للجان في دوما، حيث عاشت هي وسميرة الخليل مع الناس، وكانوا فعليا جزءا منهم، بل وكانوا في خدمة الناس في كل حين، لا يمكننا أن ننسى تطوع سميرة ورزان لحملة تنظيف شوارع دوما، أسابيع قبل اختطافهن من قبل جيش الإسلام.

شيئا فشيئا ونتيجة القصف الوحشي وانتشار القناصين، كانت مهام النساء الثائرات تتنوع وتتعقد، من نقل الأشياء الصغيرة في ملابسهن، تهريب المواد الاعلامية والاعلام وسواها، تضميد جراح المصابين من الجرحى، إغاثة الاطفال والعائلات المحتاجة، تحديد مكان القصف الآني وتحذير الناس، ورعاية المجتمع المحلي بشكل فعلي.

استمرت نساء كثيرات في العطاء بأحلك الظروف التي مرت بها البلاد، ووصلت كثيرات منهن إلى الصفوف الأولى للهيئات السياسية والمدنية السورية التي مثلت الشعب السوري لسنوات.

وبينما شردت الاحداث رفيقاتي في بقاع الأرض، اعتقلت رزان زيتونة وسميرة الخليل في دوما الخارجة عن سيطرة الأسد حينها، وقد خطفهما فصيل محسوب على الثورة، وماتت كل من فدوى ومي في باريس، وبفارق عام واحد.

خولة دنيا واحدة من هؤلاء اللواتي تابعن طريقهن، أسست خولة أول منظمة سورية دولية لإغاثة السوريين، نجدة ناو، وسجلت هذه المنظمة بشكل قانوني في أوروبا، وعملت بإخلاص مع نساء عديدات لتأمين الإغاثة والتعليم والتأهيل لكثير من السوريين، وهي واحدة من كثيرات نفخر بهن.

ومنذ سنوات تحاول عديد من النساء ممن نعرف من أسماء وممن لا نعرف أن تقوي من صمود النساء على الأرض، في الداخل السوري، أن تؤمن لهن الغذاء والغطاء والتعليم المناسب، و أن تنقل إليهن خبراتهن ليتمكن من إعالة أسرهن،  كثير من النساء نشطن في بلاد اللجوء لتحسين واقع السوريين اللاجئين، وحاولن أن يكن بلسما لجراحات ما زالت مفتوحة، كما نشطت كثير من النساء في ملف المعتقلين ونفذن حملات قوية للقول بأن هنالك سلطة قمعية ما تزال تعتقل اخوتنا واخواتنا، وأننا نطلب العدالة من المجرمين.

ومع اقتراب أزمات التشرد والنزوح تحت برد الشتاء وقيظ الصيف، تكون النساء دوما الفاعلات الأساسيات لتجميع الملابس والأغطية وارسال الأدوية، لكن ذلك يستمر دائما تحت الصورة النمطية التي تحصر المرأة في أدوار الأمومة، وليس في دور المواطن.

ومع الجدل الدائر حاليا حول اللجنة الدستورية التي تتألف من غالبية من المواطنين الرجال، يتم دائما الحديث عن النساء بوصفهن مكونا أقلويا، وجودهن ضروري، ولكنهن لا يمثلن ما يمثلنه على الأرض من نصف المجتمع، وما يمثلنه من أمل وجهد حقيقي وعمل.

هنالك حاجة حقيقية في تصدي النساء السوريات اليوم لمهمة الدستور، ليس بالمشاركة في اللجنة الدستورية، ولكن بالإضاءة على أحقيتهن في المشاركة، وعلى حقوقهن في الدستور، كما على حقوق المواطنين الرجال، لدينا مهمة التصدي لدستور سيتم تصنيعه وتوقيعه من قبل لجنة لا تمثل السوريات والسوريين أكثر مما تمثل التوازنات الاقليمية.

وعلى عاتقنا أيضا تكمن مهمة التوعية بحقوق الأطفال، و بتجريم تعنيفهم، وتجريم العنف ضد النساء، ومن جديد التوعية في قضايا الشرف، وقضايا التحرش، ليس من باب النسوية أكثر منه من باب المواطنة الحقيقية، فالمواطنة الحقيقية التي نحلم بدستور يعبر عنها هي مواطنة تنصف الرجل كما تنصف المرأة وتعلي كلمة القضاء المستقل، وتحمي المستضعفين.

على عاتق النساء مرة أخرى مهام وأدوار جديدة، أعتقد بجدارتهن في التصدي لها.

مصدر الصورة: صفحة الفنانة الراحلة مي سكاف على فيسبوك