تسود المخيمات في الشمال السوري عامة والمنطقة الحدودية خاصة حالة من التذمر والشكاوي المستمرّة التي يطلقها المدنيون والنازحون تحديدًا، من عدم انتظام وعدالة العمل الإغاثي الذي تديره منظمات إغاثية غير حكومية، تعمل إمّا تحت مظلّة منظّمات دولية أو مدعومة منها.

تتركّز معظم هذه الشكاوى الإهمال والتهميش سواء من ناحية الخدمات العامة في المخيمات، أو التعليم أو المواد التي توزع بشكل مباشر كالمواد الإغاثية الغذائية منها أو غير الغذائية.

ويذهب البعض إلى تبني نظرية المظلومية بسبب الخلفية المناطقية أو الفصائلية، هذا الفرز الذي يعزز فرص النزاع في ظل غياب أجوبة واضحة من قبل المنظمات العاملة، والجهات القائمة على إدارة المخيمات عن تساؤلات السكان، فهل المنظّمات الإغاثية مقصّرة في تقديم الخدمات وتميّز في الدعم؟

في هذه التحقيق، جمعت “بوابة سوريا” شهادات من نازحين من أرياف حماة وإدلب، ومهجّرين من درعا، حول رأيهم بعمل المنظّمات.

كما تحدّثت “بوابة سوريا” إلى منظّمات على احتكاك مباشر مع المدنيين وعرضت عليها الاتهامات التي يطلقها مدنيون ضدّها وقارنت بين كلا الروايتين.

 

نازحو ريف حماة الشرقي

محمود خليفة نازح من قرية الفان الشمالي بريف حماة الشرقي يقول لـ “بوابة سوريا”: “نزحنا شتاء عام 2017 إلى مخيمات أطمة، وكانت الأشهر الستة الأولى الفترة الأصعب كبداية نزوح لم نستفد من أي مشروع إغاثي حتى على مستوى الخبز والماء، إلى أن كفلتنا إحدى المنظمات بسلة غذائية لمدة عام”.

يقول الخليفة: “لا يوجد عدالة في عمل المنظمات فهناك مخيمات تحصل على سلتين شهرياً مقابل أخرى لا تحصل على أي سلة”.

يعتبر الخليفة أنّه يوجد محاباة ووساطات وعلاقات شخصية بين مدراء بعض المخيمات والقائمين على عمل المنظمات، قائلًا: “نحن بحاجة لمدرسة لتعليم أطفالنا وتقدمنا بعدة طلبات لأكثر من منظمة دون جدوى، بينما يتم إنشاء مدارس جديدة في مخيمات مخدمة تعليمياً وهي أقل احتياجاً”.

أما مهدي محمد وهو مدير مخيم الجنينة في قاطع أطمة الجنوبي فيقول: “يسكن مخيمنا حوالي 100 عائلة من ريف حماة الشرقي ومنطقة سنجار، هُجرنا من مناطقنا إثر ما يسمى بمعركة شرق السكة، أنشأنا مخيمنا على أرض خاصة مستأجرة بمبلغ 85000 ليرة للدنم الواحد سنوياً، وبذلنا جهوداً مضنية ووقتاً طويلاً لنحصل على الاعتراف بالمخيم بغرض البدء بالحصول على الخدمات”.

وعن تلك الخدمات يردف المحمد: “يتم تزويدنا بالمياه بمعدل 25 ليتر ماء للشخص الواحد وهي غير كافية وخاصة في فصل الصيف، إلا أن مشكلتنا الأكبر تكمن في فصل الشتاء حيث نعاني سنوياً من طوفان الخيام وانقطاع الطرق التي تؤدي إلى المخيم، حيث تقدم لنا حلول إسعافية لتتكرّر مأساتنا كل شتاء”.

أما عن العلاقة مع مالكي أرض المخيم فيقول المحمد: “كون الأرض زراعية بالأصل فنحن نعاني من مشاكل دائمة معهم، حيث أننا مضطرون للحصول على موافقة منهم كشرط لتقوم أي منظمة بتقديم خدماتها للمخيم، ويتم استغلالنا في كل مرة رغم أن بنود عقد الإيجار تسمح لنا بتخديم المخيم بشكل كامل، وهذا أحد أسباب عدم توفر حمامات في المخيم”.

 

نازحو ريف حماة الغربي

نزح معظم المدنيون من قرى وبلدات ريف حماة الغربي إلى المناطق الحدودية بسبب سيطرة قوات الأسد على كل من قلعة المضيق وكفرنبودة وعدة قرى وبلدات أخرى خلال شهر أيار الماضي.

أحمد أبو خلدون من كفرنبودة بريف حماة الغربي يقول لـ”بوابة سوريا”: “تجمعنا يضم 72 عائلة، أمضينا أسابيع عديدة تحت أشجار الزيتون قبل أن نستأجر أرضاً لنقيم فيها، وعلى مدار الشهور الأربعة التالية لم نحصل سوى على بعض الوجبات في رمضان والكثير من الصور والتغطيات الإعلامية”.

أما عبد الوهاب درويش من قلعة المضيق فيقول: “نزحنا بشكل طارئ من قلعة المضيق عشية اقتحامها وكانت الطرق مرصودة قبل ذلك بأيام ولم نستطع إخراج شيء من أغراضنا، ولكن عندما وصلنا إلى كفرلوسين لم يتم تقديم أي مساعدة لنا وعندما كنا نسأل لا نجد أي مبرر إلا أننا استنتجنا أن التقصير تجاهنا مقصود من إدارة المهجرين وهي تمنع المنظمات من الاستجابة لنا بسبب اتهامها لسكان القلعة بالولاء لفصيل آخر”.

يوضّح درويش أنه يعتقد بأن قضية الولاءات هذه شخصية، ومنذ أيام فقط حصل على الإغاثة بعد مراجعة أحد المتنفذين في المنطقة”.

ويرى الدرويش أن المنظمات تتحمل مسؤولية ما حصل لأن إدارة المهجرين تتدخل أحياناً بتوجيه المنظمات تجاه مخيمات معينة على حساب مخيمات أخرى.

 

مهجرو درعا

بشير أبو مهدي مهجر من درعا البلد منذ شهر تموز 2018 يقول لبوابة سوريا: “كان مخيمنا هو الأسوأ من الناحية الإغاثية بحجة أن أبناء درعا سكنوا المخيم دون تنسيق مع منظمة عطاء التي أحدثت المخيم، وأنهم سكنوه عنوة”.

وعن احتياجات المخيم يقول أبو مهدي: “نعاني من مشكلة تعبيد الشارع، إذ لا يزال ترابياً حيث تتسبّب الأمطار بقطع الطرقات وإعاقة حياة المدنيين وخاصة للأطفال، أما عن الإغاثة فقد استطاع مهجرو الشيخ مسكين تنظيم أنفسهم وبدؤوا يحصلون على الإغاثة، بينما بقي مهجرو قطاع درعا الغربي محرومون منها”.

أما مراد الحريري وهو أحد أعضاء مجلس إدارة المخيم فيقول: “هناك تقصير تجاهنا نحن سكان عطاء 2 حيث نستلم فقط سلة غذائية إلا أن موادها ذات نوعية سيئة، مر علينا شتاء قاس جداً ولم نسأل عن احتياجنا باستثناء 15 عائلة فقط حصلوا على وقود تدفئة”.

 

كيف ردّت المنظمات؟

اختارت “بوابة سوريا” أكثر منظّمتين احتكاكًا مع المدنيين، حيث وقع الاختيار على منظّمتي عطاء وساعد.

يقول أنس ناصر مدير الفروع في منظمة عطاء في ردّه على آلية اختيار المستفيدين وعدالة توزيع المساعدات وخاصة في مخيم عطاء 2 لمهجري درعا: “تلتزم جمعية عطاء ضمن معاييرها في العمل الانساني العدالة في التوزيع وعدم التمييز بين المستفيدين، فكل المحتاجين لدى الجمعية بنفس المستوى”.

ولكنّه يوضّح أنّه مع الاحتياج المضطرد والكبير في الداخل السوري يشعر الكثير من النازحين بتقصير الجمعيات والقضية ليست تقصير بمقدار ما أنه أصبح من الصعب على المنظمات تغطية كل الاحتياجات لأن تغطيتها يحتاج إلى ميزانيات دول كبرى، لذلك يتم التوزيع وفق ما هو متاح لديها من مساعدات لتغطية احتياجات المستفيدين”.

وعن رداءة أنواع المواد الغذائية يتابع ناصر: “بالنسبة لنا لا صحة لهذا الكلام حيث تخضع جميع المساعدات التي يتم تقديمها للجان للكشف عليها ومطابقتها للمعايير وملائمتها لاحتياجات المستفيدين وكل ذلك وفق دراسات ومسوحات ميدانية للتأكد من ملائمة هذه المساعدات للمستفيدين”.

أمّا هيئة ساعد، فيرد مدير البرامج فيها خالد عبد الرحمن على التهم الموجّهة بأن المنظمات الدولية تتبع آليات محددة قبل اتخاذ أي قرارات بالتدخل إغاثياً أو تعليمياً قائلًا: “هناك سلسلة معقدة من الخطوات الواضحة والمدروسة والتي يطول شرحها قبل الموافقة على أي مشروع في الداخل السوري، ولا نستطيع شرح تلك الخطوات العملية والعلمية لكل النازحين في المخيمات عندما يتم العمل في هذا المخيم دون ذاك”.

وعن كيفية التدخل يتابع العبدالرحمن: “نقوم باختيار أكثر المخيمات ضرراً من الفيضانات، ونستثني المخيمات الأقل ضرراً، وذلك ارتكازاً على الميزانية المخصصة، بالإضافة إلى عوامل جانبية أخرى مثل قدرتنا على الوصول إلى المخيم، وأحياناً يكون لدينا أسباب موضوعية ففي المخيمات المنشأة في أراضٍ حمراء مستوية، فإننا لا نستطيع التدخل بهذا المخيم بأي شكل، لأنه سوف يغرق حتماً، وسيكون مشروع إنشاء مخيم جديد في مكان مدروس مجدياً أكثر من التدخل هناك”. 

ويردف العبد الرحمن: “تواجهنا مشاكل عديدة لدى رغبتنا بالتدخل للمساعدة، مثل طبيعة الأرض، أو أخطاء إنشائية في المخيم، أو ملكية أرض المخيم واعتراض أصحاب الأرض أو الجوار، عدا عن المشاكل الإدارية، وهذا ما لا يعلمه أهلنا في المخيمات، فيذهبون إلى تحليلات غير واقعية لتفسير نقص الخدمات، وخاصة المتعلقة منها بشق الطرقات والصرف الصحي وإحداث المدارس”.

أما عن مشاريع التعليم فيقول عبد الرحمن: “هناك تنسيق بين المنظمات العاملة في المشاريع التعليمية، وتوزعها بين المخيمات، ولا بد أن نأخذ بعين الاعتبار أن الحاجة في سوريا تفوق أضعافاً مضاعفة حجم التمويل المتاح للعملية التعليمية، ولا يمكن للمنظمات أن تأخذ مكان الدولة ودورها يقتصر على سد الثغرات التي سببها ضعف الدولة”.

ومع استمرار حملات القصف على ريف إدلب الجنوبي وتمددها لمناطق أخرى يتزايد عدد النازحين بشكل يومي، وفي حال استمرت الظروف المتوترة حتى قدوم فصل الشتاء فإن أكثر من مليون مدني نزحوا في الشهور الأخيرة، إضافة لأولئك المستقرين هناك منذ عدة سنوات، سيواجهون تحدياً إضافياً للمنظمات العاملة في الشأن الإنساني لتلبية احتياجاتهم.

مصدر الصورة: جمعية عطاء للإغاثة الإنسانية