نجاح عبدالله سليمان

هي بدايات حزينة جاءت مع أواخر شباط/ فبراير 2011، وعقب تطور الأحداث في كل من تونس ومصر، حيث هرب الأول من تونس وتنحى الثاني في مصر، عندها بدأ ناشطون سوريون وجهات معارضة مختلفة بالدعوة إلى «يوم غضب سوريٍّ» في أنحاء البلاد يوم 15 آذار/ مارس من العام، وأسسوا لنشر دعواتهم هذه صفحة على موقع الفيسبوك الإلكتروني، وبلغَ عدد مشتركيها بحلول أواخر شباط/ فبراير 26.000 شخص، لتبدأ الأحداث، وتطور سريعة وصولًا لتشرين الأول/ أكتوبر 2011.

في الثاني من تشرين الأول/ أكتوبر تمكنت جميعُ أطياف المعارضة السورية في الداخل والخارج من الاتحاد معاً أخيراً تحتَ مظلة المجلس الوطني السوري، وذلك بعدَ خلافات وجدالات دامت لشهور قبلَ هذا الإعلان. وفي الرابع من تشرين الأول/ أكتوبر بدأ أكبر تحرُّك في مجلس الأمن الدولي منذ بدء الاحتجاجات، حيث حاولت بريطانيا وفرنسا وألمانيا والبرتغال التحرك لطرح مشروع قرار يُدين النظام السوري لقمعه الاحتجاجات السلمية ويُطالبه بوقف القمع واحترام حقوق الإنسان وبدء إصلاحات سياسية فورية، لكن روسيا والصين استخدمتا حق الفيتو في وجهه متسبَّتين بإلغاء القرار، وهو ما أثارَ استنكاراً شديداً من طرفي الولايات المتحدة وفرنسا. وحدث أنه في الثاني من تشرين الأول/ أكتوبر أيضاً أعلنت السلطات السورية مقتل «سارية أحمد حسون» ابن مفتي سوريا، وذلك بعدَ أن أطلق عليه النار مجهولون في محافظة إدلب، وفي مطلع ذات الشهر، قالت المفوضية العليا في الأمم المتحدة لحقوق الإنسان إن إجمالي عدد القتلى منذ بدء الاحتجاجات قد ارتفعَ ليبلغ 2.900 قتيل.

تطورت الأحداث وصولًا للسابع من تشرين الأول/ أكتوبر، حيث اقتحمَ مسلحون مجهولون منزل المعارض السوري الكردي مشعل تمو وأطلقوا عليه النار حتى أردوه قتيلاً، وأحدثَ الاغتيال سخطاً كبيراً في أوساط المعارضة السورية خصوصاً في مناطق الأكراد، حيث وُجهت اتهامات إلى النظام بالوقوف وراء العملية. وفي اليوم التالي لمقتله خرجَ عددٌ من المتظاهرين قدر بـ50.000 شخص في مدن القامشلي وعامودا والدرباسية وعين العرب شمال شرقي سوريا لتشييعه، ورفعوا شعارات مناهضة للنظام، كما أعلنوا إضراباً عاماً في مدنهم احتجاجاً على الاغتيال. وقد اعتبرت الولايات المتحدة الاغتيال تصعيداً من قبل النظام في استهداف رموز المعارضة. وأدى الاغتيال أيضاً إلى قيام محتجين غاضبين من الجالية السورية في الخارج باقتحام السفارات السورية في بريطانيا وألمانيا والنمسا فضلاً عن مقرّ البعثة الدبلوماسية السورية في سويسرا احتجاجاً على الاغتيال.

في 11 تشرين الأول/ أكتوبر أعلن المجلس الوطني الانتقالي الليبي اعترافه بالمجلس الوطني السوري ممثلاً شرعياً وحيداً للشعب السوري، وأغلق السفارة السورية في طرابلس، وبذلك أصبحت ليبيا أوَّل دولة في العالم تعترف رسمياً بالمجلس. في منتصف الشهر اغتيل معارض جديد هو «زياد العبيدي»، الذي قتلَ بعد أن اقتحم مسلحون منزله في دير الزور وأطلقوا عليه النار. وشيَّعه في اليوم التالي سبعة آلاف شخص في المدينة وهتفوا ضد النظام، وفتحت قوات الأمن عليهم النار جرَّاء ذلك. كما اجتاحت في اليوم ذاته قوات أمنية تتكون من آلاف الجنود مدينة الزبداني شمال دمشق، ونشرت حواجز أمنية في الشوارع واعتقلت حوالي 100 شخص.

الواقع أنه في اليوم التالي 16 تشرين الأول/ أكتوبر عقد وزراء الخارجية العرب اجتماعاً طارئاً في القاهرة، توصلوا بعده إلى منح مهلة 15 يوماً للنظام السوري لبدء حوار مع المعارضة يَحل الأزمة المتفاقمة في البلاد، كما شكلوا لجنة وزارية هدفها التواصل مع النظام لوقف أعمال العنف في سوريا. في 26 تشرين الأول/ أكتوبر دعا المجلس الوطني السوري إلى إضراب عامٍ في مجمل أنحاء سوريا، وذلك تضامناً مع درعا بعد أن كانت قد بدأت إضراباً في بداية الأسبوع، وفي اليوم التالي لاقى الإضراب نجاحاً كبيراً وفق الهيئة العامة للثورة السورية، خصوصاً في محافظتي حمص وحماة، بالإضافة إلى محافظة درعا حيث دخلَ يومه الثامن.

ما حدث أنه في 29 تشرين الأول/ أكتوبر بدأ الجيش قصفاً بالرشاشات الثقيلة على حي بابا عمرو في مدينة حمص، وذلك في أعقاب اشتباكات عنيفة دارت بين القوات النظامية والجيش السوري الحر عند دوار الرئيس في حي باب السباع المجاور، حيث دُمر حاجزًا القلعة والفارابي تدميرًا كاملًا خلال عمليات للجيش الحر انتهت بقتل أكثر من 17 عنصر أمن، كما أدت هذه الاشتباكات الليلية إلى تدمير اثنتين من عربات الجيش وإصابة عشرات الجنود. وإثر هذه الأحداث بدأ قصف عنيفٌ بالمدفعية وقاذفات الصواريخ على حي بابا عمرو.. لينتهي تشرين الأول/ أكتوبر، ويأتي الثالث من تشرين الثاني/ نوفمبر، وفيه استمر القصف أربعة أيام موقعاً أكثر من 100 قتيل، وسطَ حصار الحي ونقص في الغذاء. وإن اتهمت منظمة هيومن رايتس ووتش النظام بارتكاب جرائم ضد الإنسانية في حمص خلال الحملة. لكن الجيش النظامي تمكن أخيراً في 8 تشرين الثاني/ نوفمبر من دخول بابا عمرو، وبذلك انتهت المعركة باستعادته السيطرة على المنطقة التي كانت قد أصبحت معقلاً للمنشقين عن الجيش. وإثرَ هذه الحملة أعلنت الهيئة العامة للثورة السورية 11 تشرين الثاني/ نوفمبر يوماً للإضراب العام في سوريا «تضامناً مع حمص».

في 16 تشرين الثاني/ نوفمبر أعلن الجيش السوري الحر عن أوَّل هجوم له على منشأة عسكرية نظامية منذ بدء الاحتجاجات، حيثُ هاجم مقر المخابرات الجوية في بلدة حرستا قربَ دمشق وقذفه بالصواريخ والرشاشات. وافقت الحكومة السورية دون تحفظات في الثاني من تشرين الثاني/ نوفمبر على خطة وضعتها جامعة الدول العربية لسحب الجيش من المدن والإفراج عن السجناء السياسيين وإجراء محادثات مع زعماء المعارضة خلال 15 يوماً كحد أقصى، وهي خطة كانت قد طرحت منذ نصف شهر للمرة الأولى. لكن عندما جاءَ 16 تشرين الثاني/ نوفمبر والخطة لم تنفَّذ بعد، اتخذت الجامعة قراراً بأغلبية ساحقة يقضي بتعليق عضويَّة سوريا في الجامعة العربية وإعطائها مهلة ثلاثة أيام للتوقيع على بروتوكول لإرسال مراقبين عرب إلى البلاد، وهو ما أثار سخطاً شديداً من جانب الحكومة السورية، وتبعته هجمات واقتحامات لسفارتي قطر والسعودية في دمشق وقنصليتي تركيا وفرنسا في حلب واللاذقية. ثم تمددت المهلة حتى مساء يوم الجمعة 25 تشرين الثاني/ نوفمبر، ومع إصرار سوريا على عدم التوقيع فرضت عليها عقوبات اقتصادية عربية في 27 تشرين الثاني/ نوفمبر.

مصدرالصورة: commons.wikimedia

guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments