ماجد كيالي

أكد الاتفاق الأمريكي ـ التركي مجدداً (أنقرة، 17/10)، على أربعة مسائل أساسية، الأولى، ومفادها أن الأطراف الدولية والإقليمية هي التي باتت تتحكم بمسارات ومستويات ومآلات الصراع الجاري في سوريا، أي الولايات المتحدة وروسيا وإيران وتركيا وإسرائيل، في غياب واضح للبعد العربي، بسبب عجزه أو بسبب اختلافاته. والثانية، أن القضية السورية لم تعد تتمثل بقضية شعب، أو أغلبيته، في مواجهة نظام استبدادي، إذ تداخلت وتشابكت التوظيفات والسياسات والإرادات الدولية، بحيث بات الصراع على سوريا بين تلك القوى هو الموضوع الرئيس. والثالثة، أنه لا النظام ولا المعارضة بات يمتلك من أمره شيئا، فالنظام مرتهن للإرادة الروسية (والإيرانية)، والمعارضة عدا عن قصورها وعجزها مرتهنة لتركيا والولايات المتحدة. أما المسألة الرابعة، فتفيد بأن ما يجري لا يتعلق بوقف الصراع الدائر في سوريا، ولا بالاستجابة لحقوق الشعب السوري، في التغيير السياسي، والحرية والمواطنة والديمقراطية، وإنما يتعلق بتقاسم النفوذ، من خلال استثمار الصراع السوري.

أيضاً، فقد أكد الاتفاق الأمريكي ـ التركي الحاصل (قبل أيام) بأن تركيا ما كان لها أن تقوم بحملتها العسكرية في شمال شرق سوريا بدون توافق، بهذه الدرجة أو تلك، مع كل من الولايات المتحدة (أساساً) وروسيا، سيما إنها ظلت تتحين ذلك منذ عامين. وكما لاحظنا فإن الاتفاق، بالإجمال، أقر بحق تركيا بفرض منطقة أمنة على حدودها الجنوبية مع سوريا، ولكنه حدد، ما أمكن، حدود تلك المنطقة، على الأقل لجهة عمق 32 كلم، وليس أكثر من ذلك، في حين بقيت مسألة تحديد رقعة الانتشار موضع خلاف، أو بانتظار التطورات مع الزمن، والقصد هنا الخلاف على طول المنطقة، بين 444 كلم أي بما يشمل المنطقة من تل أبيض إلى القامشلي (كامل الحدود السورية التركية)، وبين 140 كلم أي الحدود بين تل أبيض ورأس العين، باستثناء عين عرب، التي ستبقى تحت سيطرة روسية وكردية، بما في ذلك النظام ربما، بطريقة أو بأخرى؛ أي أن هذه النقطة، أي مساحة المنطقة الآمنة، ستظل موضع تجاذب، أو ستصبح بمثابة لغم في الاتفاق المذكور، يمكن أن يفجر الاتفاق في أية لحظة.

عدا الإقرار لها بالمنطقة الآمنة (في البندين التاسع والعاشر) فقد تمكنت تركيا، عبر الاتفاق المذكور، من إعادة تموضعها كعضو في حلف الناتو، وتخفيف التوتر بينها وبين الولايات المتحدة الأمريكية، وإيجاد نوع من التنسيق المشترك، في شمال شرق سوريا، بحسب ما جاء في البنود الثلاثة الأولى من الاتفاق المذكور، كما انتزعت اعترافا أمريكيا بحقها بمواجهة عمليات الإرهاب، والإرهابيين، والأمر في المفهوم التركي يتعلق بقوات البي كي كي الكردية، وطبعا قوات “قسد”، التي تعتبرها امتدادا للأولى، وهو ما تم النص عليه في البندين السادس والتاسع من الاتفاق المذكور، ويأتي ضمن ذلك، في البند السادس، الالتزام بوحدة سوريا السياسية، ووحدة أراضيها، في مسعى لتأكيد رفض قيام أي كيان منفصل، مع التأكيد على الارتكاز إلى مرجعية العملية السياسية التي تقودها الأمم المتحدة، والتي تهدف إلى إنهاء النزاع السوري وفقاً لقرار مجلس الأمن رقم 2254. وأخيرا، وبحسب البند 12، فإن تركيا كسبت عبر الاتفاق وقف مزيد من العقوبات الأمريكية ضدها، وسحب العقوبات التي كانت فرضت عليها، بسبب تلك الحملة العسكرية.

أما بالنسبة لقوات قسد، أو حزب الاتحاد الوطني البي واي دي، فإن مخاسره من الاتفاق أكبر، إذ تم التشكيك بشرعيته، وبطبيعته بين كونه قوة سورية، أو بوصفه امتدادا لحزب العمال الكردي التركي، كما بين الاتفاق انكشافه في مواجهة تركيا، بتخلي الولايات المتحدة عنه، وفقط فإن الاتفاق لحظ، في البند 11، تأمين انسحاب أمن لقواته من شمال شرقي سوريا، خلال 120 ساعة، لإتاحة المجال بعدها لإقامة المنطقة الآمنة. وفي الإجمال فإن ما حصل يفيد أو يفترض أن يدفع القوى المعنية، والمهيمنة في قسد، إلى مراجعة طريقها، وخصوصا بشأن محاولتها فرض أجندة خاصة، بعيدة عن مقاصد الثورة السورية، أو أجندة ذات طابع قومي، أو انفصالي، سيما إذا كانت عملية الفرض هذه مشوبة بشبهة العلاقة مع النظام، وتتم بواسطة القوة العسكرية، وبالاستناد إلى التحالف مع الولايات المتحدة الأمريكية.

بالأخير، فإن ما حصل يؤكد مجددا خسارة الثورة السورية، وخسارة الشعب السوري، الذي بات يدفع الثمن، من أرضه ومن تضحياته ومن وحدته، للأطراف الدولية والإقليمية على تضارب اتجاهاتها وتوظيفاتها.

مصدر الصورة: موقع الرئاسة التركية