حسام الجبلاوي

من بنايات الروس في اللاذقية التي يزيد عمرها عن أربعين عاماً، والتي كانت حاضرة على بداية التواجد الروسي في محافظة اللاذقية من خلال خبراء عسكريين كانوا يقطنون على أطراف اللاذقية، مروراً بالبعثات العسكرية لضباط الساحل التي نشطت في فترة التسعينات، وصولاً إلى التدخل العسكري الروسي المباشر في سوريا وإنشاء قاعدة حميميم في اللاذقية عام 2015، لم ينظر أهالي اللاذقية لاسيما الموالين لنظام الأسد للتواجد الروسي في منطقتهم كمحتل أو غريب عن البلد، بل كقوةٍ عظمى تسعى لمساندة بلدهم.

روسيا القوية:

وساهم هذا الاعتقاد عبر تلك السنوات إلى التأثر الفكري والثقافي بالقادمين الجدد، حتى وصل الحال لتجد صور الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين” تزاحم الأسد في وسائل المواصلات، وأصبحت اللغة الروسية تكاد تحل بديلة عن الانكليزية في معاهد التعليم وفي واجهات المحلات، التي غيّر بعضها أسماءها بشكل كامل لتتصدر أسماء مثل كافيه “موسكو” ومطعم “روسيا” أسواق اللاذقية.

التأثر بالقادمين الجدد كان الأكبر عند جيل الشباب الجديد الذي نشأ وكبر مع أحاديث الكبار عن دور روسيا في “حماية سوريا”، وقوتها التي أدت بحسب رأيهم “لإفشال مشروع أمريكا”، كما يوضح مصطفى الطالب الجامعي في اللاذقية، الذي قال لـ”بوابة سوريا” هذه الفئة بين أعمار الـ 15 إلى 20 تراهم الأكثر انبهاراً بروسيا، يظهر هذا في تزاحمهم لأخذ الصور مع الجنود الروس الذين يظهرون باستمرار في مطاعم وأسواق اللاذقية، وفي ستراتهم التي تحمل الكتابة الروسية وفي أحاديثهم”.

ويرى مصطفى أنّ التقارب الثقافي الأخير وانتشار تعليم اللغة الروسية بشكل كبير في مدراس ومعاهد اللاذقية أكثر من غيرها كان له عدة أسباب، أهمها “تواجد الجنود الروس في المحافظة بكثافة أكبر، وما خلّقه وجودهم من فرص عمل لهؤلاء الشبّان لاسيما الترجمة، هذا بالإضافة الى رغبة الشبّان الجامعيين بالحصول على فرصة الحصول على منحة للدراسة في روسيا”.

ويستند مؤيدو النظام في اللاذقية بحبهم ودعمهم للوجود الروسي، إلى تأثير التدخل الروسي والذي أدى برأيهم لتحويل الأوضاع بالكامل لصالحهم، حتى ذهب البعض في وسائل التواصل الاجتماعي للاستنجاد بروسيا في حال أي هجوم من الكيان الصهيوني أو من غيره على مواقع النظام.

تسهيلات من النظام:

وإلى جانب الأسباب السابقة ساهم النظام أيضا في تمدد الروس في اللاذقية من خلال تسهيل الفعاليات الثقافية والتعليمية، ففي العام السابق أعلن النظام عن افتتاح كلية لتعليم اللغة الروسية في جامعة تشرين.

كما يقيم المركز الثقافي في اللاذقية باستمرار دورات مجانية لتعليم الأطفال اللغة الروسية بشكل مجاني. وفيما يتعلق بالفعاليات الثقافية غزت الأفلام الروسية المترجمة دور العرض بإشراف مباشر من مديرية ثقافة اللاذقية، وآخرها كان قبل أيام قليلة فلم “أب للإيجار” الذي عرض في اللاذقية وجبلة لأيام متتالية.

التطبع الثقافي بالروس لم يتوقف على اللغة فحسب، حيث يعمل النظام على نقل حتى التراث الروسي إلى ذهن وعقول أهالي اللاذقية من خلال اقامة حفلات دورية للفرق الموسيقية الروسية والتي كان آخرها لفرقة “يارمركا” للموسيقا والرقص الشعبي القادمة من مدينة “بيرم” الروسية، وجرت عروضها على مسرح دار الأسد للثقافة والفنون في اللاذقية بحضور رسمي ضم محمد الأحمد وزير الثقافة التابع لحكومة النظام.

حتى معالم المدينة سعى النظام لطبع اسم روسيا عليها ومنها حديقة “الصداقة الروسية السورية” التي تم افتتاحها العام الماضي وسط المدينة وتم خلالها اقامة نصب تذكاري في وسطها.

 تقبل فكري:

وفق وسائل إعلام روسية فإنّ طلاب مدينة اللاذقية هم الأكثر اقبالاً لتعلم اللغة الروسية، ومع بداية التدخل الروسي في سوريا، واقرار النظام لمنهاج اللغة الروسية في مدارسه وصل عدد الطلاب الذين اختاروا تعلم اللغة الروسية في الصفين السابع والثامن فقط إلى أكثر من 2000 طالب، وزعوا على 61 شعبة في 23 مدرسة مختلفة في عموم المحافظة.

وفي هذا السياق يؤكد المحامي مازن ادريس أنّ العلاقة بين مؤيدي النظام وروسيا في اللاذقية ليست حديثة وإنما تعود لبداية آل الأسد في السلطة، وتقرب حافظ الأسد من القيادات الروسية المتلاحقة.

ويوضح المحامي في حديثه لـ “بوابة سوريا” أنّ مؤيدي النظام “لا ينظرون إلى روسيا نظرة المحتل، بل نظرة الصديق التاريخي الذي لم يتخلى عنهم، والقادم لمساندتهم دون أن يفرض عليهم عقيدته الدينية كالايرانيين، كما أنه بنظرهم أكثر تطوراً وأكثر رقياً حضارياً من غيرهم”.

ويرى إدريس وهو من سكان اللاذقية أنّ الروس مرحب بهم في المدينة غالبا أكثر من الإيرانيين “نظراً لطبيعة أنصار الأسد الذين تميل عقائدهم وطبيعة حياتهم إلى العلمانية”.

وأضاف إدريس دالّاَعلى تغلغل روسيا في اللاذقية بشكل كبير :” جميع مفاصل القرار في المحافظة أصبحت بيد قاعدة حميميم، منها خرج قرار تصفية ميليشيات النظام المتواجدة في المحافظة رغم أنها تتبع لأشخاص من عائلة الأسد، وهي نفسها من يلجأ إليها كبار الشخصيات والتجار في اللاذقية لتخليصهم من سطوة المليشيات”.

مصدر الصورة : مقهى موسكو فيسبوك