ما يُقارب عقدًا من الزمن مرّ على أطفال سوريا تحت الحرب، هؤلاء وُلدوا مع السنوات الأولى للثورة أو قبلها بسنوات قليلة، وأصبحوا خلال هذه السنوات شباباً، صادفتهم تجارب الرجال وواجهوا صعوبات الحياة بالرغم من صغر سنهم، كبرت أحلامهم معهم، وتغيرت طموحاتهم نتيجة الظروف والتغيرات الأمنية في سوريا.

وبسبب الظروف التي رافقت عمليات القصف والحصار التي شنّتها قوات النظام، لم يعش هؤلاء الأطفال طفولةً طبيعية، كما حُرموا من أبسط الاحتياجات التي يطلبها أي طفل في أي مكانٍ آخر من البقعة الأرضية، ما جعل الأطفال السوريين استثناءً في مرحلة الطفولة والمراهقة وما بعدها.

 

لم أشعر بطفولتي

يقول أسامة الحمزة من أبناء مدينة حماة: “تسع سنوات من طفولتي لم أشعر بها كطفل يومأ، فمنذ أيام الثورة الأولى كنت ابن التاسعة الذي لا يعرف شيئاً عن الحياة، فتحتُ عيناي على المظاهرات السلمية، ولم أسمع بأذنيّ سوى لعنة عائلتي على نظام الأسد الذي اعتقل والدي بتهمة التظاهر السلمي”.

يضيف أسامة: “كان التظاهر حلمي والهتاف في المظاهرة غايتي، وذلك لما عرفته عن نظام الأسد من صغري، فغياب والدي عنا في سجن الجوية لعشرة أشهر كان كفيلاً بأن يجعلني رجلاً وأنا أكبر أطفال العائلة”.

ويكمل أسامة:”كنت أطلب من أعمامي أن أخرج معهم إلى المظاهرات، لأنّني أراه شعورًا جديدًا يمنحني الإحساس بنوع من الرجولة، لذلك كنت أنتظر يوم الجمعة لانطلاق المظاهرة والهتاف فيها مع رجال الحي، والتي كانت غالبًا ما تنتهي إما باعتقال الشباب أو إطلاق النار على المظاهرة من قبل قوات الأمن التابعة لنظام الأسد”.

في السنة الأولى من الثورة، عاصر أسامة عهد القوة للثورة، ويقول: “عندما كنت أستمع لأناشيد الثورة أشعر بأنني كبرت عن ذاك الطفل الصغير، الذي رفض الخروج في المسيرات المؤيدة والإجبارية التي ينظمها مدراء المدارس بالإجبار وبضغط من قوات الأمن، ورفضت تمجيد الأسد كما فعل مؤيدوه، فقد كان كاذباً وقاتلاً بنظري، عندما اعتقلت قواته والدي بتهم كاذبة واعترضت طريقنا بالمظاهرات السلمية وقتلت أطفال درعا الذين تصرفوا بفطرة الأطفال بتُّ أشد معارضة للنظام”.

أما محمد الصالح من أبناء مدينة طيبة الإمام فعرف معنى الثورة عندما داهمت شبيحة الأسد منزله في شهر رمضان لتعتقل والده، الذي هرب لمنزل آخر.

يقول محمد الذي أصبح شابًا: “كل ما كنت أعرفه أن الشبيحة عندما يداهمون منزلاً ولا يجدون صاحبه كانوا يعتقلون الطفل الأكبر ليضطر والده لتسليم نفسه، فما كان منّي إلا أن رميت بنفسي من السطح لأتمسك بجداره الذي لم أعد أقوى على إمساك حوافه الخشنة حينها”.

يسرد محمّد عن طفولته: “كبرتُ مع هذا الخوف الذي جعل مني شاباً يخشى الاعتقال وأنا ابن السابعة فقط، فبعد كل مظاهرة كان هناك مداهمة وخوف واعتقال”.

انتهى المطاف، بمغادرة عائلة محمّد إلى الشمال السوري، حيث كان يعتقد أن الحرية والثورة هناك، والتحق بمن سبقه من شبّان المدينة ليحقّق حلمه ويهتف ضد نظام الأسد دون خوف.

 

تضحية منذ الطفولة 

ضحّى الكثيرون من أبناء حماة وريفها بممتلكاتهم في سبيل، وتركوا كل شيء وراءهم لتصادره قوات الأسد في مدينة حماة، نازحين نحو الشمال السوري ليعيشوا.

يسرد أسامة الحمزة عن مرحلة طفولته: “تنازلنا عن بيتنا وأرضنا التي صادرتها قوات الأسد بعد خروجنا من المدينة، كما ضحيت بسريري الصغير الذي كان كمملكة خاصة بي وملكي الوحيد، ولم أحظَ بسرير مثله في منازل الشمال، في سبيل الكرامة والحرية التي كبرت معي على مدار السنوات التسع”.

ويقول أيضًا: “كانت سنوات النزوح طويلة، عاصرتُ فيها تغيرات كثيرة في حياة الثورة، التي لا زالت في نظري ثورة كرامة، وواجهت صعوبة في المدرسة التي كانت هدفاً لطيران الأسد والروس، ومع كل تلك الظروف أصبحت طفلاً بفكر الشباب”.

رغم كل المصاعب التي واجهت أسامة، ولكنّه وصل اليوم إلى مرحلة الشهادة الثانوية، ويقول: “من واجبي أن أدرس وأحصل على شهادة جامعية، لأساهم من جديد في نهضة سوريا، لأنّها بحاجة للشهادات والثقافة التي تنهض بمستواها العلمي من أجل إدارة الحياة في مرحلة ما بعد سقوط الأسد.

 

أطفال داخل المعتقلات

تسعى دول العالم ومنظمات الطفولة للاهتمام بالأطفال لأنهم أمل المستقبل، لكن في سوريا، المعادلة تختلف تمامًا، فلم يسلم الأطفال من الاعتقال والتعذيب، في محاولة من قوات الأسد لمعاقبة أولياءهم المعارضين.

يقول علاء القاسم: “اعتقلتُ قبل أربعة سنوات وأنا ابن الخامسة عشر من أمام منزلي، بتهمة تواصلي مع الثوار في الشمال السوري، قادوني إلى فرع الجوية في حماة، مقيد اليدين مغمض العينين، تعرضت للتعذيب لليلة كاملة بالضرب والشبح والكهرباء والشتائم البذيئة، حتى فقدت الوعي لعدة مرات، وفي الصباح التالي تم ترحيلي إلى فرع الجوية بدمشق”.

يكمل علاء: “في فرع الجوية بدمشق كانت أسئلة المحققين أكبر من استيعابي لما يحدث، فما عرفت من الثورة سوى المظاهرات السلمية، ورفع اللافتات بجوار والدي التي تنص على أن الشعب واحد، بينما كانت أسئلة المحققين عن معلومات أوصلها للإرهابيين بحد زعمهم، وإحداثيات وأسماء للشبيحة حتى تتم محاسبتهم في حال وقعوا في أيدي الثوار”.

 

بقي القاسم سنة كاملة في سجن المخابرات الجوّية بدمشق، في غرفة لا تتجاوز مساحتها نصف متر مربّع، يتعرض للتعذيب بشكلٍ يومي، حتى استطاعت عائلته إخراجه من السجن بعد أن دفعت مبالغ بالملايين، للقاضي العسكري، الذي جرده من جميع حقوقه المدنية في مناطق النظام وتم تسجيله على أنّه “متوفي” في سجلات النظام العسكرية والمدنية، فلا يحق له أن أملك أي شيء في مناطق النظام”.

 أصبح علاء اليوم شاباً في التاسعة عشر من عمره، التحق بالجيش الحر منذ وصوله للمناطق المحررة نتيجة التعذيب والأمراض المزمنة بالمفاصل التي أصيب بها في معتقلات الأسد، والتي خلفت لديه آثاراً نفسية لا تندمل بسهولة.

 

إذا سألوكم هل تحبّوا الأسد؟ قولوا نعم

تختلف الخسارات من طفل لآخر، بحسب الظروف والمكان الجغرافي، يروي قصي السليمان من مدينة حماة قصته: “بعد أن فرَّ والدي إلى مناطق الشمال السوري نتيجة ملاحقة قوات الأسد له، كان لا بد لبقية الأسرة من اللحاق به، وخصوصًا مع تكرار مداهمة منزلنا من قبل قوات الأسد ونحن كنا صغاراً حينها أنا وأخوتي، فأنا أكبرهم ولم أتجاوز السابعة”.

أضاف السليمان: “اصطحبتنا جدتي في عام 2012 نحو الشمال السوري، وقالت لنا في حال تم إيقافنا على الحواجز وسؤالنا إلى أين تذهبون، يجب القول إلى منزل أقاربكم في مروك، وإن تم سؤالنا فبما إذا كُنّا نحب بشار الأسد يجب الإجابة بنعم دون تردّد”.

لم يكن قصي يدرك معنى تلك التوصيات حتى وصل مع أسرته إلى قرية صغيرة تُدعى “أم زيتونة” في ريف إدلب الجنوبي للعيش مع والده الملاحق من قوات الأسد.

يتابع قصي: “في تلك القرية لا يوجد مدرسة بل مسجد صغير ككتاب تلقينا فيه بعض الدروس لساعات قليلة لا تشبه دوام المدرسة، استمر هذا الحال لثلاثة سنوات متتالية، نسيتُ فيها المنهاج المدرسي والدراسة، حتّى أنّني عندما أصبحت في العاشرة من عمري لم أكن أستطع القراءة والكتابة بشكل جيد، ولم أعد أستوعب المناهج الدراسية عندما حاولت العودة إلى المدرسة بعد انتقالنا إلى مدينة كفرنبل حيث كان يوجد هناك العديد من المدارس”.

واليوم يقف قصي أمام منهاج الشهادة الإعدادية الضخم عاجزًا عن تجاوزه بعد محاولات استمرّت لعامين، بسبب الانقطاع عن المدرسة لثلاث سنوات خلال طفولته. 

عقد من السنوات مرّ على أطفال سوريا، تخلله ظروف وتجارب مختلفة، هناك من تجاوزها واستمر في طريقه رغم تغير كل شيء من حوله، وهناك من توقف وأثرت عليه تلك الظروف، بينما هناك من اختار طريقاً آخر وجد فيه مستقبله.

guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments