تطورات عسكرية وسياسية متسارعة تشهدها مناطق شمال شرق سوريا، منذ أن بدأ الجيش التركي والفصائل السورية المدعومة منه عملية عسكرية حملت اسم “نبع السلام” لإبعاد قوات سوريا الديمقراطية المدعومة من الولايات المتحدة، والتي تشكل وحدات حماية الشعب الكردية سوادها الأعظم، عن الحدود الجنوبية لتركيا بحجة محاربة الإرهاب وإنشاء المنطقة الآمنة التي اتفق عليها كل من أنقرة وواشنطن ويبدو أنها هذا الاتفاق الأمريكي انهار مع الاجتياح التركي للحدود السورية بين مدينتي رأس العين التابعة لمحافظة الحسكة وتل أبيض التابعة لمحافظة الرقة في التاسع من شهر تشرين الأول / اكتوبر الجاري.

وشن الجيش التركي عمليته العسكرية بقصف مدفعي وجوي لعدد من المدن والبلدات الحدودية في الأراضي السورية، راح ضحيتها عشرات الضحايا من المدنيين والعسكريين، في مشهد مفزع لم يألفه مواطنو شمال شرق سوريا الذين عاشوا استقرار نسبياً خلال السنوات القليلة الماضية، وخاصة بعد الإعلان القضاء على “دولة الخلافة” المتمثلة بـ”داعش”.

مقتل العشرات ونزوح أكثر من 300 ألف بينهم 70 ألف طفل

وتوغل الجيش التركي والفصائل السورية المدعومة منه داخل الاراضي السورية، حيث سيطروا على العشرات من القرى بين مدينتي رأس العين وتل أبيض، تسببت بمقتل أكثر من 85 مدنياً وجرح العشرات ونزوح أكثر من 300 ألف شخص بحسب احصائية لـ”الإدارة الذاتية”، فيما قالت الأمم المتحدة إن بين النازحين 70 ألف طفل من مناطق العمليات العسكرية.

ويروي “محمد جاسم” كيف أنه نزح من مدينته الدرباسية الحدودية إلى مدينة الحسكة، بعد أن تعرض منزله للقصف التركي، ويقول لـ”بوابة الجزيرة السورية” : “تم ضرب الدرباسية بجميع أنواع الأسلحة وكان الوضع مأساوي جدا, وأتت قذيفة على المنزل الذي كنا نسكن بداخله مما أجبرنا على النزوح منه, فأتينا إلى هنا إلى مركز إيواء, حيث يوجد فيه 50 شخص, نزحنا في شاحنة وأكثر شيء عانينا منه هو القصف العشوائي”.

 

الاتفاق الأمريكي – الكردي على مفترق طرق

وتلقت قوات سوريا الديمقراطية دعماً عسكريا ولوجستياً من التحالف الدولي ضد داعش الذي تقوده الولايات المتحدة، بعد المقاومة الشرسة التي أبداها مقاتلو وحدات حماية الشعب، العمود الفقري لـ”قسد”، في مواجهة تنظيم داعش بمدينة كوباني / عين العرب الحدودية مع تركيا، وزاد هذا الدعم خلال السنوات الأخيرة بهدف القضاء على تنظيم داعش الذي انتهى فعليا على يد “قسد” بإسناد جوي وعسكري من التحالف، حيث شكلت “قسد” قوات عسكرية قوامها 70 ألف مقاتل سيطروا على كامل محافظة الحسكة والرقة والريف الشرقي من محافظة دير الزور، وكانت الولايات المتحدة تعبر عن دعمها لشركائهم المحليين خلال هذه السنوات، حتى وصفتهم بالمقاتلين الشجعان في كثير من المحافل. لكن يبدو، وفق مراقبين، أن الشركاء المحليين تسببوا بإحداث شرخ بين حلفاء الناتو، واشنطن وأنقرة التي تصف “قسد” بـ”الإرهابيين”، وتعتبرهم امتداد لحزب العمال الكردستاني الذي يقاتل تركيا منذ عقود.

ويبدو أن الضغط التركي على حليفتها الاستراتيجية الولايات المتحدة، أعطاها الضوء الأخضر لمهاجمة الشركاء المحليين المتمثلين بـ”قسد”، الأمر الذي اعتبرته الأخيرة “طعنة في الظهر” من الداعمين الأمريكيين الذين زجوا بمقاتليها في معارك عنيفة ضد داعش في جغرافية تمثل ثلث سوريا. وبالرغم من تصريحات الرئيس الأمريكي، دونالد ترمب، المتكررة بحماية “الأكراد” وأنه لن يتخلى عنهم، إلا أن الواقع على الأرض والتطورات الميدانية تقول عكس ذلك، خاصة بعد سحب الجنود الأمريكيين من القواعد العسكرية شمال سوريا، بقرار من ترمب والبنتاغون.

 

وقف إطلاق النار 270 ساعة

زادت الضغوطات الدولية على الرئيس التركي “رجب طيب أردوغان”، بسبب عمليته العسكرية “المنفردة” التي شنتها قواته في شمال سوريا، حيث نددت معظم الدول الغربية والعربية بهذا التدخل العسكري، ولاقى “أردوغان” مزاعم دولية بالتطهير العرقي والتغيير الديموغرافي وزعزعة الأمن والاستقرار في المنطقة التي عانت الكثير من تنظيم داعش، لكن بقيت هذه الإدانات مجرد تصريحات إعلامية لم تثني “أردوغان” عن عمليته العسكرية التي استمرت حتى يوم الخميس 17 تشرين الأول /اكتوبر، بعد الإعلان عن تجميد العمليات القتالية بقرار أمريكي – تركي مدة 120 ساعة، شريطة انسحاب مقاتلي “قسد” من “المنطقة الآمنة” مسافة 32 كيلومتر، وبالفعل انسحب المقاتلون من مدينة سري كانيه / رأس العين، إلا أن الوقف المؤقت لإطلاق النار سجل عدد من الانتهاكات.

لكن الأمور لم تنتهي على هذا المنوال، وطالبت تركيا بانسحاب “قسد” من كامل الشريط الحدودي مسافة 32 كم، إلا أن القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية، مظلوم عبدي، أكد أن الاتفاق محصور بسحب مقاتليه بين مدينتي سري كانيه / رأس العين وتل أبيض بعمق 32 كم، وليس من كامل الشريط الحدودي، وهو ما دفع بأردوغان إلى التهديد بسحق “قسد” بعد انقضاء المهلة، وهنا توجهت “قسد” إلى الروس للتوسط لها بعقد اتفاق مع النظام السوري لحماية الحدود السورية وردع العملية العسكرية التركية، وبالفعل بدأت قوات النظام السوري بالانتشار في عدد من المناطق الخاضعة لسيطرة “قسد” التي أكدت أن الاتفاق هو “مذكرة تفاهم” لحماية الحدود لا أكثر، بينما أعلن النظام السوري عن البدء باستعادة المناطق التي خسرها خلال سنوات الثورة، وفي هذه الغضون زار الرئيس التركي نظيره الروسي، فلايمير بوتين، وعقد معه اتفاق وقف إطلاق النار مدة 150 ساعة، شريطة انسحاب “قسد”من كامل الشريط الحدودي مسافة 32 كم، وتسيير دوريات مشتركة روسية تركية على الحدود وتطبيق اتفاقية “آضنة” المبرمة بين سوريا وتركيا في تسعينيات القرن الماضي، وبذلك توقفت العملية العسكرية 270 ساعة.

 

انتهاكات وخروقات لوقت إطلاق النار

العملية العسكرية التركية في الأراضي السورية تسببت بمقتل ما لا يقل عن 85 مدنياً وعشرات الجرحى بحسب الهلال الأحمر الكردي، ناهيك عن الاستهداف المباشر للمدنيين، لعل أبرزها كان مقتل السياسية الكردية وأمين عام حزب سوريا المستقبل، هفرين خلف، التي أُسِرت مع مرافقيها من قبل فصيل “أحرار الشرقية” التابع للجيش الوطني المدعوم تركياً، وصَور أحد إعلاميّ الفصيل مقتلها رمياً بالرصاص بعد عملية الأسر في انتهاك صريح لحقوق الانسان، الأمر الذي لاقى غضباً واسعاً بين رواد مواقع التواصل الاجتماعي، وتعدى ذلك إلى إدانات دولية لتركيا بارتكاب الفصائل المدعومة منها “جرائم حرب”. وبالطبع لم يتوقف التنكيل والتمثيل بالجثث عند “هفرين” فقط، بل استمرت فصائل “الجيش الوطني” في بث مقاطع لمقاتليها أثناء السيطرة على مواقع لـ”قسد”.

ورغم الإعلان عن وقف إطلاق النار، وانسحاب قوات سوريا الديمقراطية من مدينة رأس العين، إلا أن الجبهات ما تزال مشتعلة والنيران والمدافع لم تتوقف بعد، في مناطق عدة بريف رأس العين وتل تمر وعين عيسى، وتعتبر خروقات لاتفاقية الـ 150 ساعة المعلنة في سوتشي، الثلاثاء الماضي، وتؤكد قوات سوريا الديمقراطية إنها “وبالرغم من التزامها باتفاق إطلاق النار، إلا أنها سجلت العديد من الخروقات من القصف المدفعي والاشتباكات المستمرة في مواقع عدة.”