تعرّض القطاع التعليمي خلال سنوات الحرب للكثير من الخسائر، بدايةً من قصف المدارس إلى تدني المستوى التعليمي بالنسبة للكادر التعليمي والطلبة على حد سواء، إضافةً إلى حالة التشتت والنزوح والحاجة لتأمين لقمة العيش فالظروف القاسية جعلت الكثير من الطلّاب يتسرّبون من المدارس لتأمين لقمة عيشهم.

وبعد انسحاب قوات الأسد تدريجيًا من مناطق شمال شرق سوريا، محتفظة بمقار حكومية وإدارية وبعض القوات لا سيما في مدينتي الحسكة والقامشلي، سيطرت “قوات سوريا الديمقراطية” على مساحات واسعة من تلك المناطق، وأسّست “هيئة التعليم” التي بدورها طرحت منهاجها الخاص بها وباللغتين الكردية والعربية.

وبالمقابل، احتفظ نظام الأسد بالمربعين الأمنيين في كل من الحسكة والقامشلي وبقيت المدارس عاملة كما في السابق ليكون الناس بين خيارين، إما إرسال أطفالهم إلى مدارس النظام أو لمدارس “الإدارة الذاتية”.

 

بين مدارس النظام ومدارس الإدارة

عملت “الإدارة الذاتية” على إنشاء معاهد لإعداد المعلمين ولجنة خاصة لإعداد المناهج باللغتين العربية والكردية على أن يدرس الطلّاب العرب باللغة العربية، والأكراد باللغة الكردية، مع إضافة حصص لتعليم اللغة الكردية والعربية لكليهما.

وقالت الرئيسة المشتركة لهيئة التربية والتعليم سميرة الحاج علي لـ “بوابة سوريا”: “إن عدد التلاميذ في المدارس التابعة للإدارة بلغ أكثر من 210 آلاف تلميذ في أكثر من 2200 مدرسة”.

وأضافت الحاج علي: “نقوم بتدريس منهاجين باللغتين العربية والكردية، إضافة لإعداد المعلمين ضمن معاهد خاصة”.

وانقسم السكّان بين مؤيد لهذا المنهاج وبين معارض له، ويقول خالد حسين وهو أب لأربعة تلاميذ في المرحلة الإبتدائية: “لسنا ضد التعليم باللغة الكردية، ونريد أن يتعلم أطفالنا اللغة لكن الشهادات التي تقدمها الإدارة الذاتية غير معترف بها فإذا تخرج أبنائي من مدارسهم إلى أين يذهبون؟”.

فيما يصر جوان علي وهو مدرّس في إحدى مدارس الإدارة الذاتية على أن إرسال الأطفال إلى مدارس الإدارة أفضل بكثير من مدارس النظام، معللاً ذلك بأن مؤسسات الإدارة ستستقبل خريجي هذه المدارس وأن الإدارة افتتحت جامعات ومعاهد لاستكمال التعليم.

ويعتبر علي، أن 90 بالمئة من خريجي معاهد وجامعات النظام السوري هم موظفون الآن في مؤسسات الإدارة الذاتية موضحًا أن خريج جامعات النظام قد لا يحالفه الحظ في إيجاد وظيفة وإن توظف فإن راتبه لا يتعدى الثلاثين ألفًا، في حين أن أقل راتب شهري في مؤسسات الإدارة هو 60 ألف.

ما ذكره جوان علي لم يكن مقنعا للكثيرين و الذين مازالوا يرسلون أطفالهم إلى مدارس النظام رغم الصعوبات فهم يحلمون بمستقبل أفضل لأطفالهم، ولا يريدون الاكتفاء بالمناهج الكردية.

هذا الأمر دفع “الإدارة الذاتية” إلى إصدار تعميم تمنع فيه موظفيها من إرسال أطفالهم إلى مدارس النظام وقامت قوات الاسايش ايضًا بمنع سيارات الأجرة والحافلات من نقل التلاميذ إلى الأحياء التي تسيطر عليها قوات الأسد.

 

مدارس معدودة للنظام

تتوزع بعض المدارس في كل من مدينتي الحسكة والقامشلي وبعض القرى المحيط بهما والتي ما زال التعليم الحكومي ساريا بها، لكن التعليم فيها متدني، إضافةً إلى أن الحصول على مقعد دراسي الأطفال في هذه المدارس ليس بالأمر السهل، بسبب إقبال آلاف التلاميذ عليها.

ونتيجة الإقبال الكبير على مدارس النظام، اضطرت هذه المدارس إلى اعتماد دوامين يوميًا، حتى أنها حذفت الكثير من المواد الترفيهية مثل الموسيقى والرياضة والرسم.

يقول محمد الحاج وهو والد لطفلين في مدارس النظام: “اضطر للذهاب مرتين إلى المربع الأمني فابني دوامه صباحي وابنتي دوامها مسائي وأحتاج لنقلهما في كلا الدوامين”.

ويوضّح الحاج علي أن مصاريف نقلهما من وإلى المدرسة أثقل كاهله بالأعباء المادّية، ولكنّه لا يجد أي حل آخر كونه يبحث عن مستقبل لأولاده.

يرى المدرّس علي العبد أن “اكتظاظ المدارس بالتلاميذ أصبحت السمة الأبرز لمدارس النظام فالصف الذي كان استيعابه ثلاثين تلميذًا أصبح يجتمع فيه ما يقارب المئة تلميذ والمقاعد لا تكفيهم لذلك يجلس الكثير من التلاميذ على الأرض”، موضحًا أنّه مع الكم الهائل لعدد الطلّاب في تلك المدارس يصبح من الصعب ضبط الطلّاب والعناية بهم وتقديم التعليم بصورة مناسبة.

بالرغم من كل هذه الصعوبات يتوافد كل صباح الألاف من التلاميذ إلى المدارس ضمن المربع الأمني فاغلب الأهالي يجمعون على أن مستقبل أطفالهم هو في هذه المدارس، حتى أن البعض استقر في مدينة الحسكة من القرى المجاورة من أجل تدريس أطفالهم في مدارس النظام.

 

أكثر من 86 ألف طالب حُرموا من التعليم

وأدّت العملية العسكرية التي تقودها تركيا والمعارضة السورية ضد “قوات سوريا الديمقراطية” مؤّخرًا لتعميق جراح الطلّاب في شمال شرق سوريا، فبحسب “هيئة التربية والتعليم لشمال شرق سوريا”، فإن أكثر من 86 ألف طالب وطالبة حُرموا من التعليم بسبب إغلاق المدارس منذ بدء العملية العسكرية.

وأوضحت الهيئة في بيانٍ لها، أن العملية التعليمية توقّفت في 810 مدرسة بمختلف مناطق شمال وشرق سوريا، مشيرة إلى توقف 5224 معلم ومعلمة عن العمل التربوي.

وكشف البيان عن أعداد الطلاب والمدارس والمعلمين الذين تضرروا من الحملة العسكرية، ففي إقليم الجزيرة الذي يشمل منطقة رأس العين والقرى المجاورة لها، بلغ عدد المدارس المتوقفة عن العمل 150 مدرسة منها 20 مدرسة دُمّرت بشكلٍ كامل، في حين أن عدد الطلاب الذين حُرموا من التعليم بلغ17526 طالب وطالبة، إضافة إلى 1409 معلم ومعلمة انقطعوا عن العملية التربوية. 

أما منطقة “تل تمر” فبلغ عدد المدارس المتوقفة عن العمل بحسب البيان ذاته، 120 مدرسة وعدد الطلاب الذين حرموا من التعليم 7633 طالب وطالبة وعدد المعلمين الذين انقطعوا عن متابعة العملية التربوية 849 معلم ومعلمة.

وفي منطقة الدرباسية، بلغ عدد المدارس المتوقفة عن العمل 114 مدرسة وعدد المعلمين المتوقفين عن العمل 983 معلم ومعلمة، وأخيرًا في تل أبيض/كري سبي وقراها، بلغ عدد المدارس المتوقفة عن العمل 426 مدرسة وعدد الطلاب الذين حرموا من التعليم 51200 وعدد المعلمين المتوقفين عن العمل 1983، إضافة لإشغال عدد من المدارس بالنازحين وهي 3 مدارس في القامشلي و35 مدرسة في الحسكة ومدرستين في كركي لكي (معبدة)، وفقًا لذات البيان.

ومع اكتظاظ المدارس بالنازحين خاصة في مدينة الحسكة كان هناك اقتراح قيد الدراسة بانشاء مخيم لهؤلاء النازحين على الطريق الواقع بين مدينة الحسكة وبلدة تل تمر حتى يعود جميع التلاميذ إلى المدارس.

وقالت نيروز أحمد عضو لجنة إدارة المدارس في ناحية عامودا لـ “بوابة سوريا”: “إن المدارس تعطلت لمدة ثلاث أيام بسبب أوضاع الحرب والقصف، وبعدها تم افتتاح المدارس مع العلم أن الدوام الإداري لم ينقطع ابدًا” وناشدت الأهالي لإرسال أطفالهم إلى المدارس بعد هدوء الأوضاع.

وأضافت أحمد: “مع الهدوء النسبي الذي يشهده المنطقة سنعود إلى عملنا كما في السابق ولا صحة للاخبار التي تداولها البعض حول تسليمنا المدارس للنظام السوري”.

guest
1 تعليق
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
trackback

[…] المدارس الواقعة في المربعين الأمنيين في القامشلي والحسكة، […]