فيلم من نوع يصعب تصنيفه بين الدرامي أو عنف وإثارة و أكشن، أو حتى نفسي، لكن بالتأكيد هو فيلم سيرة ذاتية ويصح عليه كل ما سبق ذكره، وهو بطبيعة الحال عمل جدلي له جذور في السينما الأمريكية، فقد نُفذت أفلام سابقة لنفس القصة، بل وشارك الممثل “روبرت دينيرو” بدور المهرج في فيلم آخر حمل عنوان (ملك الكوميديا)، كما أن لهذا العمل السينمائي (الجوكر) جذور واقعية فهو مستمد من أحداث حقيقية وقعت أثناء احتجاجات نيويورك في الثمانينات، كما أن شخوص الفيلم يمثلون شخصيات حقيقية ساهمت في اندلاع تلك الاحتجاجات، بمعنى اسقاط الواقع الحقيقي لمدينة نيويورك على أحداث الفيلم وشخوصه، وبمعنى آخر أن كُتاب السيناريو استمدوا قصة حقيقية ولم تكن من وحي خيالهم.

وتلقى الفيلم الكثير من الإشادة من النقاد والمتفرجين في الأيام الأولى من عرضه على الشاشة الكبيرة، كما أنه لاقى الإعجاب من آخرين، كونه يطرح قضية جوهرية في تطور المجتمعات الرأسمالية وتَغول الطبقات الغنية على الطبقات الفقيرة والمهمشين والمسحوقين. الفيلم ألقى بظلال سوداوية ومعتمة ونوع من الاكتئاب على نفسيتي ومزاجي كمتفرج فهو يقدم “آرثر” ثائراً فردياً ينفذ عصياناً مسلحاً ضد ظلم جماعي، حيث لاقت أعماله (آرثر)، وخصوصاً عمليات القتل، ترحيباً وتفاعلاً من الجموع الثائرة (كلنا الجوكر)، إلا أن مأخذي على الفيلم أن مقاربة الثورة ليس بالضرورة أن تكون فردية، رغم أهمية دور الفرد، وليس بالضرورة اختيار فرد يعاني من حالة مرضية مزمنة رغم تعاطفي معه، ربما هذا التعاطف عائد لاحترافية “خواكين فينيكس” للدور. وباعتقادي أن بقية الممثلين لم يصلوا لمستواه رغم أهميتهم واحترافيتهم المشهود لها بطبيعة الحال، ربما لعدم بذلهم الجهد الكافي كما في حال “روبيرت دينيرو”، وبالطبع لا يمكن قول الكثير على أداء الممثلين والتصوير وزوايا الكاميرا والموسيقا التصويرية أو بقية عناصر الفيلم من ديكور وإضاءة أو أزياء ومكياج، كونها قاربت الكمال الابداعي والجمالي.

قصة الفيلم:

“الجوكر” تجسد السيرة الذاتية للشاب “آرثر” ويلعب دوره الممثل خواكين فينكس الذي يعمل مهرجاً جسده هزيل ذي الشعر الطويل الدهني والمصاب بخلل نفسي وعقلي؛ تجعله يضحك ضحكة هستيرية دون أن يمتلك القدرة على وقفها أو التحكم بها،  نتيجة لإصابة قديمة في الرأس منذ الصغر، نتيجة لتعرضه للضرب من والده المفترض حسب رواية والدته ليتضح أنه كان فقط عشيق والدته، التي نكتشف أنها بدورها أمه بالتبني وليست والدته الحقيقية أو البيولوجية، ويعيش مع والدته في شقة سكنية صغيرة وبائسة في حي متواضع وفقير من مدينة افتراضية تدعى “جوثام” عام  1981.

تبدأ قصة الفيلم بمشهد خارجي للمهرج “آرثر” وهو يحمل لافتة أمام واجهة أحد المتاجر وسرعان ما يتعرض له مجموعة من الشباب المراهقين بالضرب بعد سرقة لافتته وملاحقته لهم فيقومون بكسرها على رأسه في مشهد عبثي ومهين، لنكتشف لاحقا أن حياته عبارة عن سلسلة من حلقات الاضطهاد، بدأت منذ ولادته مع اهمال والدته له وتعرضه للضرب من عشيق والدته، وكان يتعرض لسخرية واستهزاء زملائه المهرِّجين الآخرين في الفرقة الفنية التي يعمل بها. وكان جيرانه في حيّه الفقير يعاملونه على أنه شخصٌ مزعج وغريب الأطوار، ونكتشف ذلك عندما يفرض مديره في العمل عليه دفع ثمن اللافتة المكسورة دون أدنى تعاطف. وهنا المخرج “تود فيليبس” يظهر وحشية العالم الرأسمالي وتغوله وانقسام المجتمع الحاد بين طبقتين، طبقة تملك كل شيء وطبقة مسحوقة لا تملك شيء، وكأنهما عالمين منفصلين عالم مليء بالأضواء والألوان والدهشة والترف والمتعة وعالم آخر سفلي مظلم مليء بالأمراض والنفايات والقذارة في انقسام واضح، ربما ليبرر لنا مخرج الفيلم الاحتجاجات والفوضى التي قامت بعد تنفيذ “آرثر” عمليات قتل، إثر خسارة وظيفته وتعرُّضه لاعتداءٍ وحشيٍّ جديد من ثلاثة شباب أقوياء يعملون في وول ستريت، مارسوا الاستقواء والتنمر عليه وضربه بسبب ضحكته المزعجة لهم. ودفاعه عن فتاة تحرشوا بها، فما كان منه إلا أن سحب المسدس وأطلق النار على المعتدين. في جريمة قتل ثلاثية في قطار الضواحي، عندها قال “آرثر” إنه يشعر بالحياة لأول مرة في حياته .وذلك بعد أن لجأ إلى الدفاع عن النفس وتطبيق العدالة بشكل فردي.

وجريمة القتل الأولى هذه لآرثر، كونها استهدفت شباباً من العاملين في “وول ستريت”، تجعل من المهرج القاتل بطلاً شعبياً بنظر الفقراء أو الشباب العاطلين عن العمل، والذين يرتدون أقنعة المهرِّج، وهم يتظاهرون في الشارع يحملون لافتاتٍ تقول: «جميعنا مهرجون»، بالتوازي مع ارتكاب المهرج “ارثر” لجرائمه.

وبالتوازي مع ارتكابه للجرائم، بقي آرثر منتظماً في زيارة عيادة أخصائية اجتماعية سوداء البشرة، قليلة الكلام توفّر له قدرة الحصول على الأدوية النفسية المدعومة من الحكومة، كونها غالية الثمن ولا قدرة له على شرائها، إلا أن الدعم الحكومي توقف عن العيادة في أحد الأيام، وقالت الأخصائية لـ”آرثر”: «إنهم لا يهتمون بشأنك على الإطلاق»، مما شكلت صدمة على “آرثر” ليعود إلى ارتكاب جريمة قتل ثانية بكل برودة أعصاب، وهذه المرة كانت مديره في العمل انتقاماً لسوء معاملته السابقة.

أما سير علاقته بوالدته فتنتهي بدورها نهاية مأساوية، حيث نجد أنه وتحت طلب وإلحاح والدته، وبعد أن يقرأ الجوكر خطاباً من والدته المريضة إلى “توماس واين”، المرشَّح لمنصب العمدة، تتوسَّل فيه إليه، من أجل مساعدتهم وانتشالهم من الفقر المُدقع يقوم “آرثر” بزيارة “توماس واين” عشيق والدته، ويتمكن من الوصول للبوابات الخارجية لقصره لكنه يُمنع من الدخول ويتم طرده فيقوم بملاحقة “توماس” حتى تمكّن من التواصل معه في حمامات أحد المسارح، ليخبره “واين” أنّ أمه مجنونة وأن “آرثر” مُتبنّى، قبل أن يطرحه أرضاً بلكمةٍ قويّة في وجهه.

وتتصاعد وتيرة ايقاع الفيلم بقتله لوالدته أيضا، ورغم كل ذلك يبقى مواظبا على حضور حلقات برنامج تلفزيوني ساخر وكوميدي سواء بالحضور داخل الاستوديو أو متابعة البرنامج عبر شاشة التلفزيون ويبدو تعلقه بمقدم البرنامج، الذي يلعب دوره الممثل المشهور “روبرت دينيرو” والذي يرسل دعوة لـ”آرثر” للمشاركة في إحدى الحلقات واصفا إياه بـ”الجوكر” في أسلوب ولكنة ساخرة،  بعد ان لاقت مداخلة “آرثر” القصيرة والسريعة  في حلقة سابقة إقبال جماهيري  ويلبي”آرثر” الدعوة ليقوم  بعد حوار قصير بقتل  مقدِّم البرنامج الذي يلعب دوره “دي نيرو” على الهواء مباشرة.

آراء بعض الفنانين والمشاهير

ويرى المخرج السينمائي السوري، رائد زينو، أن “الجوكر” عمل إبداعي ومتكامل تقنياً من ناحية التصوير والموسيقا والتمثيل والاخراج والمونتاج، ويوجه “زينو” رسالة إلى المشاهدين عبر “بوابة سوريا” يقول فيها: “شغل دماغك يا متفرج، الصورة التي يروج لها الجوكر خطيرة جداً على الشعوب المقهورة التي بادرت إلى الاحتجاج والحراك المطلبي، هذه الصورة تقول أن العنف هو الحل و أن المحتجين في مدينة غوثام وجدوا قدوتهم في شخص بات مختل نفسياً وخطر على المجتمع!. إن تعميم هذه الحالة على الشعوب الغاضبة حالياً هو ما ارادته هوليود لتعطي المبرر لمتابعة قضايانا ومظلومياتنا على وسائل الإعلام، وكأنها فيلم أميركي وصراع بين المختلين والسلطة، لذلك لا أنصح أي حراك أو شعب بتبني شعار الجوكر الذي فصلته هوليود على مقاس إعلامها، بينما نحن كشعوب لدينا آلاف الشخصيات المناضلة والنبيلة التي نقتدي بها”.

ومن الانطباعات عن الفيلم على وسائل التواصل الاجتماعي، على سبيل المثال، أشاد عضو فرع الممثلين “كريس روك”  به على “تويتر” ووصفه بأنه “لا يُصدَّق” و”تحفة”، بينما قام “مايكل موور” عضو فرع الأفلام الوثائقية، بنشر صورة على موقع الصور إنستجرام وعلق بـ”تحفة سينمائية”، أما الناقد “بيتر سكيريتا” من موقع “سلاش فيلم”، فكتب في نقده عن فيلم “الجوكر”: “أداء مذهل، وموسيقى تصويرية رائعة، لكنني لست متأكداً. ما يحاول أن يقوله الفيلم يمكن أن يشكل خطراً إذا شاهده الشخص الخطأ. هناك بعض التقلبات الممتعة في الأحداث، ما يجعلني أرغب في رؤيتها مرة أخرى ومناقشتها.”

بينما اعتبر الناقد “ديفيد إيرليش” من موقع “إندي واير”، فيلم “الجوكر” بأنه أذكى اختراع لسينما ” الأبطال الخارقين” منذ فيلم “The Dark Knight”.وأشار إلى أنه “نسخة أصلية حقيقية من المؤكد أن يتم تذكرها كواحدة من أكثر الأفلام الاستعادية في القرن الحادي والعشرين. الفيلم بمثابة صرخة حاشدة للتعبير عن الإحساس بالشفقة على الذات.”

طاقم العمل:

الاخراج:

  • تود فيليبس

تأليف وسيناريو وحوار :

  • تود فيليبس
  • سكوت سيلفر

تمثيل :

  • خواكين فينيكس: في دور آرثر فليك.
  • روبرت دي نيرو: في دور موراي فرانكلين.
  • زيزي بيتز: في دور صوفي دوموند.
  • فرانسيس كونروي: في دور بيني فليك.
  • بريت كولين: في دور توماس واين، الملياردير المحسن الذي يترشح لمنصب عمدة مدينة جوثام.

الانتاج :

  • تود فيلبس
  • برادلي كوبر
  • ايما تيلينغر كوزكوف

مصمم الانتاج :

  • مارك فريدبرغ

موسيقى :

  • هيلدور غوانادوتير

تصوير سينمائي :

  • لورنس سير

تصميم الازياء :

  • مارك بريدجز

 

توزيع :

  • وارنر برذرز بيكتشر

تاريخ الصدور 4 اكتوبر 2019

ميزانية الفيلم:

55 مليون دولار

الإيرادات:

849  مليون دولار، حيث حقق في اليوم الأول من عرضه 40 مليون دولار.

الجوائز والمهرجانات :

عُرض “الجوكر” للمرة الأولى في مهرجان “فينيسيا” السينمائي الدولي النسخة 76 في 31 أغسطس 2019، حيث فاز بجائزة الأسد الذهبي، وهي أعلى جائزة في المهرجان.

المشاركة في المهرجانات العالمية منها:

  • مهرجان تورونتو
  • مهرجان ونيويورك
  • مهرجان وهامبورج،
  • مهرجان زيورخ.

ووصل تقييم فيلم “الجوكر” الجديد عبر موقع Rotten Tomatoes على نسبة 89% بعد مشاركات وصلت لنسبة 56 ألف مشارك، كما أنه حصل على تقييم 8.9 من على موقع “imdb”.

بدأ التصوير الرئيسي في سبتمبر 2018، في مدينة نيويورك وجيرسي سيتي ونيوآرك، واختتم في ديسمبر من نفس العام.

مصدر الصورة:  imdb

guest
1 تعليق
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
trackback

[…] “كفر ناحوم” هو ثالث فيلم روائي طويل من النوع الدرامي للمخرجة اللبنانية […]