نتيجة الحرب التي تعيشها إدلب منذ سنوات، وما ترافق معها من قصف استهدف المناطق المدنية بشكل خاص، ظهرت آلاف الإصابات والإعاقات التي تحتاج لمتابعة العلاج، بعد الانتهاء من عمليات الإسعاف الأولي والعمليات الجراحية، وخاصة في منطقتي الأطراف والعمود الفقري، ما جعل وجود مراكز المعالجة الفيزيائية حاجة ملحة لأهالي المحافظة، إلّا أن هذه المراكز تعاني من الإغلاق بسبب قطع الدعم عنها، ما ينعكس على ظروف المصابين الذين يحتاجون لهذه المراكز.

 

مراكز معالجة فيزيائية في عموم الشمال

تنتشر مراكز المعالجة الفيزيائية في عموم مناطق المحافظة وتعمل غالبيتها بشكل مجاني، وتتركز تلك المراكز بشكل كبير في المناطق الشمالية ذات الكثافة السكانية العالية.

تعمل تلك المراكز في غالبيتها بشكل مجاني وتتبع بشكل مباشر لعدد من المنظمات الإنسانية العاملة في المنطقة، في حين تعمل مديرية صحة إدلب على تأمين الدعم لتلك المراكز وتتم العملية بالتنسيق مع المراكز، ويزور تلك المراكز ما يتراوح ما بين 60 إلى 100 مريض بشكل يومي بحسب المعالج الفيزيائي عقبة الأسود.

في غرفة الانتظار بأحد المراكز في مدينة إدلب تنتظر أم محمد دورها لتدخل وتنال حصتها العلاجية، فقد اعتادت أم محمد مراجعة المركز مرة في الأسبوع، وذلك بعد أن نصحها طبيب العصبية بمتابعة علاج آلام الديسك الذي تعاني منه في مركز المعالجة الفيزيائية.

تقول أم محمد: “إن الأخصائية الموجودة في المركز طلبت مني أن أحضر الصور والتحاليل الطبية التي أجريتها، لأنها بحاجة لتشخيص الحالة بشكل جيد لتتمكن من معرفة المرض الذي أعاني منه بشكل دقيق ونوعية العلاج الذي سوف تتبعه معي”.

تستمر جلسة العلاج التي تتبعها أم محمد ما بين 30 إلى 45 دقيقة تستخدم فيها الطبيبة المعالجة تمارين خاصة بمرضها بالإضافة لجهاز المشي وجهاز التخطيط الكهربائي وجهاز الأشعة، وتصف أم محمد تلك الجلسات بأنها “مفيدة وبدأت حالتها تتحسن بعد أول جلستين”.

ويقول المعالج الفيزيائي عقبة الأسود: “تعتبر المعالجة الفيزيائية خطوة هامة للعلاج من الكثير من الأمراض، حيث تعتبر المرحلة الأخيرة من مراحل الاستشفاء”.

وأضاف الأسود أنّه “بعد الإسعاف الأولي والعملية التمريضية التي تتم في المستشفى يأتي دور المعالجة الفيزيائية، والتي تعالج قسما كبيرًا من الإصابات والأمراض مثل (الأمراض العصبية المركزية، الأمراض العصبية المحيطية، الأمراض العظمية، إضافة للأمراض العصبية العضلية وأمراض الأطفال وأمراض وأمراض العمود الفقري)”.

ويرى الأسود أن “أعداد مراكز المعالجة الفيزيائية في المحافظة تضاعف بشكل كبير بعد انطلاق الثورة السورية، نتيجة الحاجة الماسة لها فقد كان المركز الواحد يستقبل ما يقارب 25 مريض يوميًا بينما يتجاوز عدد المرضى الذين يراجعون المركز اليوم 100 مريض يومًا على الرغم من ازدياد أعداد المراكز بشكل كبير”.

كما أوضح أن الحرب الدائرة في المنطقة ساهمت بارتفاع نسبة الإصابات الحربية ناهيك عن الإصابات التي يتعرض لها المدنيين نتيجة القصف الذي يطال مناطقهم، في حين اقتصرت أعمال المراكز سابقًا على العمليات الباردة”.

غياب الدعم يتسبب بإغلاق المراكز

وأدى غياب الدعم لإغلاق الكثير من المراكز وحرم آلاف المرضى من خدماتها، ما دفعهم لتحمل أعباء السفر وتكاليفه للوصول إلى مراكز موجودة في مناطق أخرى.

ويوضّح المعالج الفيزيائي عقبة الأسود، أن أعداد المراكز المختصة بالعلاج الفيزيائي تناقصت بشكل كبير في الفترة الأخيرة نتيجة غياب الدعم.

وانخفض عدد مراكز المعالجة الفيزيائية من 60 مركزًا إلى 25 مركزًا مما شكل ضغطا كبيراً على المراكز الموجودة، وأجبرها على استقبال أعداد أكبر من المرضى وفقًا للأسود.

مركز “الحمامة” للعلاج الفيزيائي هو أحد المراكز العاملة في ريف جسر الشغور والتي توقفت عن العمل نتيجة غياب الدعم رغم الحاجة الملحة من قبل أهالي المنطقة لمثل هذه المراكز.

يقول المسؤول السابق عن المركز وائل إبراهيم لـ “بوابة سوريا”: “تأسس مركز الحمامة للمعالجة الفيزيائية في مطلع فبراير 2016 بدعم من إحدى المنظمات الإنسانية العاملة في المنطقة، ولاقى افتتاحه قبولًا كبيراً من الأهالي بسبب الحاجة الماسة للخدمات التي تقدمها هذه المراكز، حيث استفاد من افتتاح المركز 915 مريضًا بشكل شهري، لكن غياب الدعم عن المركز أدى لتوقفه منذ أكثر من عام، ما انعكس بشكل سلبي على المرضى الموجودين هناك”.

وخدّم المركز خلال افتتاحه قرابة 50 ألف نسمة وتفتقر ريف جسر الشغور لمثل هذه المراكز، ما يجبر المريض على تحمل أعباء وتكاليف السفر لمنطقة أخرى للحصول على علاجه الفيزيائي”.

يتابع الإبراهيم:” راسلنا العديد من الجهات والمنظمات لاستقطاب الدعم وإعادة تفعيل المركز من جديد، لاسيما أن أدوات العلاج ومعدات المركز موجودة ولا نحتاج إلا إلى النفقات التشغيلية ودورات المختصين، لكننا لم نحصل على أي استجابة من أي منظمة حتى الآن، ما شكل ضغطًا كبيرًا على مركز دركوش أقرب المراكز الموجودة في المنطقة”.

 

معاناة في ظل نقص المراكز

أحمد، شاب من ريف جسر الشغور الشرقي، أصيب في إحدى الغارات الجوية التي استهدفت المنطقة يتوجه أحمد بشكل مستمر من قريته مشمشان إلى مركز خربة الجوز ليكمل جلسات علاجه الفيزيائي.

يقول أحمد: “أنا مجبر على قطع مسافة تتجاوز 35 كم للوصول للمركز، ما يحملني أعباءً ماليةً بالإضافة للتعب الجسدي الذي أتكبده لاسيما أنني ما أزال أعاني من آلام في قدمي، وكنت في بعض الأوقات أهمل بعض الجلسات بسبب غياب وسيلة النقل التي تنقلني إلى المركز مما ساهم في تأخر علاجي”.

ويقول المدير الإداري لمركز “الصحة للجميع” إيهاب الغزول لـ بوابة سوريا”: “يصلنا الكثير من المرضى من مناطق بعيدة عن المركز بسبب خلو مناطقهم من المراكز المشابهة، ما يحملهم أعباء كبيرة ومتاعب في التنقل، ويؤثر على عملنا أيضًا”.

وأوضح الغزول، أن بعض الحالات المرضية قد تأخذ وقتًا أكبر من الفترة المخصصة لعلاجها، لأن الحصول على نتائج جيدة في العلاج الفيزيائي يفرض على المريض الاستمرار بالعملية حتى نهايتها والالتزام بشكل كبير بمواعيد الجلسات”.

يضيف الغزول: “يتجاوز عدد السكان في المنطقة التي يغطيها المركز 60 ألف نسمة ما يحمله أعباء كبيرة في العمل، حيث يقدم المركز خدماته للأطفال الذين يعانون من ضمور الدماغ ولكبار السن الذين يعانون من أمراض الظهر والمفاصل بالإضافة للحالات الطارئة مثل حوادث السير ومصابي القصف”.

ويأمل الكثير من المرضى بالحصول على جلسات العلاج الفيزيائي لكن ازدحام تلك المراكز وبعدها عنهم في كثير من الحالات تمنعهم من الوصول إليها، ما يفرض على المنظمات الإنسانية التحرك بشكل أكبر لافتتاح مراكز جديدة أو إعادة دعم المراكز المغلقة بهدف تغطية احتياجات المرضى في المحافظة.

 

guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments