شهدت السنوات السبع الماضية تدهوراً كبيراً في الاقتصاد السوري، بسبب ظروف الحرب وما خلقته من تضخّمٍ في الأسواق السورية، وتدهورٍ في قيمة الليرة السورية، وما تبعه مع انخفاض الدخل وضعف القوّة الشرائية لدى الشريحة الأكبر من السوريين.

هذا الواقع دفع كثير من السوريين إلى تغيير عاداتهم الاستهلاكية، لتكون متماشية مع المستوى الاقتصادي لمعيشتهم، ومن بين تلك العادات الاستهلاكية التي تغيّرت، الانتقال من استهلاك الألبسة الجديدة إلى المستعملة التي تُباع في أسواق الشمال السوري تحت مُسمّى “سوق البالة”.

 

انتشار تجارة البالة مع فتح المعابر الحدودية

ومع فتح المعابر الحدودية مع الدول المجاورة، الأردن ولبنان سابقاً وتركيا والعراق حالياً، بدأت البضائع المستوردة تغزو الأسواق السورية من كل الأصناف وخصوصاً الملابس.

يقول سليمان المحمد وهو تاجر ألبسة من محافظة حماة ويعيش في الشمال السوري: “بدأ التجار يستوردون البضائع التركية الأساسية بعد انقطاع طرق التجارة مع مناطق سيطرة النظام، نتيجة الحاجة الماسة لها، وخصوصاً الوقود والأدوية والأدوات الالكترونية والمنزلية، ولاحقاً امتد الاستيراد ليشمل كل شيء مع توقف أغلب المعامل عن العمل بسبب ظروف الحرب”.

وبحسب المحمّد فإنّه من ضمن المستوردات كانت الملابس التركية، التي أخذت مجدها في سوق الملابس السوري منذ مدة طويلة وحتى قبل الثورة، ولكن الآن ومع انعدام المنافسة المحلية أصبحت الوحيدة في السوق وهو ما أدى لزيادة الطلب عليها وانتشارها بشكل كبير قبل أن تعود وتنكمش مع ارتفاع سعرها ودخول الملابس الأوروبية المستعملة على الخط.

ويضيف المحمّد: “أعمل منذ فترة بتجارة الملابس المستعملة “البالة” وهي تجارة باتت رائجة اليوم بدرجة كبيرة وأصبحت المصدر الأول والرئيسي الذي يعتمد عليه الأهالي لكسوة أبنائهم”.

ويرى عز الدين الشامي، وهو تاجر يعمل ببيع وشراء الألبسة المستعملة “البالة” أن استعمال البالة لم يقتصر على اللباس والكسوة، فقد بدأت أنواع سيئة وتالفة منها تأتي أيضاً إلى سوريا عبر المستوردين وإن كانت بأسعار منخفضة، حيث أن البالة تنقسم لعدة درجات بحسب محتواها ومقدار استهلاكه، فالنوع الأول يأتي بمواد غالبيتها شبه جديدة أو بالكاد مستعملة وبعضها يأتي جديد تماماً مع بطاقة المصنع حيث تكون بضاعة كاسدة ضمن المتاجر الأوربية وهي ذات ثمن مرتفع وجودة عالية، موضحًا أن الأنواع تتدرج حسب الجودة لمحتوى أخف وسعر أقل حتى تصل إلى بعض الأنواع المستهلكة كلياً والتي لا تصلح للاستعمال.

 

ارتفاع أسعار الملابس الجديدة أدّى لتعويم البالة

ويزداد إقبال الأهالي اليوم، مع مطلع الشتاء، على شراء “البالة” بمختلف أنواعها، وخصوصاً الملابس الشتوية السميكة والأحذية الجلدية، وتعج الأسواق التجارية والبازارات الأسبوعية ببائعي البالة الذين باتت القبعات والمعاطف وأحذية الفرو أبرز ما يعرض لديهم.

يقول علاء أبو أحمد وهو من أبناء ريف حماة: “أزور محلات البالة دورياً لأطلع على ما يوجد فيها واشتريت بالأمس “بيجاما شتوية” جيدة بسعر 500 ليرة سورية وهو رقم من المستحيل أن أشتري بقيمته أي نوع ألبسة يذكر من أسواق المحال التجارية الجديدة، حيث أن أي “بيجاما” شتوية يبلغ سعرها عدة آلاف”.

ويشاطره الرأي وليد الزعيم علاء ويضيف: “اشتريت بنطالاً من البالة بسعر 300 ليرة وهو شبه جديد ومتين ومصنوع من أقمشة رفيعة المستوى بعكس البضائع المعروضة في الأسواق الجديدة، حيث اشتريت سابقا بنطالاً من أحد المحال التجارية بسعر 4 آلاف ليرة سورية ولكنه لم يلبث سوى فترة قصيرة حتى تغير لونه وبدأ يتلف بشكل مريب”.

ويبيّن الزعيم أنّه لهذا السبب قرر الابتعاد عن أسواق الجديد والاعتماد كلياً على الملابس المستعملة التي أصبح يجد فيها كل شيء يريده، ابتداء بالجوارب والأحذية والقبعات ومروراً بالملابس العادية كالبنطال والمعطف وحتى الزي العربي (الكلابية والشماغ) أصبح موجوداً مع قدوم بعض البالات من دول الخليج وكلها بأسعار تنافسية وجودة أعلى من أي بضاعة أخرى موجودة في السوق.

ويقول تاجر البالة عز الدين الشامي: “مع بدء دخول أصناف سيئة ورخيصة من البالة بدأ الجميع يفكر باستعمالها لأغراض أخرى، وكانت التدفئة شتاءً عليها بالحرق هي أولى الظواهر التي شاهدناها في كثير من المناطق، حيث ينخفض سعرها كثيراً مقارنة بسعر المازوت أو الحطب وهو ما دفع بعض الأهالي من ذوي الدخل المحدود للاعتماد عليها خلال الشتاء”.

 

جدوى اقتصادية

رغم أن هذه الملابس المستعملة تكون في بعض الأحيان مُعدة للإتلاف وغير مخصصة للاستخدام البشري في كثير من البلدان، إلا أن الوضع الاقتصادي القاسي الذي يمر به الأهالي حالياً في الشمال السوري، أعادها للحياة مجدداً.

 يقول عمار أبو ماهر وهو نازح يملك محلاً لبيع البالة: “فتحت هذه التجارة أبواباً مغلقة للكثيرين وباتت مصدر رزق لهم، وهي ذات جدوى اقتصادية جيدة مقارنة بغيرها من المهن كالزراعة أو الصناعة كونها لا تحتاج لرأس مال كبير، فمثلاً بإمكانك بمبلغ 200 ألف ليرة (قرابة 300$) أن تفتتح متجرًا للألبسة المستعملة، كما أن المخاطر شبه معدومة في هذه التجارة ففي أسوأ الحالات بإمكانك بيع ما لديك حال كساده كبضاعة تالفة للحرق وبالتأكيد ستجد الزبون الذي سيشتري منك ويعود لك رأس المال كحد أدنى.

ويقول أبو بلال الغابي، وهو نازح من ريف حماة الغربي: “عانت المناطق المحررة عموماً خلال سنوات الثورة من حالة التحول الاقتصادي من النموذج الذي كان سائداً خلال فترة حكم النظام (نوع من الاقتصاد الاشتراكي) والقائم على دعم المواد المعيشية الأساسية كالخبز والمحروقات والانتقال إلى نوع جديد ربما يشبه “اقتصاد السوق المفتوح” والذي يعتمد بشكل رئيسي على العرض والطلب بعيداً عن الدعم الحكومي.

ويضيف  أبو بلال أن هذا التحوّل، أثّر على شرائح كبيرة من المجتمع وخصوصاً مع انخفاض الدخل وانقطاع الكثيرين عن العمل نتيجة توقف معظم المصالح التجارية والمهن أو تأثرها بشكل كبير، وعلى نحو موازٍ كانت الأسعار ترتفع نتيجة انخفاض الليرة كون معظم المواد مستوردة بالعملة الأجنبية وهو ما كان له التأثير الكبير على الأهالي سواء المقيمين في المناطق المحررة أو في المناطق التي يسيطر عليها النظام.

 

الإطاحة بمتاجر الألبسة الجديدة

رغم النواحي الإيجابية العديدة التي ذكرها أغلب الأشخاص الذين قابلناهم حول تجارة واستهلاك “البالة” إلا أنّ أي مهنة لا بد وأن يكون لها وجهًا سلبيًا، فحتى تجارة الملابس المستعملة لا بد وأنها تحتوي على جانبٍ سلبي.

يقول رامي حمشو وهو صاحب محل لبيع الملابس الجاهزة: “أعمل في مجال تجارة الألبسة منذ أكثر من 15 سنة وكنت أملك محلاً تجارياً وسط ساحة العاصي في مدينة حماة قبل أن أضطر للانتقال إلى الشمال السوري”. 

ويضيف: لا بد من وجود صعوبات تواجه أي مهنة في العالم ولكن لا شيء يشبه حالة بائعي الألبسة الجاهزة خلال سنوات الثورة، وتحديداً خلال السنوات القليلة الماضية، حيث انعكس انخفاض القدرة الشرائية للأهالي على المبيعات بشكل كبير، ولكن التأثير المرعب على هذه التجارة كان بدخول الملابس المستعملة (البالة) والتي قضت على تجارة الملابس الجاهزة بشكل شبه كامل وبنسبة تتجاوز 90% وهو ما دفعنا باتجاه إغلاق المحال القديمة بسبب توقف المبيعات، بينما حاول البعض التماهي مع المتطلبات الجديدة للسوق وحوّل بضاعته تدريجياً نحو المستعملة بدلاً عن الجديدة، وبكل الأحوال فقد خسر الكثيرون منا أعمالهم وتجارتهم.

كما يؤدّي استخدام الملابس “البالة” في التدفئة إلى مخاطر كبيرة ومنها اندلاع الحرائق لا سيما ضمن المخيمات واحتمالية وقوع كوارث حقيقية قد تؤدي لوفيات، إضافةً إلى الروائح المنبعثة من بعض الأقمشة غير الصالحة للحرق كالجلديات والتي تؤدّي لأمراضٍ تنفّسية مزمنة، ورغم كل ذلك، لا يبدو أن أحداً سيبتعد عن استخدام البالة خلال المدى المنظور، في ظل استمرار الضيق الاقتصادي وضعف القوّة الشرائية في شمال البلاد.