هي المواطنة المصطلح المستحدث في اللغة العربية دخل إليها من خلال ترجمة التراث الغربي، ذات الأصل اليوناني، والمواطن وفق المفهوم الغربي هو الفرد الذي ينتمي إلى دولة معينة ويقيم فيها حتى لو لم يولد فيها كحالة الحصول على الجنسية، ويحدد الدستور والقوانين العلاقة بين المواطن والدولة والتي تشتمل على الحقوق والحريات والامتيازات التي يتمتع بها المواطن، وواجباته والتزاماته اتجاه دولته.

إذا انتقلنا للحديث عن مفهم المواطنة بين النظرية والتطبيق في سوريا وبخاصة خلال حقبة حكم البعث.. مع تحقيق سوريا لاستقلالها عام 1946 بدأت مرحلة سياسية جديدة، واعتبرت حسب البعض ولادة للجمهورية الأولى، في هذه المرحلة وعلى مستوى المؤسسات والقوانين والدستور حاول السوريون محاكاة النموذج الفرنسي ونشأة حالة من الحراك السياسي والاقتصادي، إلا أن موجة الانقلابات العسكرية مزقت كل ذلك.

أما في مرحلة الجمهورية الثانية وهي مرحلة الوحدة مع سورية فلا يمكن الحديث عن حياة سياسية ودستورية بعد أن رضخ السوريون لشروط عبد الناصر المتمثلة بالوحدة الاندماجية الكاملة، ما أحدث قطيعة مؤسساتية ودستورية مع المرحلة السابقة تمثلت بحل الاحزاب والبرلمان وإغلاق الصحف واستبدال هياكل المؤسسات الدستورية والقضائية والامنية بأخرى جديدة،  تحكمها العقلية الثورية الناصرية القائمة على المشروعية الثورية وليس على النظم السياسية الديمقراطية،  التي تستمد شرعيتها من الشعب من خلال المؤسسات المنتخبة، وهو ما شكل انتهاكًا كبيرًا لمفاهيم المواطنة والديمقراطية وإلغاء لكل أشكال العمل السياسي، عدا عن القمع المنظم الذي مورس خلال حكمه.

ما حدث بعد الإنفصال عام 1961 أنه لم ينجح السوريون باستعادة الهيكلية المؤسساتية الدستورية السابقة لمرحلة الوحدة، فهذه المرحلة خلفت آثارًا نفسية وسياسية وفكرية عميقة لدى الشارع والنخب السورية، والتي انقسمت بين مرحب بالانفصال ومطالب بالعودة إلى المؤسسات الدستورية في مرحلة ما بعد الاستقلال ومعاد للانفصال ومطالبًا بالعودة إلى الوحدة.. لقد جسّد عبد الناصر دور القيادي القادر على اتّخاذ القرار، ومقاربة النخب المتنازعة في سوريا، والصراع الدائم بين مجموعاتٍ متعددةٍ، والفشل الذريع للنخب السياسيّة السوريّة، وعجزها عن فهم قضية الريف والنسيج الاجتماعي، والوجه اليساري لعبد الناصر الذي سحب البساط عن القوى فكانت قضية الهوية العربية، وقضية المظلومة الاجتماعية، هنا حسم الخلاف صعود النخبة العسكرية ذات التوجه الايديولوجي بالانتقال الى نمط الشرعية الثورية فكان انقلاب 1963 الذي أوصل البعثيين إلى السلطة لتبدأ معه مرحلة الجمهورية الثالثة.

منذ استلام البعث للسلطة وحتى وصول الأسد للسلطة عام 1971 لم يهتم البعث ولو حتى شكليًا بارساء قواعد للعمل والمشاركة السياسية، ولم يقم بأي انتخابات محلية أو تشريعية أو رئاسية ما يمثل استخفافًا مطلقًا بالشرعية الدستورية، عدا عن كون ممارساته السلطوية اعتمدت القمع وكبت الحريات اسلوبًا للسيطرة فلا يمكن الحديث أيضًا في هذه الحقبة عن أي شكل من أشكال المواطنة،  لا على مستوى النظرية ولا التطبيق، علمًا بأن سوريا محكومة بقانون الطوارئ منذ استلام البعث للسلطة.

بالحديث عن المواطنة في حقبة حكم الأسد، نجده استلم السلطة بانقلاب أسماه الحركة التصحيحة وأطلق مشروعه السياسي بعد تسلمه السلطة رسميًا عام 1971 والذي اسسه على أسس جديدة مختلفة عما ساد منذ تسلم البعث السلطة، حيث قام بإنشاء مجلس الشعب وتأسيس الجبهة الوطنية التقدمية، والتي اعتبرت صيغة من صيغ تشريع التعددية السياسية وضمت الأحزاب المتحالفة مع البعث وأقرت بميثاق الجبهة، الذي أقر بقيادة البعث الدائمة وعدل دستور 1969 المؤقت بإعلان دستور عام 1973 ، كما قام وبالتوازي مع ذلك ببناء ھیاكل مؤسسیة ھدفھا ترسیخ النظام تمتلك السلطة الفعلیة خلف واجھة المؤسسات المدنیة، وبنفس الوقت أعاد بناء المنظمات الشعبیة مثل اتحاد العمال والفلاحین والنقابات وغیرھا على أسس تضمن الولاء الكامل وذلك عبر توسیع الإدارة الحكومیة والجیش والأجھزة الأمنیة.

هنا جاءت الانتهاكات لمفهوم المواطنة والديمقراطية في دستورعام 1973 والذي يعطي للرئيس صلاحيات مطلقة فهو یقر بأن رئیس الجمھوریة یتولى السیاسة الخارجیة أما رئیس الوزراء فلا یمارس أي نشاط ملحوظ في مجال السیاسة الخارجیة علي رغم مسؤولیته عنھا، إذ یحدد الدستور في المادة (94) أن رئیس الجمھوریة یقوم بوضع السیاسة الخارجیة للدولة ویشرف على تنفیذھا بالتشاور مع مجلس الوزراء، بینما لا تتعدى مھمة السلطة التشریعیة حسب (م 71) من الدستور مناقشة سیاسة الوزراء وإقرار المعاھدات والاتفاقیات الدولیة التي تتعلق بسلامة الدولة (م17). وھو أي الرئيس فضلًا عن ذلك الأمین العام لحزب البعث الذي یعطیه الدستور السوري في مادته الثامنة الحق في قیادة الدولة والمجتمع ، كما أنه یجمع إلى ذلك منصب القائد العام للجیش والقوات المسلحة (م103) من الدستور.. وھو رئیس القیادة المركزیة للجبھة الوطنیة التقدمیة، أما صلاحیاته فھي تتجاوز الصلاحیات التنفیذیة إلى التشریعیة، ذلك أنه یملك حل مجلس الشعب (م18-107) والتشریع في غیر دورات انعقاده (م111) ورد القوانین (م 108 من النظام الداخلي لمجلس الشعب)، وله الحق في تعیین نائب له أو أكثر، ویحدد اختصاصاتھم ویعفیھم من مناصبھم، كما أن له الحق في تعیین رئیس مجلس الوزراء ونوابه والوزراء وإعفائھم من مناصبھم (م95) وإعلان حالة الحرب (م100) وإعلان حالة الطوارئ وإلغائھا (م101).

لقد جعل الدستور حزب البعث المخول الوحيد باختيار الرئيس فالانتخابات الرئيسية تجري باستفتاء شعبي حيث يرشح مجلس الشعب المرشح لمنصب الرئاسة بناء على اقتراح القيادة القطرية لحزب البعث العربي الاشتراكي (م83-84). كما سيطر البعث على مجلس الشعب والبلديات من خلال قانون الانتخابات الذي يعطي للبعث والجبهة المتحالفة معه أكثر من نصف مقاعد مجلس الشعب، ويضع العملية الانتخابية في يد السلطة التنفيذية التي تشرف عليها، وبهذا يكون الدستور وقانون الانتخابات قد أغلقا الحياة السياسية كاملة ووضعوها بيد سلطة مركزية يسيطر عليها الرئيس سيطرة كاملة ما يعني انهاء مظاهر الحياة السياسية في البلاد وتحويل المواطن إلى عضو عاطل سياسيًا.

كنتيجة لا نستطيع تلمس وجود فعلي وحقيقي للمواطنة خلال وجود الناصريين والبعثيين، وهناك ممارسات مباشرة ضد المواطنة كفقدان شريحة كبيرة من المواطنين لجنسيتهم كالمواطنين السوريين الاكراد.. عليه فسوريا كانت كياناً قلقاً مضطرباً مليئاً بالتناقضات والتوترات الداخلية والتقاء النزاعات الدوليّة مع الداخليّة وهذا عمّق التوترات الموجودة في سوريا.

مصدر الصورة: flickr