“سأبقى مصرة ومتيقنة بالسعي وراء طموحي الذي طالما حلمت به حتى تحقيقه” بهذه الكلمات، تشرح الشابة شام طارق عن إصرارها بمتابعة هوايتها، فهي اتخذت من وريشتها سلاحاً خاصاً بها للتعبير عن أي شيء تريده، ونجحت في عكس الواقع السوري ونقده عن طريق الرسم.

تقول شام: “ثماني سنوات من الحرب والنزوح وكانت ريشتي برفقتي أصطحبها معي إلى كل مكان، ولن أدع هذه الموهبة تندثر مهما تقدمت بالعمر، لأنّني من خلال هذه الموهبة، أستطيع أن أعبّر عن واقع السوريين وأنتقده بطريقتي الخاصة”.

وعلى الرغم من أن الشابّة شام عانت من ويلات النزوح والحرب، لكنّها تصر على التمسّك بموهبة الرسم، والتي من خلالها تعكس واقع السوريين وتعبّر عما يعيشه المدنيون خلال الحرب.

هواية متوارثة

تنحدر الشابة شام 20 عاماً من الساحل السوري، من منطقة بانياس تحديداً، نزحت مرات عدة لينتهي بها المطاف وعائلتها في ريف حلب الغربي وهي تدرس الآن اللغة الإنكليزية ضمن معهد إعداد المدرسين في مدينة الأتارب.

تشرح شام في حديثها لـ “بوابة سوريا”، أنها “تهوى الرسم والفنون منذ صغرها وطفولتها، فكانت تبدع برسم أشياء ورسومات صغيرة في المدرسة”.

تصوير: محمد محمد عارف

كما تؤكد الشابّة أن الرسم هواية أحبتها منذ الصغر وليست فكرة جديدة أو مجرد خاطر مؤقت، وتخص بالقول: “يحتاج الرسم أو أي شكل آخر من أشكال الفن للموهبة والتعلم معاً فالموهبة تكون موجودة بفطرة بعض الأشخاص لتأتي قدراته التي يكتسبها من التعلم والممارسة فتكون مكملة للموهبة الأساسية لتصبح فناً مكملاً من جميع النواحي”.

تضيف شام حول إتقانها لهذه الموهبة: “لم أخضع لأية دورات أو برامج تدريبية أو نوادٍ خاصة بالرسم، بل كان كل قوامي ومصدري في التعلم هو أفلام الكرتون الطفولية مثل “سبيستون وبرامج سالي وفلونة وريمي” وبرامج اليوتيوب كالرسام “بابي لاند” الذي اعتمدت عليه بشكل كبير حيث يهتم برسم أشياء سهلة التعلم والإتقان، فكنت أتابع حركات يد الرسام وتوجهها”.

وتوضّح أنّها خصصت دفتراً خاصاً لرسوماتها ومن ثم صنفت كل قسم ونوع من الرسومات في دفتر أو “كراس” خاص بها “أفلام الكرتون، رسومات الحيوانات، رسومات الطبيعة” لتكتشف بعد فترة وجود كم كبير من الرسومات المختلفة لديها وأغلبها للحيوانات والطبيعة التي كنت مهووسة بمتابعتها على التلفاز”، ولم تكن شام توفر أي مكان إلا وترسم فيه حتى أصبحت جدران منزلها شبه مليئة بالرسومات، وقامت برسم خريطة للوطن العربي وتدرس عليها وتحدد المسميات.

تنامت الموهبة لدى شام بشكل كبير وذلك يعود لإصرارها ومتابعتها وثقة عائلتها بها وتحفيزها على المتابعة معتبرين أنها موهبة صحيحة في طريق النجاح، لكن لابد من لفت النظر إلى جانب الوراثة الذي كان حافزاً قوياً لديها بمتابعة عملها والوثوق بالنجاح، فقد كانت عمة شام رسامة ماهرة ومشهورة، كما أن لخالها دور كبير بتحفيزها على الاستمرار.

يقول والد شام، محمد طارق الذي كان ومازال يؤمّن كافة المستلزمات لابنته من ريش وألوان: “إن شقيقته ساعدت شام كثيراً بمتابعتها وتصحيح أخطائها، بالمقابل كان لخالها الذي اشتهر بجمال رسوماته على الجدران دور بتطوير رسوماتها والانتقال إلى مستويات جديدة، كما أن دور الأم برز بفرحها عندما تنجز رسمة بدقة عالية”.

موهبة تحت النزوح

صعوبات عدة واجهت الرسامة شام لاستمرار موهبتها وتطويرها، وأهم تلك الصعوبات مرحلة نزوحها فقد نزحت أربع مرات متنقلة مع عائلتها بين المدن والبلدات شمالي سوريا، منها مدينة حلب وبلدة حيان ومدينة إدلب، كما كان تأمين مواد الرسم الأولية غاية في الصعوبة، إذ تعد الألوان الحالية الموجودة في أسواق المناطق المحرّرة غير صالحة للرسم الاحترافي، أو أنها ذات جودة منخفضة، فتعمل على استبدالها بـ “المكياج النسائي” كونه فعالاً بنسبة أكبر.

تصوير: محمد محمد عارف

وفي هذا الخصوص تقول شام: “أُقدم على تأمين بدائل للرسم إن لم أستطع الحصول على المطلوب منها، حيث أعمل في بعض الأوقات على تصنيع “ريش الجدران” بطريقتي الخاصة لتكون مناسبة وفعالة لفترات طويلة” كما أشارت إلى عدم وجود منظمات تهتم بهذه الموهبة وتطويرها أو تأمين فرص عمل ومعارض للرسامين المتقنين.

انعكاس الواقع السوري

كرست الرسامة شام موهبتها بطريقة مختلفة لتثبت تغييراً في الوضع الحالي وتلفت الأنظار حوله، فقد عملت على نقد الواقع السوري الحالي عن طريق الرسم.

وعلى سبيل المثال رسمت كاريكاتيراً للنظام السوري وكيفية تحكم الدول الأخرى به، وآخر عن وضع التعليم وانقطاع الدعم عنه، ولوحة أخرى عن انتشار البطالة في سوريا وقلة فرص العمل فيها لدى فئة الشباب، ما أدى لإقبال بعض المواقع الإخبارية للتواصل معها وطلب أشكال ورسومات حصرية من إبداعها. 

وبحسب والدها فإن توجه ابنته كان إيجابياً لدرجة كبيرة من خلال توظيف موهبتها بإظهار الجوانب السلبية في سوريا، ونقدها بطريقة ذكية، فقد رسمت لوحة لاقت رواجاً مضمونها الوضع السوري بكل تفاصيله، ضمت قلة فرص العمل وانتشار الواسطة في التوظيف ووضع النازحين في المخيمات ودور الجهات المسيطرة وصراعها من ناحية أخرى”.

إصرار واجتهاد شخصي سلاح فعال اعتمدته شام للارتقاء بموهبتها وتحقيق حلمها الذي يفتقده الكثير من الناس، فأعوامها العشرين كانت وما زالت دروساً لاستمرارها وتطورها في الرسم وطرق نقد الواقع السوري عن طريق عن الفن.