نشر النظام السوري عبر أجهزته وعيونه وأمنه الذين زرعهم في كل مكان، أقول شر ثقافة الخوف والريبة والشك بين المواطنين، من خلال آليات القمع والإرهاب والسجون والتنكيل والفصل من الدوائر الحكومية وغيرها من الوسائل التي كانت تحارب المواطن اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا.

النظام السوري وهو يقترب من الـ50 عاما من الحكم 5،  عاما سوداء معتمة ، أحرق فيها الأخضر واليابس مجتمعيا ، لقد كان المواطن  السوري  يخشى أخيه المواطن قبل الثورة السورية المباركة وحتى بعدها ولو نسبيا ، ضمن الوطن وبدول الجوار وحتى بالبلدان الأوروبية ، السوري كمواطن يتسم بالطيبة والكرم والتعاون والأخلاق الحسنة لكن ماذا فعل الاستبداد به ، حوله الى كائن يخاف أن يتحدث بالأمور العامة السياسية والاقتصادية

في أي مجلس اجتماعي وفي أي دائرة الجواسيس والعيون وكتاب التقارير يتواجدون بكثافة، منهم  علنيون ومنهم  مستترون ، يحصلون من وراء هذه التقارير على أجور بخسة ليعيشوا بها ، فقد علمهم النظام هذه المهنة الرديئة والمنافية لأخلاق السوري الطيب الودود المتعاون مع أخيه السوري في كل مكان .

لا يأتي تصرف السوري بصورة عفوية طبيعية وإنما من فوبيا أو رهاب السياسة الأمنية وفق منظومة قمع سيكولوجية متكاملة الأركان ومحكمة الإتقان و مديدة التأثير.

فالنظام قد خلق بين السوريين أزمة ثقة وطنية عامة- على حد تعبير الكاتب السوري ياسين الحاج صالح-. ولكي لا نكون نظريين نضرب مثالا واقعيا على ما نقول: قبل سنوات عندما كنت ببلد مجاور لسورية  التقيت بصورة عابرة فنانا سوريا شهيرا وحاولت التعرف عليه لكنه أول ما تحدث قال: «إنني أذهب بصورة مستمرة إلى دمشق وأعود إلى هنا حيث البلد الذي أقيم فيه حاليا»، جاء حديثه هذا دون أن أسأله هل تذهب إلى سوريا أم لا؟ أعتقد أن التحليل النفسي لجوابه (وفق ثقافتي النفسية المتواضعة)، هو أنه يريد أن يؤكد أنه ليس ممنوعا من السفر في بلده وليس معارضا، دون أن يؤكد أنه موال للنظام. إن ما تم ذكره من خلال اللقاء مع ذلك الفنان يدفعنا للسؤال: إذا كان فنانا شهيرا بالحجم الذي نتحدث عنه يشعر بالخوف من الآخر السوري، ويشرح وضعه من ناحية السفر إلى سوريا (وبالتالي الأمني) بصورة مسبقة قبل اكتمال جوانب التعارف، فكيف بالمواطن البسيط العادي، لا بل كيف بالمعارض الحقيقي للنظام المقيم في بلد مجاور؟

وكاتب السطور سمع عن أشخاص كثيرين ممن كانوا يعملون بالسياسة أو الثقافة، إنهم كانوا يخبئون بعض الكتب والمناشير المضادة للنظام في منازلهم في حفر تحت التراب، ويسوون الحفرة بالأرض ويطمسونها لكي لا يكتشفها عناصر الأمن عند عملية اقتحام المنزل وتفتيشه ، وهناك مظاهر كثيرة للخوف منها تعليق صور الدكتاتور الأب والابن فوق سطوح المنازل او على جدرانها منهم للانتهازية والتملق، واغلبهم من الخوف من المساءلة أو لإبعاد شبهات معينة مفادها أن هذا الشخص غير معارض لنظام الحكم، والأمثلة لا تعد ولا تحصى في هذا المجال.

يقول الكاتب محمد صبرا في مقال له بجريدة العربي الجديد أنه ” في عام 2010، وفي إحدى جلسات الاختبار التي تجريها نقابة المحامين، لنيل الإجازة في المحاماة، كان المحامي المتمرن الذي يخوض الاختبار عضواً في مجلس الشعب. سألته يومها بما أنك برلماني، فمن يملك سلطة التشريع في سورية، وبعد صمت، نظر إليَّ، ثم إلى الحضور، ورد مبتسماً: لن أجيب على هذا السؤال. خاف أن يكون السؤال فخاً يقوده إلى الحديث عن الصلاحيات الاستثنائية لرئيس الجمهورية في التشريع. هذا برلماني يفترض أن درجة خوفه أقل من أي مواطن. لكن، في سورية كلما علت رتبة الأشخاص زاد خوفهم أكثر. لم يكن الاقتراب من السلطة يعفيهم من الخوف، بل على العكس تماماً. [1]

وفي مقال بجريدة الأنباء اللبنانية يشير الكاتب إلى  أحد البعثيين القدماء الذين خرجوا من حزب البعث بعد مدة قصيرة من تسلم الأسد السلطة والذي أجزم أن ” للحزب دورا كبيرا في تعميم ثقافة المخبرين وكتابة التقارير في المجتمع السوري ” ويشرح قائلا ” النظام كان يكلف أعضاء الحزب بالوشاية بأصدقائهم غير الحزبيين بحجة أنهم أعداء للوطن وعملاء ، ليصبح في ما بعد كل بعثي مخبرا بالضرورة ، نتيجة تحول مراكز الحزب لتكون اشبه بالمراكز الأمنية تحاك فيها الدسائس ضد الآخرين وتكتب التقارير عنهم ” ويلفت البعثي القديم إلى أن ” النظام السوري استفاد من شبكة المخبرين الذين عمل على زرعهم في السنوات الماضية في قمع الثورة الشعبية المندلعة ضده .[2]

نعم إن انطلاق الثورة السورية المباركة قد أدت إلى هز أركان النظام وتفكيك آلته الأمنية المستشرسة ، وتحول الجيش الذي كان من المفترض أن يدافع عن المواطنين إلى ميليشيات مدافعة للنظام وحدثت انشقاقات كبيرة فيه احتجاجا على القمع الممارس بحق الشعب والثورة السورية ، أقول أن هذه الثورة قد ضربت تلك الثقافة ثقافة الكذب وجمهورية الكذب بالصميم وأعادت للمواطن السوري عزته وكرامته المسلوبة منه، لقد تغير الحال ما بعد الثورة عنه ما قبل الثورة ، إذ تجرأ الشعب بقول الحق والحقيقة بوجه اعتى نظام على وجه المعمورة وضحى بكل ما يملك من أرواح واموال في سبيل الحرية والكرامة ، والثورة لم تخسر ولم يربح النظام ، لأن الثورة مستمرة ، طالما أن منظومة السلطة قد تم كسرها واضعافها ( بدليل انها لجأت الى قوى محتلة كإيران وتوابعها  وروسيا وباقي الميليشيات )، فلتذهب ثقافة الخوف الى لا رجعة الى مزبلة التاريخ ولنبني سوريا ثقافة الثقة والكرامة والبناء.

=======

هوامش:

[1] محمد صبرا – الخوف توأم السوريين –العربي الجديد 6-11-2014

[2] سوريا جمهورية الخوف – جريدة الانباء اللبنانية – 28-9-2012

مصدر الصورة : flickr