النظام السوري نظام خبير في فن المراوغة والاحتيال السياسي واللف والدوران وامتصاص حالات التعارض الشعبي معه ، وترك الانتقام من المناهضين والمعارضين له ولسياساته وممارساته القمعية إلى أمد  قريب أو بعيد بحسب وضعه من إمكانية استعادة قوته وتماسكه بعد مرور الحدث المعارض – إن جاز التعبير – وتحين أقرب فرصة للانتقام.

وما نشهده الآن من استعادة النظام لقوته بدعم من إيران وروسيا وباقي حلفائه لم يأت هكذا اعتباطاً ، فهو نظام  مراوغ ومستعد للتخلي عن أي شيئ مقابل استمراره في الحكم ، كما له تاريخ حافل بالسلوك الثعلبي الممزوج بالسلوك الذئبي الشرس جداً والقاسي إلى حدود تفوق القساوة معناها اللغوي والحرفي المحدود .

ما نقوله ليس كلاما نظريا إنما هناك ما يدعم هذا الكلام من خلال الأمثلة والأدلة  التاريخية الملموسة لكي نسلط الضوء على الفعل المراوغ للنظام السوري.

في عام 1979 عندما شهدت حلب إضرابات واضطرابات ومظاهرات قام بها أنصار الإخوان المسلمين  ، وأنا أذكر حينها عندما كنت طالبا بجامعة حلب لما اقتربت من جامعة حلب مظاهرة كان منظموها قد رفعوا  علما كتب عليه ” لا اله الا الله محمد رسول الله “، وهم بدأوا برشق قاعات الجامعة بالحجارة وكسروا زجاج نوافذ هذه القاعات،  واستمروا في السير إلى مقصف كلية الطب جامعة حلب وكسروا زجاج المقصف، ولم أجد أي عنصر حكومي لا شرطة ولا أي عسكري ! واستمرت الأوضاع على حالها إلى ـن استوعب النظام الصدمة فعاد إلى القمع والتنكيل والاعتقال والاغتيال والمضايقات المتعددة لجل المواطنين .

أما في عام 2000  عندما ورث بشار الحكم من أبيه حافظ الأسد، وبمباركة غربية وعلى رأسها المباركة الاميركية عن طريق مهندسة الإدارة الامريكية مادلين اولبرايت وزيرة الخارجية آنذاك ، ساد آنذاك في سورية جو من الحريات المؤقتة لامتصاص حالة الغضب المحتمل من الشعب إزاء عملية التوريث، فانتشرت المنتديات الثقافية والسياسية في كل المدن السورية ابتداء من دمشق مرورا بحمص واللاذقية وانتهاء بقامشلي ، في هذه المنتديات كانت النقاشات السياسية تحتدم –  لشتى الموضوعات المتعلقة بسورية والمرحلة التاريخية التي كانت تمر بها – وكان النقد يوجه إلى حقبة حافظ الأسد ( الممتدة من 1970 الى 2000 )، وكان بعضهم ينتقد بشدة سياسة ” الأب القائد ” الدكتاتورية بكل صراحة وجرأة ، يبدو ان هذا كله ( المنتديات والنقاشات ) او ما سمي بربيع دمشق لم يعجب النظام او ان الفترة الذهبية الشكلية ( أو الطعم السياسي ) التي منحت من النظام للناس قد انتهت مدة صلاحيتها ، فعاد إلى سابق عهده القمعي بأن أوقف المنتديات وفيما بعد اعتقال  أبرز روادها وأبرز المعارضين السوريين وانتهت هذه الفترة المؤقتة في سورية .

 عندما تظاهر الأكراد في القامشلي أقصى الشمال الشرقي في سوريا وسيطر الشباب على المدينة إثر انتفاضة شعبية عارمة عام 2004 بعد مباراة كرة القدم بين فريقي الجهاد – القامشلي – وفريق الفتوة – دير الزور –،  هذه المباراة التي استخدمها النظام لكسر شوكة الأكراد في سورية وإثارة فتنة بين العرب والكرد قتل فيها النظام أكثر من 50 شخصا وأصاب العشرات بجروح ، امتدت التظاهرات والاضطرابات إلى عامودا وتم اسقاط تمثال حافظ الأسد ، كما تم  كسر تمثاله في القامشلي ، أتذكر لما كنت اسير في تظاهرة يوم السبت 13 آذار 2004 أي في اليوم الثاني من بدء الانتفاضة لم أجد شرطياً واحداً في أماكن التظاهرات ، وبعد انتهاء المظاهرات جرت اعتقالات واسعة للناشطين الكرد واودعوا السجون لسنوات وتم تعذيبهم ومورس بحقهم شتى صنوف  القمع والتنكيل ، علما أن المظاهرات انتقلت إلى عفرين وحلب ودمشق وجرت اعتقالات هناك أيضا ، وما كانت تلك التظاهرات لتتوقف لولا تدخل الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك،الذي أثر على رأس النظام بشار الأسد، ليقول فيما بعد لتلفزيون الجزيرة ” القومية الكردية جزء من التاريخ السوري والنسيج السوري “، ليخفف الضغط القمعي على الأكراد وفيما بعد ليتم الإفراج عن جزء كبير من المعتقلين الكرد في السجون السورية .

عام 2010  عندما طالب الأكراد المتواجدين في قبرص بتسوية أمورهم ومنحهم إقامات ونظموا لأجل ذلك مظاهرات وتم اعتقال قسم منهم، وارسلتهم السلطات القبرصية  عبر الطائرات الى سوريا – رحلتهم – وقتها كنت أقيم بكردستان العراق ، توقعت أن النظام لن يعتقلهم في المطارات لمعرفتي بدهاء وخبث النظام وإنما سيتم أخذ بياناتهم لمحاسبتهم فيما بعد ، وفعلا حدث كما توقعت لم تعتقلهم السلطات السورية ولكن اعتقلتهم فيما بعد  ، وذلك لكي لا يتم إثارة ضجة إعلامية تجاهه في تلك الفترة ، وعندما كنت عائدا إلى سورية وتم اعتقالي على الحدود التركية السورية في معبر نصيبين الحدودي من قبل الأمن السياسي وتحويلي إلى معتقل الأمن السياسي بالحسكة، أودعت زنزانة ” فردية ” وكان بها شخص من القامشلي تعرفت عليه وتبين لي أنه من معتقلي أحداث قبرص، و الذي أخبرني حقيقة أن السلطات لم تعتقلهم في البداية لكن فيما بعد اعتقلت كل الذين تم ترحيلهم من قبرص إلى سورية  وصدق توقعي عن كيفية تصرف النظام السوري في هكذا حالة .

عام 2011  مع إنطلاق الثورة السورية تم الاتفاق مع حزب ال “ب ي د” الجناح السوري لحزب العمال الكردستاني ، وكان  اتفاق النظام معه على يقتضي تسليمه المناطق الكردية إداريا إلى الانتهاء من مواجهة الثورة السورية والشعب السوري؛  ليخطط للمستقبل بأن يعود إلى استرداد تلك المناطق بعد تصفية المعارضة وكسر شوكة الثورة السورية ، لكنه كان مضطراً لعقد هكذا صفقات مع هذا الحزب لأنه الأقل كلفة له، بعد أن يعود إلى السيطرة على تلك المناطق من جديد ، وهذا ما أكدته تصريحات بشار الجعفري مندوب النظام لدى  الأمم المتحدة، عندما قال جواباً على سؤال صحفي يتعلق بالإدارة الذاتية الكردية والفيدرالية في المناطق الكردية : ” فليتناول الأكراد حبوب البنادول “! ويبدو ان هذا التصريح قد انتقل من حيز القول إلى واقع الفعل، ولو جزئيا في عفرين بسيطرة تركيا على المدينة ليصار كما هو متوقع إلى النظام فيما بعد ، إذ ان ما جرى في عفرين والغوطة ما هو إلا سيناريو متفق عليه بين أقطاب أستانة وسوتشي : ايران – تركيا – روسيا وضمنا النظام السوري .

أما في عام 2014   في مؤتمر جنيف 2 عندما كان الصحفيون يسألون ” عمران الزعبي “- وزير الاعلام لدى النظام السوري  وممثله إلى المفاوضات – السؤال التالي بشكل متكرر : لماذا النظام لا يضرب داعش بالبراميل المتفجرة كان الجواب هو الصمت  المقصود لذاته. وفي هذا الصمت تكمن الحقيقة السياسية الكاملة للنظام .  

مما تقدم  كانت أمثلة تاريخية حية ودامغة بالغة في الواقعية ، تعطي صورة بانورامية عن نظام تعسفي دكتاتوري عسكري  أمني شمولي لم تعرفه البشرية من قبل ، وأعتقد أن هذا النظام نتيجة لمراوغاته العديدة عصي على الفهم حتى الآن لدى العديد من الأفراد والمؤسسات والأحزاب العربية والإقليمية والدولية ، لأن لديه إعلام وشخصيات ومؤسسات تسلك سلوكا بروباغندويا غريبا وعجيبا ، والدليل على ذلك أنه مارس الجرائم البشعة وفتك بالشعب السوري وأشرك ايران والميليشيات العراقية والافغانية وروسيا بقوتها الجبارة في  المقتلة السورية والعالم صامت ساكت اخرس ، تجاه ابشع جرائم ترتكب في العصر الحديث أمام مرأى ومسمع العالم المتحضر ، لذلك فليس السوريون وحدهم مطالبون بالكشف عن حقيقة هذا النظام انما البشرية جمعاء بحاجة لاكتشاف سر ديمومة النظام رغم بشاعة ممارساته وشناعة أفاعيله في الشعب السوري وحتى في الشعوب المجاورة. 

مصدر الصورة :flickr