أدى انقطاع الدعم عن العملية التعليمية شمالي سوريا خلال الأشهر الأخيرة، إلى حالة تخوف لدى الأهالي والمعلمين من تسرّب الطلاب من المدارس، وانتشار الأمّية بسبب توقّف التعليم.

كما شملت هذه التخوّفات، عزوف الكثير من المعلمين عن العمل التطوعي في المدارس والالتفات إلى مصدر دخل آخر لتأمين قوت يومهم، ما دفع مديرية التربية والمجمعات التربوية في كافة المحافظات المحررة إلى التحرك لإيجاد حلول بديلة تضمن حق الأطفال بالتعلم، وذلك عن طريق إطلاق مناشدات وعقد اجتماعات عدة مع منظمات تهتم بالشأن التعليمي بهدف استقطاب الدعم من جديد أو تأمين دعم آخر.

كما بذلت وسائل الإعلام جهداً في هذه الحملة عبر إطلاق حملات مناشدة ومساندة للعملية التعليمية وأخرى تدعم المعلم والمتعلم معنوياً، فكان لجهدها صدى وصل إلى الدول الأوروبية والشارع الأجنبي عبر ترويج تلك الحملات ما أدى للضغط على الجهات المانحة وإعادة الدعم جزئياً وبشارات بعودته بشكل كلي إلى السلك التعليمي.

 

عودة الدعم تدريجياً

عقب انقطاع الدعم وإطلاق حملات مناصرة لعودته أُبلغت مديرية التربية والتعليم بحلب عن طريق البريد الرسمي الخاص بها بإعادة الدعم جزئياً إلى عدد من مدارسها، هذا ما يكشفه مدير التربية والتعليم محمد مصطفى لـ “بوابة سوريا” مضيفًا أن “مشروع مناهل الذي يعد أحد مشاريع منظمة “كومينيكس” المختصة بدعم التعليم في المناطق المحررة، أعاد دعمه جزئياً إلى مدارس المديرية، حيث سيمتد الدعم الجديد على فصلين دراسيين لعام 2019 – 2020 وسيتوزع على 126 مدرسة متعددة تابعة للمجمعات التربوية التابعة لمديرية التربية والتعليم بحلب حيث يعد ذلك الرقم أكبر عدد دعمت فيه المدارس من قبل المنظمات التعليمية”.

وأضاف مصطفى، أن “المدارس التي أعيد دعمها سيكون قسم منها خاص بمدارس أطلق عليها اسم “الجودة” وهي مدارس تحتوي على “أنشطة المكتبات، القراءة العلاجية، الحساب العلاجي، الدعم النفسي، الحماية” مع أمين مكتبة ومسؤولي حماية ومهارات، لافتًا إلى أن تلك الاختصاصات هي إضافات على المنهاج الأساسي.

كما ستشمل المنحة معاشات المعلمين التابعين لمدارس “الوصول” العادية، وفقًا لمصطفى الذي أوضح أن هناك منظمات تهتم بالشأن التعليمي أعادت دعمها لبعض المدارس التي دعمت من قبلها في السنوات السابقة كمدارس التعليم التعويضي في مناطق مختلفة من ملاك عمل المديرية، وقامت أخرى بعمليات مسح إحصائي للمدارس غير المدعومة وبالأخص الحلقتين “الإعدادية والثانوية” ورفع مشاريع دعم للجهات المانحة.

 

يؤكد مدير التربية والتعليم أن حملات المناصرة ومشاريع دعم التعليم عموماً كان لها أثر إيجابي على عودة الدعم الجزئي حيث بدأت الحملات عقب الإعلان عن العمل التطوعي أواخر شهر أيلول 2019  فتم التعميم أن العمل في مدارس مديريات التربية ودوائرها يعد تطوعيًا بدءًا من أول العام الدراسي الجديد  2019- 2020  ولكن عندما أبلغت المديرية بصورة رسمية عن توقف الدعم.

 

أثر حملات الضغط

بحسب ما لاحظت “بوابة سوريا” فإن مئات المعلمين بادروا بالنشر عبر حساباتهم الشخصية دعوات مناشدة ومناصرة تستهدف المنظمات المعنية لإعادة الدعم إلى القطاع التعليمي وذلك انطلاقاً من واجبهم الإنساني والشخصي.

وشكل مجموعة ناشطين من مختلف المناطق المحررة شمالي سوريا ما يسمى بـ “منتدى الإعلاميين السوريين” حيث أطلقوا فور تشكيله حملة “قلمي حلمي” لتسليط الضوء على معاناة المعلمين بقطاع التعليم، ولاستقطاب دعم المنظمات العالمية المختصة بهذا المجال.

يقول عضو العلاقات العامة في المنتدى إبراهيم الخطيب لـ “بوابة سوريا”: “إن حملة قلمي حلمي هي مبادرة باشر فيها المنتدى بالتنسيق مع مديريات التربية والمجمعات ونقابات المعلمين في المناطق المحررة لتوجيه الأنظار على معاناة المعلم وأعداد الطلاب المتضررة من إيقاف الدعم عن العملية التعليمية”.

ويرى الخطيب، أن قطع الدعم عن التعليم هدد نحو نصف مليون طالب وطالبة موزعين بين محافظات حماة، إدلب، حلب، اللاذقية بالحرمان من التعليم، وحتى الحصول على الكتب والمناهج الدراسية، لافتًا إلى أن قرابة 1255 مدرسة كانت مهدّدة بالإيقاف في حين أن نحو 10800 معلم ومعلمة كانوا مهدّدين بقطع رواتبهم وترك التدريس والانصراف إلى فرص عمل تؤمن مصاريف حياتهم”.

أضاف الخطيب أن الحملة تتضمن بث فيديوهات وصور منشورات ترويجية ومقالات باللغتين العربية والإنجليزية، وتسليط الأنظار على عواقب تسرب الطلاب وخوضهم بكارثة الجهل وعمالة الأطفال، كما تم إجراء مقابلات تصويرية مع مدراء المجمعات ونقابات المعلمين للحديث عن الصعوبات التي تواجه هذا السلك، وتم إطلاق “وسم” على مواقع التواصل الاجتماعي خاص بالحملة تم تداوله على نطاق واسع من قبل ناشطين ومديريات التربية والنقابات التعليمية، مشيراً إلى استمرارية الحملة وتفاعل الأهالي معها فضلاً عن مساهمة منظمة الدفاع المدني السوري “الخوذ البيضاء” فيها.

 

معلّمون عاد لهم الأمل

لم يكن الطلّاب وحدهم المتضرّرين من انقطاع الدعم عن التعليم، بل كان المدرّسين تحت خطر فقدانهم أعمالهم ومصدر رزقهم في ظل الظروف المادّية الصعبة التي يعاني منها السكّان داخل سوريا.

في السياق ذاته يؤكّد المعلم أحمد فرحان لـ “بوابة سوريا” أنه كان على وشك اعتزال مهنة التعليم في مدرسته غرب حلب مجبرًا مع زملائه المعلمين والبحث عن عمل آخر لتأمين قوت عوائلهم، مشيرًا إلى أنه عندما انطلقت حملات المساندة شاركوا فيها عبر صفحاتهم الشخصية في “فيسبوك”، ما جعلهم يصبرون قليلاً إلى أن ظهرت بوادر الخير بعودة الدعم جزئياً”.

ويلفت فرحان، إلى الضرر الكبير الذي كان سيحل بالطلاب إن تركوا التعليم مجبرين، حيث لا يوجد بديل للتدريس وسيبقى الطلاب بدون معلم ما يعرضهم بشكل مباشر للتسيب وخطر الجهل.

يشير مدير التربية والتعليم محمد مصطفى إلى الأثر الذي حققته حملة “قلمي حلمي” على الصعيدين المحلي والخارجي، فقد وصل صوت المعلمين والطلاب إلى كافة الأطراف المحلية والغربية وحتى المهجرين في تركيا وبقية بلدان العالم، معتبرًا أنّها حملة تطوّعية بالكامل، ولم يتقاضى الإعلاميون العاملون فيها أية مبالغ مالية أو مساعدات عينية مقابل العمل في الحملة معتبرًا أنّ الحملة بالكامل قام بها “إعلاميون وطنيون تركوا إيجابيًا وبشّر في نهاية المطاف ببوادر عودة الدعم تدريجياً”.

وتتزامن التغيرات التي تطرأ على العملية التعليمية من توقف الدعم وعودته، استمراراً لشن عمليات عسكرية وحملات قصف من قوات الأسد والميليشيات المساندة له على مدن وبلدات ريفي حلب وإدلب، ما يشكل تحديات وصعوبات جديدة منفصلة عن الدعم ونقص متطلباته تواجه السلك التعليمي شمالي سوريا.