القامشلي تلك المدينة الواقعة في أقصى الشمال السوري والتي نافست بيروت ثقافيا حسب رأي بعض مثقفيها وسميت بـ”لاس فيغاس الشرق”، واعتبرت جوهرة الشمال الشرقي السوري والتي يطلق عليها لقب مدينة العشق، حيث تجسد هذا العشق في السينما وازدهار الفن السابع فيها، مع ازدهار اقتصادي وسياسي في الخمسينات من القرن الماضي، ففيها أقيم ما يزيد عن 4 صالات سينمائية ( سينما حداد ودمشق وفؤاد وشهرزاد الصيفية والشتوية )، فضلا عن المدن والبلدات المجاورة لها كالقحطانية التي افتتحت فيها صالة سينما وحيدة(تشرين )، مدينة عامودا وسينماها المشهورة شهرزاد والتي تعرضت لحريق 13-11-1960 مرت ذكراه قبل أيام، راح ضحيته أكثر من 200 طفل من تلاميذ المدارس، التي تم زج أكثر من 500 طفل فيها وهي لا تستوعب أكثر من 200 مقعد لحضور فيلم ( جميلة بوحيرد)، دعما للثورة الجزائرية آنذاك ورغم ذلك تم عرض فيلم (جريمة في منتصف الليل) وهو فيلم للكبار.

في القامشلي الكثير من الأسماء الفنية والثقافية مثل (سليم حانا ممثل ومخرج ، وسلوى سعيد ممثلة و اسكندر عزيز ممثل و جان كارات مغني و جوان حاجو مغني، و سعيد يوسف مغني وملحن و سليم بركات روائي و أديب وشاعر ومحمد شيخو موسيقي ومغني و محمود عزيز شاكر مغني وملحن و رمضان نجم اومري مغني و آرام ديكران مغني وملحن و عبدو علاني مغني وعازف و عادل علي ممثل ومخرج و أحمد شويش مسرحي و يوسف عبد لكي فنان تشكيلي والقائمة تطول.

و شهدت القامشلي نشاطا سينمائيا ملحوظا مع بدايات دخول السينما إلى سوريا، إلا أنها تراجعت وتدهورت تصاعديا مع تصاعد سيطرة حزب البعث على سوريا والحركة الثقافية.

و في بداية عام 1958 كانت أكثرية الأفلام الأجنبية التي تعرض في دور السينما في سوريا والشرق عموما تأتي من إيطاليا، فكانت البداية بسلسلة الأفلام التاريخية مثل هرقل وماشستي واورسوس والمصارعون العشرة.
واستمرت هذه الأفلام حتى عام 1964 ليأتي دور أفلام الكاوبوي من نفس المصدر، حيث بدأت السينما الإيطالية بإنتاج هذه الأفلام بغزارة، والتي كانت تصور في منطقة الميريا الإسبانية حيث الطبيعة الشبه صحراوية، وذلك تشبها بمنطقة الحدود الأمريكية المكسيكية، وتم الاستعانة بممثلين أمريكيين وإيطاليين ومن جنسيات مختلفة، وكانت الفكرة إنتاج أفلام بميزانية أقل من هوليوود وسميت هذه الافلام باسم سباغيتي وسترن. مثل “من أجل حفنة من الدولارات”1964 بطولة كلينت ايستوود، وجان ماريا فالنتي.
في هذه الفترات كانت الأفلام الهندية تأتي تباعا ولعل أشهر هذه الأفلام كان ماسح الأحذية 1954 و من أجل ابنائي 1957 بطولة: نرجس ، راج كومار و جنكلي 1961 بطولة: شامي كابور ، سيرا بانو
و الزهرة والحجر 1969 بطولة: دارامندرا ، منا كوماري.

تصوير : سلام حسن

يقول أكرم دوكو”حقوقي ” 1951 مواليد : كان هناك سينما شهرزاد الصيفية والشتوية ودمشق وفؤاد وسينما حداد، كنا نشاهد أفلام هندية عاطفية وكانت تمتاز بالإنسانية وذلك في سنوات 1965 وحتى 1975 وحتى الثمانينيات وكانت أسعار التذاكر مناسبة فكانت قيمة تذكرة “اللوج” (درجة أولى) ب( 1)ليرة سورية والصالة الأرضية “الدرجة الثانية” ب نصف ليرة .
_ و يعتقد “دوكو” أن سبب انحسار السينما الرئيسي عائد لانتشار التلفزيون والانترنيت لاحقا
_ وكان الناس يحضرون السينما عائليا مع الزوجة والأطفال من البنات والشباب والمجتمع كان منفتحا على السينما وكان حضور السينما من الطقوس الجميلة وخصوصا في أيام العطل والأعياد.

يقول حكيم هولي :حضرت السينما لأول مرة في عام 1985 مع أخي الأكبر، يومها أخذني لمشاهدة فيلم لـ”بروسلي”. وكان هناك أربع صالات للسينما في القامشلي .شهرزاد.وفؤاد و حداد ودمشق. انحسر حضور الجمهور للسينما، كون السينما كانت تعد مضيعة للوقت وتبعد الشباب عن فرص العمل والدراسة، وتعد أيضاً من العادات غير السليمة، إما بالنسبة لتجربة النادي السينمائي في “قامشلو” كانت تجربة جميلة جدا كونها تعرض أفلام لم يشاهدها الجمهور على شاشات التلفزيون أو الانترنيت وغيرها.
يقول عبد العزيز 65 سنة (مدرس وإداري في نادي القامشلي السينمائي) :حضرت أول فيلم سينما في الحسكة ١٩٦٦، كان في الحسكة سينما القاهرة وسينما دمشق وسينما فؤاد، كنا طلاب في المرحلة الإعدادية نحضر يوم الخميس المسا فيلم سينما عادة و كان في صالة وفي لوج الصالة (٣٥) قرش لوج والعائلات ٥٥ قرش. الأفلام المحببة كانت هندية مثل “الزهرة والحجر” و”يك دل” والصديقان
ثم مقالب “غوار” و”عنتر بن شداد”، وفلم كان اسمه “حارة السقا قين” من بطولة شريفه فاضل
كنا نتأثر عاطفيا بالأفلام الهندية لدرجة البكاء مثل فيلم “الصديقان”، ونحضرها اكتر من مره وقتها كانت الناس كلها ترتاد السينما مع العائلات.
و يضيف “عبد العزيز” بحديثه لبوابة سوريا”، تابعت السينما بالشام و القامشلي، و آخر فيلم سينمائي شاهدته في سينما شهرزاد الصيفي عام ١٩٧٤ من بطولة ناجي جبر “عنترة”،و سبب الانقطاع ظهور مفاجئ لتلفزيون أبيض أسود ومسلسلات بحلقات يوميه، عدا عن برامج أخرى شيقة كالسالب والموجب لتوفيق حلاق.

ويتابع صالة السينما وشاشة العرض لها خصوصيتها إذا كانت هناك أفلام هادفة ، وترضي أذواق جميع الشرائح و تجربة نادي قامشلي السينمائي بعد قيام الثورة أعادت رونق السينما، نعم كانت تجربة رائعة وإن توقفت مؤقتا بسبب عدم نوفر الدعم والتمويل، هي تجربة تستحق التقدير وافتخر كوني عضوا إداريا ولازلت كانت انطلاقة رائعة بإمكانات متواضعة جدا. ولكن لم يعد بإمكان جمهور السينما الحضور المنظم في الوقت الحاضر، خصوصا في الثورة السورية كون الناس انقسموا بين مهاجر ولاجئ وببن من بقي ينهش جسده العوز ويحاول ليل نهار تأمين قوت يومه والأمان لأطفاله.

أما “سونيا ” معلمة 59 سنة تقول لـ”بوابة سوريا”: كنا نتابع السينما وبرامج الصالات والعروض ، ونترقب نزول أفلام جديدة بلهفة الأجنبية مثل الفرنسية والهندية والعربية سواء المصرية أو السورية، وكنت من عشاق الأفلام الفرنسية ونواظب على الحضور عائليا أو مع مع الصديقات حيث كان إقبال النساء كبيرا وملفتا، وتراجع حضور المرأة فيما بعد نتيجة لعوامل عديدة منها، سوية الأفلام ودخول التلفزيون وأكثر الصالات تحولت إلى صالات مناسبات وأفراح، مثل صالة دمشق وحداد، وصالات أغلقت أبوابها مثل صالة سينما شهرزاد وفؤاد، وأتمنى عودة افتتاح الصالات مرة أخرى لأن للحضور السينمائي طقوسه الخاصة الجميلة والجلوس أمام الشاشة الكبيرة يختلف عن حضور فيلم في المنزل هناك تلتقي بأصدقاء وتحدث نقاشات وتبادل آراء.

وفي حديثه أيضا لـ”بوابة سوريا” يقول الموسيقي “رمضان محمد” : 45 سنة، كنت أواظب على حضور العروض السينمائية وشهدت تحول السينما وانحدارها إن صح التعبير، وتراجع سوية المشاهدين، فبعد أن كان الحضور للنخب الثقافية والعائلات وطقسا اجتماعيا وثقافيا محببا، تحول المتفرج مع تحول نوعية الأفلام وتحكم المؤسسة العامة للسينما واجبار تلاميذ المدارس والموظفين لحضور أفلام بعينها كأفلام ” التقرير” و”الحدود” لدريد لحام، وتوجه أصحاب الصالات إلى الأفلام الرخيصة إن صح التعبير وتشدد الرقابة.
و يختتم “محمد”: أصبح توجهي وتوجه الناس عموما إلى الحضور في المنزل إلى أن قامت الثورة ، وقمنا بتأسيس نادي القامشلي السينمائي بإمكانيات متواضعة، إلا أنها كانت تجربة جميلة أعادت بعض التألق إلى الحضور السينمائي عبر العروض الأسبوعية أو المهرجانات، التي أقمناها على مدار سنوات ونسعى إلى إعادة قيام فعاليات النادي، التي توقفت لعدم وجود تمويل فضلا عن الأوضاع المأساوية العامة.

guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments