في لقاء له على قناة روسيا اليوم، حاول فراس طلاس نجل وزير الدفاع السابق المتنفذ في نظام الأسد مصطفى طلاس “1972- 2004” أن يكشف بعض الحقائق التي تلامس إلى حد ما آلام السوريين و تستجدي عواطفهم، و هنا ظهر طلاس بمظهر المعارض بتوصيف دقيق إن صح التعبير، و ركز على هذه الناحية. معارض لنظام الأسد كشف بعضا من ممارسات والده الذي كان يعتبر الذراع الأيمن و الجدار الذي استند عليه حافظ الأسد في الشدائد، موكلا له مهمة توريث الحكم لبشار الأسد.

النقطة التي ركز عليها فراس طلاس بمقابلته مع سلام مسافر، الذي دافع و بشدة عبر شاشة (روسيا اليوم) عن النظام وكأنه ينقل صورة للمشاهدين، أن المهمة واحدة و العمل ذاته ينتهج في إعلام النظام وروسيا، هي نقطة أن والده مصطفى طلاس كان مدرك  بأن إسقاط نظام الأسد وإنهاء قبضته الأمنية هو أمر مستحيل،بسبب عملية الدمج التي أجراها الأسد الأب لنظامه والتشبيك المحكم في النظام العالمي القائم، وهذا المشهد و التوصيف الذي نقله فراس طلاس يترجم وفق شقين، الشق الأول أن فراس تعمد بث رسالة رعب للشعب السوري، مفادها أنه مهما جرى هذا النظام لن يسقط، مستخدما المشهد في تبرير صمت والده الذي يعتبر ضالعا بجرائم ضد السوريين و ضد الإنسانية إن صح التعبير. أما الشق الثاني هو إدانة حقيقية لوالده مصطفى طلاس، الذي كان بمقدوره عبر سنوات من سلطته و نفوذه أن يحقق زعزعة في النظام و حتى كان بمقدوره قلب الطاولة، وذلك كان جليا عند ذكر فراس طلاس عن قصة وفاء والده لحافظ الأسد و إيصاله بشار الأسد بكل أمان لسدة الحكم. و بقراءة لما بين السطور، كانت رسالة طلاس هي إثبات أنه معارض بإدانة والده، لكنه أثبت أيضا أنه ليس ثائرا بشكل قطعي مع اختلاف المفهومين. 

و تتجسد المشكلة و أبعادها بدور  مصطفى طلاس الحقيقي في السلطة إلى جانب نظام الأسد في سوريا، فدوره كان تأمين وصول بشار الأسد للحكم و إرساء ركائز سلطته، وهنا نعود لمشهدية مكانة طلاس و نفوذه كوزير دفاع وعماد في جيش الأسد، هل كان طلاس مجرد شخص منتفع فقط من النظام زال دوره عام 2004 ، وتمت تنحيته عن المشهد، و بالتالي كان سياسة الأعوان الأذكياء للحاكم الغبي، بحيث أنه كان يعتمد على تحقيق المكاسب الشخصية فقط لا أكثر بمقابل بقاء آل الأسد في السلطة.

وهذا المشهد يمكن إسقاطه بوضوح على الفترة التي تزامن فيها توريث الحكم لبشار الاسد و فترة إنتهاء صلاحية مصطفى طلاس. فكان طلاس الذكي هو الذي نسج خيوط لعبة وصول بشار الأسد للحكم، الذي كان غبيا في تلك الفترة ليقود في بلد تحكمه توازنات دقيقة بين القمع و الاستغلال.

و هذا يمكن قراءته في كتاب محمد توفيق بعنوان “الغباء السياسي كيف يصل الغبي إلى كرسي الحكم”، حيث استخدم  الكاتب عنوانه التالي “النفاق أساس الحكم” في حديث توصيفي لهذه الحالة، قال فيه “وراء كل حاكم غبي أعوان أذكياء يصنعون القرار من خلف ستار، و يحركون الأحداث و يخططون ويحرضون و يتركون غيرهم ينفذون، و يحتفظون بمواقعهم في الكواليس”، و هذا حقيقة هو دور مصطفى طلاس الذي مارسه خلال السنوات الأربعة في حياته كرجل نافذ ضمن المؤسسة العسكرية القمعية  في سوريا التي ثبت فيها بشار الأسد.

وهذا يدل أن محاولة تحجيم دور طلاس كحلقة و جزء فاعل في نظام الأسد هي محض ضرب من الخيال، و الاكتفاء بأنه كان محيطا بمعلومة أن النظام لن يسقط و يعمل على أساسها هو هروب للأمام و نقل لنفسه بعيدا عن استحقاقات كثيرة كان يجب أن يسأل عنها و يحاكم عليها حتى، و ظهور ابنه في الوقت الحالي بعد وفاته للإدلاء بهذه المعلومات، و إن لم يكن على دراية بأبعادها هو استكمال لنهج والده لا أكثر، فكان حريا أن تدفن هذه المعلومات مع دفن مصطفى طلاس أو تكون شاهدا عليه في المحاكم لا أن تظهر بعد أعوام من الثورة ضد النظام القمعي. ويتم تداولها على أساسها حقائق مطلقة يجب التسليم بها، وهذا خطأ سياسي واستراتيجي ارتكبه فراس طلاس إذا كان فعلا معارضا لنظام الأسد. وكان له و لوالده أو حتى أخيه مناف طلاس نقلها قبل إندلاع الثورة في سوريا أو مع بداية انطلاقها، بتوصيف مناف و فراس معارضين لنظام الأسد.

وهذه إدانة أيضا فالصمت و اتخاذ وضع المزهرية مع التحول لظاهرة صوتية فقط، و الابتعاد الحقيقي عن مساهمة فعالة وجادة في الثورة السورية، التي كانت قد تحتضن الشقيقين طلاس بفترة من الفترات. هو فعل معاد لهذه الثورة و لا يخدمها بتاتا، و بحال كان لدى الأخوين طلاس نية حقيقية لإدانة النظام كمعارضين، أو امتلكا حقائق تقوض نظام الأسد فعليهما السعي والعمل فيها وإلا فسياسة إمساك العصا من المنتصف ستبقى سياسة متبعة حتى تأكل السنين ما تأكله من السوريين. 

مصدر الصورة: wikimedia