تعود قصة العنف مع المرأة السورية إلى عشرات السنوات حيث تم تكريس العنف ضد المرأة لسنوات من قبل النظام منهجا يوميا.

وعلى الرغم من كون يوم الخامس والعشرين من من أكتوبر / تشرين الثاني من كل عام مناسبة متجددة للتنديد بالعنف الممارس ضد المرأة،  إلا أن النظام وأبواقه يسوقون في هذا اليوم لعطايا ومنجزات جعل بها النظام المرأة السورية في مكانة تحلم بها بقية نساء العالم!

فما هي حقيقة وضع المرأة السورية قانونيا ومجتمعيا؟

تتعرض الطفلات السوريات لمخاطر الاعتداء الجنسي والحرمان من حق التعليم والعمالة والزواج المبكر، ولا يعاقب القانون السوري كما يفترض على هذه الجرائم، لا بل أنه يبارك بعضها كما في حالة تزويج القاصر المعتدى عليها من مغتصبها.

ازدادت أعداد الفتيات اللواتي أجبرن على الحرمان من التعليم بسبب نزوح عائلاتهن و تغيير المسكن والموطن لمرات متتالية، منذ العام ٢٠١١، وتعرضت فتيات كثيرات لضغوط الزواج قبل أن يبلغن الثامنة عشر، كان ذلك مقابل الأمان ورضا الأسرة، ومرات كان ذلك مقابل لقمة العيش.

لكن وبالمقابل كانت هنالك فتيات رأين في المدارس المفتتحة في المخيمات حلم المدرسة يتحقق من جديد، وساندتهن عائلاتهن في العودة إلى تحصيلهن العلمي ، وقد برزت منهن كثيرات من السوريات العنيدات والمثابرات.

تبرز في القانون السوري مشكلة أساسية تجعل من غير المتوقع أن ينظر للمرأة السورية على أنها مواطن ذو حقوق،و هي مسألة وصاية الذكر على الأنثى، فالأنثى خاضعة لإرادة الرجل أبا وأخا وزوجا، ويتم تكريس هذا الحق المعطى في القانون بواسطة الأعراف الاجتماعية.

التعليم والزواج والإنجاب والتنقل والعمل، جميعها حقوق تعتبر مشروطة بموافقة الذكر، حتى حق الإرث الذي يعطي النص القرآني الحق للأنثى فيه بنسبة في الإرث، يتم حرمان المرأة منه وفقا للأعراف والتقاليد، التي تشمل بالمناسبة جميع الطوائف دون حصر.

حتى أن الحق في الحياة وهو حق أساسي وذو أولوية، يغتصبه قانون العقوبات السوري، حيث يعتبر الرجل الذي يقتل امرأة متذرعا بذريعة الشرف، كبطل، لا تطاله العقوبة، وبالطبع تتحالف قوات الشرطة وسلطة القضاء، في طي معظم قضايا العنف اللفظي والجسدي والنفسي الذي تتعرض له النساء بحجة الرجولة، وباعتبار أنه من المعيب أن تشتكي امرأة على رجل، حتى وإن تسبب لها بأذى حقيقي، ولنا أن نتخيل نفسية امرأة تضرب وتجبر على العيش مع معنفها، لا بل قد يصل الخوف في اللاوعي أن تنصح بناتها بأن يسكتن إذا طالتهن الأذية من أزواجهن، أو تطلب من ابنها تعنيف زوجته.

جميع هذه جرائم يستتر القانون عليها ويشجعها العرف الاجتماعي، ويتم تكريس الرجل فيها مجرما دون أن تعطى الفرصة لقانونيين وعلماء اجتماع باقتراح مسودات جديدة لهذه النصوص القانونية، وقد برزت في الثورات العربية نساء كثيرات كسرن الصورة النمطية للمرأة الضحية الضعيفة المعنفة، نساء طالبن بحقوقهن كمواطنات فاعلات في بلدانهن، واجهن عنف المجتمع والقانون والسلطة، وقدمن مساهمات مهمة عما يفترض أن تكون عليه الأوطان.

كانت سوريا من البلدان التي وافقت على الإنضمام الى اتفاقية السيداو، الإتفاقية الخاصة بإلغاء جميع أشكال التمييز ضد النساء، مبدية تحفظاتها، التي بقيت لعشرات السنوات، متجاهلة عجلة التاريخ التي دفعت بها نساء ورجال سوريا، الذين يريدون لأبنائهم وبناتهم مستقبلا يطمئنون فيه بنيل بناتهن حقوقهن كاملة دون نقصان.

لم يعد النضال من أجل حقوق المرأة محصورا في ميدان النسوية السورية، بل أصبح من الضروري أن يتم النضال من أجل حقوق النساء السوريات في إطار دولة المواطنة السورية، التي لا تفرق بين مواطنيها، وتفرد مساحة للنساء للمساهمة في نقاش قوانين تقر مصائرهن، كما بالمساهمة في كل مناحي الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

يبقى أن للنظام مصلحة في العنف ضد النساء والتمييز ضدهن، لأن مناخ العنف هو المناخ المناسب لكل الديكتاتوريات الوطنية والإقليمية والعالمية، يسمح له بالنمو والتمدد والعيش على حساب الفضاء العام، كما الفطر في وسط الرطوبة وغياب الشمس.

ومن هنا كان سعيه لتكريس هذا العنف بشكل ممنهج وغير قابل للنقاش، وهذا ما تعيه الحركة النسوية داخل سوريا وخارجها، وما يجعل من نجاح تحركاتها مرتبطا أيضا برحيل هذا النظام، ولبس ببقائه واعطائه الشرعية.

إن كشف كل جريمة تتعرض لها امرأة سوريا يسهم في تقويض فكرة النظام، كما التمييز والعنف، ويسهم في تسريع قيام دولة وطنية سورية تحترم حقوق مواطنيها.

مصدر الصورة : فليكر