مع دخول كل شتاء تنشغل وسائل الإعلام بأحداث غرق المخيمات نتيجة الأمطار الغزيرة التي تصيب المنطقة، وتحدث حركة نزوح داخلي لآلاف العوائل التي فقدت خيامها نتيجة الغرق، وكذلك تعلو أصوات المتضامنين والمطالبين بإيجاد حل جذري للمشكلة، لينسحب الشتاء من جديد وتجف الخيام الغارقة ويعود أصحابها إليها لانتظار المصير ذاته في العام التالي، إذ أن جميع الإجراءات التي نُفذت كانت حلولاً إسعافية، لم تقِ هذه المخيّمات مشكلة الغرق.

 

حين تتحول النعمة إلى نقمة

بات خوف سكان المخيمات من المطر يشكل هاجسًا لديهم، فالأمطار التي تهطل ستجد طريقها بسهولة إلى خيامهم لا سيما المخيمات التي بنيت على أرض طينية غير مناسبة وبمناطق منخفضة.

يقول أحمد وهو نازح في مخيمات أطمة لـ “بوابة سوريا”: “لم نكن نخشى المطر يومًا كما نخشاه اليوم، فالأمطار التي اعتدنا أن تأتي لتحمل الخير للمحاصيل باتت اليوم الخطر الأكبر الذي يهدد سكان المخيمات ويجبرهم على النزوح كما فعلت من قبل طائرات الأسد”.

يُرجع أحمد سبب استمرار غرق المخيّمات، إلى سوء البنية التحتية وضعف الخدمات الموجودة في المخيمات، وخاصة في مخيمات أطمة والتي تم بنائها في منطقة منخفضة بالقرب من مجرى المسيل المائي، الأمر الذي يترك النازحين عرضة للغرق نتيجة ارتفاع نسبة مياه النهر وغياب قنوات التصريف القادرة على استيعاب المياه الفائضة”.

حالة النزوح الجديدة التي حدثت مؤخّرًا نتيجة حملة قوات الأسد والروس على ريفي إدلب وحماة كانت سببًا لبناء عشرات التي قد تكون عرضة لخطر الغرق هذا العام فموجة النزوح الكبيرة دفعت الناس للبحث عن أي مكان لإقامة خيامهم به، دون دراسة جيدة لطبيعة المكان والأماكن المحيطة به.

يقول الناشط خالد المرعي: “لطالما سبّب الشتاء في المخيمات كارثة حقيقية للمقيمين فيها لاسيما في ظل حالات الازدحام التي نشهدها اليوم نتيجة حالة النزوح الكبيرة التي عاشتها مناطق ريف حماة وريف إدلب الجنوبي”.

وبحسب المرعي، فإن أكثر المخيمات التي تتضرّر نتيجة الأمطار هي المخيمات التي بنيت على أرض مستوية أو أرض منخفضة أو في مجرى مياه الأمطار، لافتًا إلى أن الكارثة تزداد حين تخلو تلك المخيمات من البنية التحتية مثل الصرف الصحي وتبحيص الأراضي”.

يتابع المرعي: “ضيق المساحات الموجودة دفع النازحين لاستغلال أي أرض لإقامة مخيم عليها وكثيرًا ما تكون الأرض غير مناسبة للإقامة ومثل الحالات التي شهدناها في العام الماضي حيث غرقت المخيمات الموجودة على أطراف مجرى النهر في مخيم أطمة، بسبب كثافة الأمطار وتشكل بعض السيول التي جرفت الكثير من الخيم والمنازل، مثل تجمع مخيمات الكرامة وتجمع مخيمات القاطع الجنوبي في أطمة، ومخيم “أطفالنا تناشدكم” ومخيم “العمر” وغيرها من المخيمات”.

 

أرضية المخيمات السيئة تمنع الحركة داخلها

مخيم الوادي، الموجود في منطقة حارم هو أحد المخيمات التي تعيش أزمة إنسانية بعد كل هطول مطري على المنطقة، حيث تم بناء المخيم في منطقة منخفضة ضمن وادٍ يعتبر مجرى للسيول التي تتشكل بعد الهطول المطري.

يقول مدير المخيم نواف العلي لـ “بوابة سوريا”: “تشكل المخيم منذ قرابة عامين بشكل عاجل، وبعد النزوح الأخير الذي أصاب ريف إدلب ارتفعت الكثافة السكانية بشكل كبير ضمن المخيم وتجاوز عدد العوائل الموجودة في المخيم 700 عائلة. 

وتعيش تلك العوائل ظروفًا إنسانية صعبة خلال فصل الشتاء في مخيّم الوادي، حيث تتحول أرضية المخيم لمستنقعات ضخمة من المياه وتستحيل الحركة في طرقاته، ما يمنع سيارات الخبز أو صهاريج المياه من الدخول إلى المخيم، الأمر الذي ينعكس بشكل سلبي على حياة سكان المخيم بحسب العلي.

يضيف العلي: “يفتقر مخيم الوادي لأي نقطة طبية في حال تعرض أحد سكان المخيم لمرض مفاجئ ويستحيل دخول سيارة الإسعاف إلى المخيم لذلك يجب على السكان خوض تجربة صعبة في نقل المريض سيرًا على الأقدام وإيصاله إلى المنطقة التي تصل إليها سيارة الإسعاف”.

ويرى العلي أنّه لو أقدمت إحدى المنظمات الداعمة على رفع مستوى الطرق الموجودة في المخيم ورصف الأرضية بالبحص المناسب سيتم حل الكثير من مشاكل سكان المخيم.

 

حلول إسعافية

بدورها عملت بعض المنظمات الإنسانية على تنفيذ مشاريع استباقية بهدف تلافي مشاكل غرق المخيمات حيث أطلقت منظمة “بنيان” مشروع التأهب للسيول والذي يأتي كاستجابة لكارثة الفيضانات في مخيمات أطمة.

ويهدف المشروع بالدرجة الأولى لتخفيف مخاطر الفيضانات والحد منها في منطقة أطمة، بالإضافة لتحسين فرص وصول الخدمات الأساسية للعديد من قاطني المخيمات، وتحسين سلامة الطرق في المواقع الأكثر تضرراً خلال شتاء العام الماضي، كما يهدف المشروع لإصلاح المجاري المائية وتحسينها في سبيل دفع مخاطر السيول في الشتاء.

بحسب أحد المهندسين المشرفين على المشروع، فإن هذا المشروع يتضمن عددًا من الإصلاحات التي ستظهر نتائجها بشكل إيجابي على حياة النازحين هناك مثل تعبيد 9 كيلومترات من الطرق الرئيسية في مخيمات أطمة عبر بناء طبقة اسفلت جديدة بالإضافة لتبحيص 5,1 كيلومترات من الطرق الفرعية داخل المخيمات عبر بناء طبقة من الحصى.

كما شمل المشروع إعادة تأهيل ثلاث عبارات مائية لضمان تصريف المياه وقت الفيضانات، بالإضافة لتدريب ست فرق شبابية من سكان المخيمات للمساعدة العاجلة في الاستجابة لمخاطر الفيضانات في حال حدوثها.

من جانبها نفذت هيئة ساعد الإنسانية عددا من المشاريع التي تهدف لتحسين البنية التحتية في المخيمات ما يساهم بتخفيف المعاناة التي يعيشها سكان المخيمات في فصل الشتاء.

يقول مدير مكتب هيئة ساعد في إدلب أحمد المحمد لـ “بوابة سوريا”: “بعد موجات النزوح التي انهالت على الشمال السوري وتوزع النازحين على مواقع إيواء مؤقتة لا تصلح للسكن، وبسبب تضرر المخيمات جراء الفيضانات ومياه الأمطار التي ضربت مواقع النزوح المؤقتة في شمال غرب سوريا، وتضرر خيم النازحين وانقطاع الوصول إلى المخيم، أعلنت هيئة ساعد الخيرية عن انطلاق مشاريع تحسين البنى التحتية لمخيمات النزوح المؤقتة شمال غرب سوريا”.

ويهدف المشروع إلى إنشاء وتحسين بنى تحتية بهدف منع غرق المخيمات، وحماية الخيم وقاطنيها من الفيضانات وآثارها وتحسين وصول النازحين في هذه المواقع عبر تدخلات هندسية مدروسة.

يتابع المحمد: “تتوزع تلك المشاريع على عدد من الأنشطة مثل قش وتسوية وتبحيص الطرقات العامة والفرعية في المخيمات لتحسين وصول النازحين إلى خيامهم، وإنشاء أقنية تصريف مياه الأمطار، والسيول الطرقية بأنواع وأحجام متعددة، بحيث تتناسب مع معدلات الهطولات المطرية وتمنع تجمع المياه داخل المخيمات وعلى جانب الطرقات الرئيسية والفرعية.

ومن ضمن خدمات المشروع، بناء عبّارات تصريف مياه (قسطلية وصندوقية الشكل) حسب الحاجة وكمية المياه عند تقاطع الطرقات، وتهدف إلى تصريف المياه إلى الأقنية الطرقية التي بدورها تصرفها إلى مجاريها الطبيعية.

وأكمل المحمّد: “قمنا بتنفيذ مشروع لرفع أرضيات الخيم باستخدام البحص المتجانس بطبقتين الأولى حجمها 16 سم خشن في الأسفل والثانية 6 سم ناعم بالأعلى والبلوك وتثبيتها بالاسمنت بحيث تؤمن الحماية للعائلة القاطنة من تبعات فصل الشتاء ودخول المياه والرطوبة إلى أرضية الخيم ضمن المخيمات التي تضمنها المشروع”.

ومع دخول فصل الشتاء واقتراب هطول الأمطار ما تزال الكثير من المخيمات بعيدة عن أعين المنظمات، وتحتاج لتدخل سريع وعاجل بهدف حماية سكانها من احتمالية غرق تلك المخيمات بعد أو هطول مطري.

2
اترك رد

avatar
2 Comment threads
0 Thread replies
0 Followers
 
Most reacted comment
Hottest comment thread
0 Comment authors
سؤال موجه للنازحين.. ماهي أكثر بلدة أحببتها بعد بلدتك؟ - موقع بوابة سورياالعواصف والسيول تضرب النازحين في مخيمات الشمال ولا حلول جذرية لمأساتهم  - موقع بوابة سوريا Recent comment authors
الأحدث الأقدم الأكثر تصويتاً
trackback

[…] الشمال السوري يوم أمس لعاصفة مطرية شديدة، شملت فيها الهطولات […]

trackback

[…] حماة (التابعة لمشروع بوابة سوريا) توجه سؤال للنازحين في الشمال السوري من محافظة إدلب وتسألهم عن أي بلد أحبوه أكثر من […]