ثمة ثلاثة أطراف إقليمية تتصارع مباشرة على سوريا، أو على مستقبل الخارطة السياسية والجغرافية والديمغرافية لسوريا، هي إيران وتركيا وإسرائيل (طبعا مع أدوار رئيسية للولايات المتحدة وروسيا)، مع ذلك ثمة أهمية خصوصية للتجاذب أو للتصارع بين إيران وإسرائيل، إذ لا يوجد أي احتكاك بين تركيا وإسرائيل، ولا بين تركيا وإيران، علما أنهما يتشاركان في تحالف استانة (مع روسيا)، منذ ثلاثة أعوام.

في هذا الإطار يلفت الانتباه أن إسرائيل اشترطت دوما، لاسيما في مباحثاتها مع روسيا، إبعاد أية قوات إيرانية، أو تابعة لإيران (من الميلشيات الطائفية المسلحة التابعة لها) عن حدودها مع إسرائيل، ناهيك أن إسرائيل ظلت منذ العام 2013 تستهدف القواعد والقوافل العسكرية التابعة لإيران على امتداد الأرض السورية.

هكذا لم تكن الغارات التي شنتها إسرائيل، أيام 12 و19 و20 من هذا الشهر (نوفمبر) ضد مواقع للنظام وللحرس الثوري الإيراني وحزب الله في سوريا (وضمنها استهداف منزل قيادي من حركة “الجهاد الإسلامي” في فلسطين)، الأولى من نوعها، بل إنها جزء من سياسة انتهجتها إسرائيل في السنوات الماضية، ضمن سياسة الردع أو “الذراع الطويلة”.

فلجهة استهداف القيادات، مثلا، فقد قامت الطائرات الإسرائيلية بشن غارة في منطقة القنيطرة، مطلع كانون الثاني/يناير2015، نجم عنها مصرع جهاد مغنية، مع ستة من القياديين في ميلشيا حزب الله، علما انه نجل عماد مغنية القائد العسكري السابق في ذلك الحزب، الذي كان اغتيل في دمشق في ظروف غامضة عام 2008. أيضا، كانت إسرائيل اغتالت سمير القنطار القيادي في ميلشيا حزب الله، وعددا من القياديين معه، في غارة ثانية كانت شنتها في منطقة جرمانا في دمشق (أواخر 2015).

أما لجهة الغارات، فمعلوم أن إسرائيل شنت أكثر من مئتي غارة بالطائرات وبالقصف الصاروخي، في السنوات القليلة الماضية، تعمدت استهداف قواعد ومخازن وقوافل تسلح، من إيران إلى سوريا ولبنان، عبر العراق، تتبع للميليشيات الطائفية المسلحة التي تتشغل كأذرع إقليمية لنظام “الولي الفقيه”، في سوريا ولبنان، مثل حزب الله، وفاطميون وزينبيون وعصائب الحق وفيلق بدر وألوية أبو الفضل العباس، الخ. كما شملت تلك الغارات، أيضا، قواعد للجيش السوري، ومركز البحوث العلمية، ومستودعات سلاح وذخيرة، ومطارات، مع التذكير باعتداءات إسرائيلية سابقة، ضمنها مثلا، تدمير إسرائيل ما اعتبرته بمثابة محاولة بناء مفاعل نووي سوري في دير الزور (2007).

وفي الواقع فإن إسرائيل كانت كثفت غاراتها العسكرية وضرباتها الجوية والصاروخية بدءا من العام الماضي (2018)، ولعل أقساها كانت تلك التي حصلت في نيسان / إبريل، قرب حماة، والتي أدت إلى تدمير قاعدة إيرانية كبيرة، تحتوي على مخازن أسلحة. كما يأتي ضمن ذلك قيام إسرائيل بإرسال ثماني طائرات حربية للإغارة على عدة أهداف عسكرية في سوريا، منها مطاران عسكريان (تي فور قرب تدمر، والمزة في دمشق)، وثلاث قواعد للدفاعات الجوية، ومواقع عسكرية مهمة في ريفي دمشق ودرعا، وذلك في شهر فبراير (2018). طبعا ثمة الغارات المستمرة على مركز البحوث العلمية في جمرايا (قرب دمشق)، منذ العام 2013، والتي انتهت إلى تدمير أجزاء كبيرة منه.

أما أعنف الهجمات التي شنتها إسرائيل في سوريا، في العام الحالي، فكانت في شهري تموز، يوليو، وآب/أغسطس المنصرم، إذ استهدفت الأولى العاصمة دمشق ومدينة حمص في: مطار المزة العسكري، منشآت عسكرية إيرانية وأخرى تابعة لـ “حزب الله” في الكسوة، جنوب دمشق، قاعدة الفيلق الأول، مركز البحوث في جمرايا، منشآت عسكرية في صحنايا، مجموعة من القواعد التابعة لميلشيا “حزب الله” في جبال القلمون، إلى جانب قواعد أخرى في حمص. أما في الثانية فقد استهدفت قواعد في دمشق، نجم عنها مصرع عشرات بينهم كوادر في ميلشيا حزب الله، وعسكريين إيرانيين، وهي تزامنت مع هجمات مماثلة شنتها إسرائيل ضد مقرات لحزب الله في الضاحية الجنوبية لبيروت.

في مراجعة تلك التجاذبات يمكن ملاحظة عدة مسائل أولاها، أن إيران عبرت مرارا عن استجابتها لإسرائيل، لتحاشي ضرباتها، في الابتعاد عن حدودها الشمالية، إلا أنها كانت تسعى دوما إلى التواجد عبر مسميات عديدة. وثانيتها، أن إيران تحاول أن تفرض وجودها، كبديل، في المناطق السورية الأخرى، لتعزيز مكانتها بين بقية الأطراف المنخرطة في الصراع السوري، ودفاعا عن نفوذها في المنطقة. وثالثتها، أن إيران لم ترد على الضربات الإسرائيلية، ولا حتى على تلك التي وجهت إليها في العراق، ولا التي وجهت لها في إيران ذاتها، عبر غارة الكوماندوس التي شنتها إسرائيل واستولت خلالها على جزء كبير من الأرشيف النووي الإيراني (مطلع العام الماضي)

ما يلفت الانتباه في هذه الأيام، وتلك هي الملاحظة الرابعة، أن إيران، أو القوات التابعة لها، تعمدت في الأيام الماضية توجيه ضربات صاروخية محدودة على الشمال الإسرائيلي (19/11)، وهو ما استدعى ردا سريعا من إسرائيل، يومي 19 و20. وفي الواقع فإن تلك الرشقات لم يكن لها من وظيفة سوى لفت الانتباه عن الحراكات الشعبية في لبنان والعراق وإيران ذاتها.

المعنى أنه لا توجد وظيفة للرشقات الصاروخية، بين فترة وأخرى، على إسرائيل من جنوب سوريا من قبل “الحرس الثوري الإيراني” أو تابعه “حزب الله” (كما من غزة عبر حركة الجهاد)، سوى استدعاء الصراع مع إسرائيل، وركوب قضية فلسطين، كـ”عدة شغل” للتغطية على ما تقوم به ايران، منذ نشوء الجمهورية الإسلامية ونظام “الولي الفقيه، لتوسيع هيمنتها في المنطقة، وتصديع البني الدولتية والمجتمعية في المشرق العربي وحماية أنظمة الاستبداد والفساد والأنظمة الطائفية فيه، سيما تلك التي تخدم ذلك النظام، وفق شعار: “هيمنة إيران أو نحرق المشرق العربي”، على غرار شعار” سورية الأسد أو نحرق البلد”. والفكرة هنا أن لا جرائم إيران تغطي على إسرائيل، ولا إسرائيل تغطي على جرائم إيران، وأن الطرفان يتصارعان من أجل مصالحهما، ومن أجل نفوذهما الإقليمي وليس من أجل أي شيء أخر، وأن إسرائيل سكتت عن تغلغل إيران في سوريا، فقط للاستثمار في دورها في تقويض البني الدولتية والمجتمعية في هذا البلد، كما حصل في العراق، وربما أنه أن تلك المهمة انتهت، وان أوان تحجيم إيران، أو إعادتها لحجمها الطبيعي عند إسرائيل وعند الولايات المتحدة الأمريكية، ما يفسر سكوتهما عن إيران سابقا، ومحاولات تحجيمها هذه الأيام. 

مصدر الصورة: الكريملن