تشهد الليرة السورية انخفاضاً قياسياً جديداً في مؤخّرًا، لعدّة أسباب، أبرزها الأحداث التي تشهدها لبنان، والتي تمنع سحب التجّار السوريين أموالهم من المصارف اللبنانية.

وانعكس هذا الواقع سلباً على الكثير من الشرائح والفئات التي تتقاضى أجورها بالليرة السورية، بينما كان التأثير أقل نسبيًا على من يتقاضى أجره بالدولار الأمريكي، فعلى الرغم من أن قيمة الدولار ثابتة إلا أن حالة عدم الاستقرار أوجدت الفارق، حيث دفعت بعض التجار للتلاعب بالأسعار، بدافع الجشع وتحصيل المزيد من الأرباح في ظل غياب رقابة اقتصادية تحدد أسعار المواد والبضائع.

ويُعتبر أصحاب الدخل المحدود، وعمال اليومية من الطبقة المتوسطة والفقيرة هم الشريحة الأكثر تضرّرًا من انخفاض قيمة الليرة، كونهم يمثّلون الدينمو المحرك لعجلة الأسواق، مع العلم أن متوسط المصروف اليومي للعائلة المكونة من خمسة أفراد في منطقة إدلب، يتراوح بين ثلاثة آلاف وخمسة آلاف ليرة سورية تقريباً، هذا إن لم يكن هناك إجرة منزل كما هي الحال بالنسبة للنازح الذي يدفع إجرة منزله بالدولار، أو حتى بالليرة السورية.

 

أسباب انخفاض قيمة صرف الليرة

شهدت الليرة السورية سلسلة انخفاضات سابقة في سعر الصرف، ولكنها مؤخراً وصلت لمستويات قياسية بلغت نحو 800 ليرة سورية للدولار الواحد في الشمال السوري وفي مناطق النظام أيضًا، وهو ما يُعتبر هبوطًا تاريخيًا في قيمة الليرة. 

يقول سليم العبد الله الذي يملك محلاً للصرافة لـ “بوابة سوريا”: “هناك عدّة أسباب لانخفاض قيمة الليرة السورية، ومنها أن البنك المركزي السوري استنفد مخزونه من العملة الصعبة، ويضاف إلى ذلك الأحداث والتوترات في لبنان، لأن الدولار الموجود في السوق السورية مصدره لبنان بسبب العقوبات الاقتصادية على النظام السوري”.

ويضيف العبد الله، أن البنك المركزي السوري لا يقبل تسليم التجار الراغبين بالاستيراد أكثر من ألف دولار، وهذا الأمر لا يخدم التاجر الذي اشترى بضاعة من الصين مثلاً بآلاف الدولارات، مما يضطره لشراء ما يحتاجه من السوق السوداء، وهو ما شكّل طلباً على الدولار في السوق السوداء”.

وأكمل العبد الله: “تشير بعض التوقعات إلى أن النظام سيحاول خلال الأيام القادمة ضخ الدولار في السوق بكميات كبيرة، وإصدار قرارات ملزمة للتجار تلزمهم من خلالها بشرائه بسعر 603 ليرات سورية للدولار الواحد بميزانية عشرة آلاف دولار تسمح لهم استيراد بضائعهم” موضحًا أنّه إذا حدث ذلك فسوف ترتفع قيمة الليرة السورية نوعاً ما وإن لم يحصل فسوف تتهاوى الليرة أكثر من ذلك.

 

تضرّر الطبقتين المتوسّطة والفقيرة

عدم استقرار سعر الصرف، وارتفاع أسعار البضائع بشكل عشوائي تسبب بمعاناة أرهقت الطبقة المتوسطة والفقيرة وأصحاب الدخل المحدود الذين يتقاضون أجورهم بالليرة السورية، والعمال باليومية. محمد علي السعيد، عامل نازح من ريف إدلب الجنوبي، قال لـ “بوابة سوريا”: “أخرج للبحث عن عمل في الساعة السابعة صباحاً، وإن وُفقت بعمل ما فإنني سأبقى إلى نهاية اليوم لأحصل على أجر يتراوح بين ألفي وثلاثة آلاف ليرة سورية، بينما تكون العائلة في نفس اليوم بحاجة إلى أكثر من هذا المبلغ بكثير”.

وتابع: “هذه المصاريف عدا عن أجرة المنزل التي تبلغ 15 ألف ليرة سورية، فشراء إسطوانة الغاز التي تبلغ 7200 ليرة سورية بحاجة إلى عمل ثلاثة أيام متواصلة دون أن تشتري شيئاً آخر، مع العلم أننا بحاجة ثلاثة أكياس من الخبز يومياً، عدا عن الحاجات اليومية المعروفة”.

وعن محاولات التكيّف مع هذا الواقع قال السعيد: “أقوم بالاستغناء عن الكثير من الأمور القابلة للاستغناء عنها، إضافة إلى أنني أحياناً أقوم ببيع بعض مواد المعونة التي لا أحتاجها، واللجوء إلى المستشفيات العامة في حالات المرض، لأنني لا أملك أجرة الطبيب الخاص والأدوية”.

أما سماح التي تعمل في متجر للألبسة الأوربية المستعملة “البالة” قالت لـ “بوابة سوريا”: “أعمل بأجر يومي ثابت قدره ألف ليرة سورية، ولديَّ ثلاثة أطفال، أنا المسؤولة عنهم بعد وفاة والدهم”.

وتضيف سماح: “راتبي في بداية الأمر كان مقبولًا نوعاً ما، فأنا أسكن في منزلي الخاص ولست مضطرة لدفع أجرة منزل، ولكن هذا الراتب أصبح اليوم قليل جداً ولا يكفي لتأمين الخبز والماء وأمبيرات مولدة الكهرباء” موضحةً أنّها تخلّت عن الكثير من الحاجات، حتى الضرورية، لأنها غير قادرة على تأمينها في ظل الغلاء الفاحش الذي طال جميع البضائع”.

 

حجج بعض التجار

انخفاض قيمة الليرة يقابله ارتفاع في سعر صرف العملات الأخرى، مما يجعل التجار يربطون بضائعهم بالدولار حتى ولو لم تكن تكاليفها مرتبطة به أساس، معلّلين ذلك بارتفاع أسعار المحروقات المستوردة التي رفعت أجور النقل. 

ويقول سمير لـ “بوابة إدلب” وهو تاجر أدوات منزلية: “جميع البضاعة في المحل، والقطع والأدوات هنا مرتبطة بالدولار بشكل أو بآخر، حتى وإن كانت صناعة محلية”. موضحًا أن هذه البضائع يتم شراء موادها الأولية بالدولار الأمريكي، كما أن المصنع الذي يعمل على الديزل يشتري المحروقات المرتبطة بالدولار، وصولاً إلى نقلها، حيث يشتري السائق “المازوت” المستورد الذي يتم حساب ثمنه على أساس سعر صرف الدولار، لذلك لا بد من حساب أي قطعة بالدولار عند المبيع شئنا أم أبينا” حسب تعبيره.

ومع حالة عدم الاستقرار في السوق، وتوقعات بعض العاملين في مجال الصرافة انخفاض أكبر قد تشهده الليرة السورية، تدفع الطبقة المتوسطة والفقيرة الثمن، وتتضاعف معاناتهم مع احتكار وجشع بعض التجار والمستغلين.

guest
2 تعليقات
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
trackback

[…] بوابة سوريا) تستطلع رأي الشارع عن سبب انخفاض سعر صرف الليرة السورية أمام الدولار […]

trackback

[…] منبج بالتغيرات السياسية، وما يتبعه من تأرجح في سعر صرف الليرة السورية مقابل العملات الأخرى بشكل […]