فيلم بهمن قبادي “موسم الكركدن” أو القصيدة الأخيرة يعتبر تحفة سينمائية وإضاءة فنية مشرقة على عوالم معتمة من شرقنا الذي مضى في عتمة واستبداد وظلام،يرصد مرحلة تاريخية هامة جدا في حياة إيران السياسية والاجتماعية والثقافية من حقبة ما قبل ثورة الشعوب الإيرانية وتسلق الخميني عليها، وركوب موجتها ربما مدعوما من الغرب الذي يخشى أي بارقة أمل بحياة ديمقراطية لشعوب المنطقة، وعدة هذه الشعوب للحاق بركب الحضارة الإنسانية،  فالخميني المنفي في العراق ولاحقا في فرنسا يعود على متن طائرة فرنسية لطهران المشتعلة. ثورة طالبت بالحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة وقامت ضد الفساد المستشري في زمن الشاه ، يعود الخميني ليقمع كل من قام بالثورة من الكورد والعرب والفرس و الآذريين والأرمن و التركمان، فقتل منهم جميعا تحت شعار “الثورة الإسلامية”، فيقوم “بهمن قبادي” برصد الأجواء ما قبل الثورة بوجهيها الفاسد السلبي والوجه الايجابي، فنجده يلقي الضوء على الرفاهية التي تعيش فيها أسرة ضابط موالي للشاه وابنته الشيعية المتزوجة من شاعر كردي سني دون أي مشكلة،  و ونجد الأجواء الثقافية من خلال حفل توقيع ديوان الشاعر الصهر ، كما يرينا حياة السائق لدى الأسرة والعنف الممارس ضده من خلال ضربه فقط، لأنه صرح لابنته بحبه لها، وهنا لم يبرء “قبادي” النظام السائد ما قبل الثورة لكنه يضيء جوانب من حياة من تبنى الثورة المشوهة والمحرفة عن مسارها، من خلال السائق الأقرب للمريض نفسيا. 

ذاك السائق الذي يبدو في صورة رجل شبق شاذ جنسيا فنجده يتلذذ بوضع احمر شفاه زوجة الشاعر وابنة الضابط على فمه وشفتيه، كما أنه “قبادي” يروي لنا القصة مستخدما تقنية ( الفلاش باك) أو الخطف خلفا في سرده الروائي للقصة، ويستخدم قصيدة شعرية ويوظفها في التصاعد الدرامي للأحداث، متخذا القصيدة كراوٍ ، كما أنه انحاز كثيرا للكاميرا واللقطات الثابتة للمصور(توراج اصلاني) مقاربا الفيلم الوثائقي،  وهو الذي بنى قصة فيلمه على حادثة حقيقة لشاعر كردي من إيران مكث في سجون الخميني (27)، عاما بتهمة النيل من الثورة الإسلامية ، وهذا لم يمنعه من استخدام الكاميرا المتحركة وأخذ مشاهد ولقطات قريبة ومتوسطة وعامة، فضلا عن مونتاج عالي الحرفية واستخدام لقطات سريالية، ودمج مشاهد ولم يغب عنه توظيف وإدخال الحيوانات كعادته في أغلب أفلامه، فنجد الحصان والكركدن والسلاحف، ولكل منها دلالاتها التي يصعب تفسيرها، كما أدخل موسيقى تصويرية تناسب المشهد البصري والحالات النفسية للممثلين من تأليف الموسيقي المبدع (كيهان كلهو). و”قبادي” أنجز فيلمه في تركيا مستفيدا من الأجواء الساحرة لمدينة استانبول:

قصة الفيلم: مبنية على حادثة واقعية تدور أحداثها حول قصة حب ومأساة اعتقال تعرض لها شاعر كردي يدعى (صادق كامانغار )، و في الفيلم  “ساهر” يلعب دوره الممثل التركي يلماز أردوغان في مرحلة الشباب، بينما يؤدي في مرحلة ما بعد السجن الممثل الإيراني الذي كان معتزلا التمثيل ” بهروز وثوقي”  مع زوجته الوفية إبان الثورة الإسلامية في إيران بتهم سياسية باطلة،وتبدأ القصة من بدايات الثورة عام 1979حيث تعيش إيران تحت ظل حكم الشاه فيدخلنا “قبادي” إلى عالم الزوجين من خلال رصد حفل توقيع كتاب شعري للشاعر الزوج و حميمية العلاقة الثنائية بينهما، فيخرجان إلى الغابة معا برفقة السائق (أكبر رضائي) يؤدي دوره الممثل “يلماز أدوغان”، و الذي تثار مشاعره برؤية مدى العشق المتبادل بين الزوجين وفي طريق العودة يصرح لزوجة الشاعر بحبه لها، وهذا ما يكلفه غضب الوالد الضابط والذي يقوم يضرب السائق بنفسه وبوساطة رجاله،وفي هذه العجالة يأخذنا مخرج الفيلم إلى الشارع وأصوات الاحتجاجات المعلنة بداية الثورة وانضمام السائق لها، فيقوم باستغلال الظرف الذي ينال من كل أتباع الشاه من خلال الوشاية بهما وإدخالهما إلى السجن ، وهناك يسعى السائق إلى استمالة الزوجة له، من خلال عرض مساعدته في إخراجها من السجن،  وبعد أن يفشل في إقناعها، يقوم باغتصابها في السجن، لنجد بعد مضي عشر سنوات و خروجها من السجن برفقة بنتين حصيلة الاغتصاب، وكعادة كل الحكومات وأجهزتها الأمنية القمعية يبقى الزوج في السجن ثلاثين عاما، إلا أن إدارة السجن تبلغها بوفاة زوجها في السجن وتخبرها عن مكان القبر فتقرر الزوجة “مينا” السفر خارج البلاد مع ابنتيها، فتصل إلى تركيا في طريق الذهاب إلى أوربا، إلا ان تكاليف السفر سرا إلى أوروبا غالية، وهنا يلحق بها السائق ويحتجز جوازات سفرهم وفي حرق لمرحلة الثلاثين عاما وعندما يخرج الزوج من السجن وبمساعدة من أصدقاء يبحث عن زوجته، ويجدها في منزل على أطراف المدينة لكنه يفضل مراقبتها عن بعد ليكتشف ونكتشف معه أن زوجته تعمل في رسم الوشم على أجساد الرجال لتأمين مصاريف السفر، كما أن البنتين تعملان في الدعارة، وهنا يعمل “قبادي”على ثنائية الوفاء والخيانة وعلى المشاعر الايجابية والانتصار والخسارة، فزوجته ترسم كلمات قصائده على الأجساد بعد أن وشى بهما سائق الزوجة “مينا”، السائق الذي بقي للحظة الأخيرة يساوم ويستغل الزوجة التي لم تتخلى عن ذكرياتها،  ويختتم “قبادي” الفيلم بطريقة تراجيدية مستخدما الكثير من التقنية في المونتاج والتصوير من خلال إغراق نفسه و السائق بوساطة سيارته في البحر، بينما زوجته وابنتيه يتجهان على سفينة إلى أوروبا في دلالة على مستقبل و حياة جديدة..

يقول بهمن قوبادي : أن عمله الأخير ليس مقتصراً على السياسة حيث يقول “يختلف هذا الفيلم عن أعمالي السابقة بشكل كبير،  إنه فلم شاعري عن حياة فنان الذي انقطع عن الحياة لمدة 30 عاماً، بسبب شخص اتهمه وزوجته بتهمة سياسية باطلة، ليودعهما في السجن لثأر شخصي ” ، وقد قام غوبادى بإهداء الفيلم إلى “سانى جالا” طالب المسرح في جامعة طهران، الذى فقد حياته خلال مظاهرات 2011، و”فرزاد كلمانغار” الذى أعدمته السلطات الإيرانية فى 2010 بتهمة الإخلال بالأمن القومى، وإلى كل المعتقلين السياسيين فى السجون الإيرانية.

 

طاقم العمل :

تأليف وسيناريو وحوار : بهمن قبادي

تمثيل :

بهروز وثوقي

مونيكا بيلوتشي

يلماز أردوغان

كانر شندروك

بيرين سات

بلسم بيلغين

أراش

علي بورطاش

التصوير : توراج أصلاني

الموسيقى : كيهان كلهو

Valerie Loiseleuxالتركيب  :

المنتج   : بهمن قبادي

ولد بهمن قوبادي في 1 من شهر شباط عام 1969 في بانيه، وهي مدينة قريبة من الحدود العراقية الإيرانية في إقليم كردستان إيران هو الابن الأول لسبعة أشقاء ،  عاش في مدينة بانيه حتى السن 12 ومن ثم هاجروا إلى محافظة كردستان ومنها، انتقل قوبادي إلى طهران بعد أن تخرج من الثانوية عام 1992 فبدأ مشواره الفني في التصوير، كان يؤمن بأن الطريقة الوحيدة لتعلم حرفة السينما هي عن طريق إخراج الأفلام القصيرة بدون كلل بدل من أتباع مناهج رسمية،  حيث أن نقطة بدايته كانت بإخراج سلسلة من الأفلام الوثائقية القصيرة .

من خلال نهجه الفطري في صناعة الأفلام،  طور قوبادي أسلوب خاص به وفريد من نوعه، وفي فترة قصيرة حصل قوبادي على شعبية في إيران وكانت القفزة الأقوى في فلمه ” الحياة في الضباب ” ( 1999  ) احد أشهر الأفلام القصيرة في إيران، بعد هذا النجاح المبهر بدأ قوبادي بالعمل على فلم ” زمن الخيول السكرانة”، عالمية وهو أول فيلم كردي طويل في تاريخ إيران, وبعد حصوله على عدة جوائز

 حائز على ( جائزة الكاميرا الذهبية مهرجان كان السينمائي عام 2000م)، بدأ قوبادي بجذب الانتباه الدولي وصنع لنفسه لقب رائد السينما الكردية.

بدا قوبادي بإخراج أفلام تلو الأخرى كـ ” نصف القمر” ( 2004 )،  ” السلاحف تستطيع الطيران ” ( 2006 ) والتي حصلت على العشرات من الجوائز العالمية .

ولكن أحد المنعطفات الصعبة في تاريخه كان عندما اخرج فلم ” لا احد يعرف عن القطط الفارسية ” والذي جرى العمل فيه في ظروف صعبة جداً وبدون إذن من الحكومة الإيرانية مما أدى إلى تركه إيران والعمل في الخارج .تكريم بهمن قبادي في ميونخ بعرض 6 من أفلامه: 

مهرجان ميونخ السينمائي الدولي الذي يقام فعالياته بين الثالث والعشرين من يونيو/حزيران الجاري ويستمر حتى الثاني من يوليو/تموز القادم يكرم المخرج الكردي الكبير بهمن قبادي بعرض ستة أفلام.

و الأفلام هي :

1 – مهجور في العراق

2 – السلاحف تستطيع الطيران

3 – موسم الكركدن

4 – داف

5 – راية بلا بلد

6 – الحياة على الحدود

 من أجواء الفيلم والقصيدة المرافقة: 

لقد أطلقوا سراحك.. فتحوا الأرض وغطوا آثارك.. أعلنوا موتك.. سواء كنت حيا أو ميتا.. لا أحد يعلم بك.. خيط شفتيك.. أحمل جدرانك على كتفيك وارحل”.

لأرض سطح ملح قاس..وحيد قرن مال برأسه ولَعقه بفم فارغ

عندما يموت الشعر فيك، تتعفّن جثتك”، فانتبه أيها الشاعر، حافظ على قصائدك بعيدا عن متناول الموت، فموت الشعر هو موتك أنت

 مصدر الصورة: flickr