تشهد مناطق الجزيرة السورية ارتفاعًا كبيرًا في أسعار المواد الغذائية وغيرها من السلع، بالتزامن مع الانهيار المستمر لليرة السورية أمام العملات الأجنبية، وهو ما يتخذه التجار ذريعة في ارتفاع الأسعار ، وإنهاك المواطن المنهك أصلاً.

وفي مقابل انخفاض دخل المواطنين وضعف القوّة الشرائية، أدّى انهيار الليرة السورية إلى ارتفاع الأسعار أكثر، وهو ما جعل الشريحة الأكثر من المدنيين غير قادرين على شراء احتياجاتهم اليومية الأساسية.

 

شكاوٍ لا تلقَ آذانًا صاغية

يشتكي المواطن شيرمان علي من أهالي بلدة عامودا في ريف الحسكة، من الغلاء الفاحش للأسعار بعد الانهيار الذي شهدته الليرة السورية أمام العملات الأجنبية في الآونة الأخيرة، ويقول لـ”بوابة سوريا”: “الأسعار ارتفعت بشكل غير معقول، كنت أشتري كيس الحفاضات لطفلي بـ 1100 ليرة سورية، لكن الآن أشتريه بـ 2000 ليرة، أي أن السعر قريب من الضعف” موضحًا أن حجّة التجّار هي الدولار، وأن معظم الناس يتقاضون الرواتب أو أجور أعمالهم بالليرة السورية، وليس بالدولار، لذلك بات أصحاب الدخل المحدود هم المتضررون دائمًا حسب تعبيره 

أما المواطن حسن محمود من أهالي بلدة عامودا فيؤكد لـ “بوابة سوريا” أن “الأسعار ارتفعت بمعدل 500 ليرة سورية عن كل نوع من المواد والسلع”، ويضيف: “أنا عامل بناء، وأتقاضى نحو 3500 ليرة عن كل يوم عمل، وأحيانًا لا أعمل بسبب تراجع حركة البناء مؤخرًا، وهو مبلغ لا يلبي أدنى احتياجات عائلتي، وخاصة بعد هذا الارتفاع الكبير بالأسعار وزيادة المواد بمعدل 500 ليرة سورية” معتبرًا أن الغلاء بأسعار المواد ليس سببه الدولار، بل جشع التجار الذين يستغلون الناس ويتحكمون بالأسعار، حسب وصفه

 

بين تجّار الجملة والمفرّق

كاميران موسى، بائع مواد غذائية في بلدة عامودا، يعتبر أنه وغيره من أصحاب المتاجر الصغيرة، يتعرضون لاستغلال التجار الكبار مثلهم مثل كافة المواطنين، ويقول لـ”بوابة سوريا”: “نحن نخسر بشكل يومي، لأننا نشتري المواد بالدولار ونبيعها بالليرة السورية التي تفقد قيمتها يومًا بعد يوم، ونتعرّض أيضًا إلى استغلال التجار لهذه الظروف واحتكارهم المواد ثم عرضها بسعر مرتفع” داعيًا التموين إلى وضع حدٍّ لهذا الجشع. 

ويشير حميد عبدو، وهو تاجر مواد غذائية من عامودا، إلى أن مقاطعة البضائع التركية وزيادة الضرائب المفروضة بمقدار 150 دولارًا على الطن الواحد من البضائع، بالإضافة إلى هبوط الليرة السورية أمام “الدولار”، كلها أسباب في زيادة أسعار المواد الغذائية وغيرها، ويضيف قائلاً لـ”بوابة سوريا”: “زادت أسعار أغلب المواد بنسبة ثلاثين في المئة تقريباً”.

ويرى تاجر آخر، فضَل عدم الكشف عن اسمه، أن تجارة المواد الغذائية وغيرها هي حكر على أشخاص محدّدين في المناطق الخاضعة لسيطرة “الإدارة الذاتية”، ويصفهم بـ”الحيتان التي تبتلع كل شيء في السوق”.

ويتابع حديثه لـ”بوابة سوريا”: “هذه الحيتان (التجار) تتقاسم التجارة فيما بينها، وتحتكر استيراد أنواع معينة من المواد، حتى أنها تسيطر على المعابر بشكل غير مباشر، وبالتالي تعرض هذه المواد في الأسواق بالسعر الذي يريده التاجر نفسه، ناهيك عن انهيار الليرة السورية أمام الدولار، والذي بدوره يزيد سعر البضائع بشكل آلي، بسبب ضعف الإنتاج المحلي واستيراد أغلب المواد من الخارج”.

 

الضرائب ورسوم الجمارك

يرى الدكتور عمران علي وهو محلل اقتصادي، أن استغلال التجار هو السبب الرئيسي في ارتفاع الأسعار”، مشيرًا إلى وجود أسبابٍ أخرى تؤثر على زيادة الأسعار وتزيد من معاناة المواطنين، ومنها الضرائب وأجور النقل والجمارك على البضائع التي تدخل من المعابر والتي كلها تدفع بالدولار.

وقال علي لـ “بوابة سوريا”: “المستودعات في شمال وشرق سوريا مليئة بالبضائع، لكن يتم حجزها بانتظار تدني قيمة الليرة السورية أكثر أمام الدولار، ثم يتم عرضها في الأسواق بسعر أعلى، أي أنه توجد فجوة بين السعر القديم والجديد، إذ أن انخفاض الليرة السورية لا يؤدي إلى هذا الارتفاع الكبير في الأسعار، لذا هو جشع تجار الحروب بكل تأكيد.”

وتواصل الليرة السورية انهيارها أمام الدولار الأمريكي حيث سجلت أدنى سعر في تاريخها لتتجاوز 900 ليرة مقابل الدولار الواحد قبل أيّام، ثم عادوت التحسّن لتستقر عند حاجز 850 ليرة، وذلك رغم عقد حاكم مصرف سوريا المركزي في 29 أيلول الماضي اجتماعًا مع رجال أعمال مقربين من النظام لمناقشة مبادرة لدعم الليرة السورية التي تشهد انهيارًا مستمرًا.

وحول أسباب انهيار الليرة السورية أمام العملات الأجنبية في الآونة الأخيرة، يرى المحلّل الاقتصادي عمران علي أن هناك العديد من الأسباب ساهمت هي هبوط الليرة السورية، وأهمها استحواذ الولايات المتحدة الأمريكية على حقول النفط في مناطق شمال شرق سوريا.

ويوضح علي أن “الولايات المتحدة بسيطرتها على النفط تضع الاقتصاد السوري في فكي كماشة، الأولى عدم وصول النفط من شمال وشرق سوريا إلى مصفاة حمص، والثانية استيراد كميات هائلة من المواد لتغطي بها السوق السورية من المستوردات”.

 

“الإدارة الذاتية” لا تستطيع ضبط الأسعار

ويعتبر الرئيس المشترك لـ “هيئة الاقتصاد” التابعة لـ”الإدارة الذاتية”، سلمان بارودو، أن “توقف البنك المركزي السوري عن تمويل المستوردات بشكل كامل، ووضع قيودًا على التجار، وسحب رجال الأعمال أموالهم وودائعهم من البنوك، كل ذلك ساهم في تدني قيمة الليرة وبالتالي ارتفاع الأسعار”.

كما يؤكد “بارودو” أن “الإدارة الذاتية” ليس لديها القدرة الكافية على ضبط أسعار السوق، “بسبب الحصار المفروض على مناطق شمال شرق سوريا، نتيجة عدم وجود معبر رسمي، إضافة إلى العملية العسكرية التركية التي زادت الأمر سوءًا”.

 

زيادة الرواتب و”الضحك على اللحى”

ويبدو أن انهيار الليرة السورية، دفع بنظام الأسد والإدارة الذاتية إلى إصدار قرار بزيادة رواتب موظفيهم، في خطوة يصفها مراقبون إنها “ضحك على اللحى”.

وتقول ناشطة إعلامية، فضَلت عدم الكشف عن اسمها: “إن محاولة النظام السوري والإدارة الذاتية إغراء المواطن بزيادة الرواتب، ليس فيها زيادة حقيقية لأنّها تتماشى مع الانخفاض أمام الليرة السورية، لأن أسعار السلع ارتفعت حتّى الضعف تقريبًا”. 

وأصدر رئيس النظام السوري بشار الأسد المرسوم التشريعي رقم 23 لعام 2019 القاضي بإضافة مبلغ 20 ألف ليرة سورية إلى الرواتب والأجور الشهرية المقطوعة لكل من العاملين المدنيين والعسكريين، وزيادة 16 ألف ليرة سورية لأصحاب المعاشات التقاعدية من عسكريين ومدنيين أيضًا.

كما أصدرت “الإدارة الذاتية”، قرارًا بزيادة رواتب موظفيها، قالت فيه: “إن الزيادة تبلغ 35 بالمئة بالنسبة للرواتب التي لا تتجاوز 80 ألف ليرة سورية، و25 بالمئة للرواتب التي تتراوح بين 81 و100 ألف ليرة، و15 بالمئة بالنسبة للرواتب التي تتجاوز المئة ألف”. 

ويعمل الآلاف من المواطنين في دوائر ومؤسسات تابعة لـ “الإدارة الذاتية”، ويرى بعض هؤلاء أن الراتب في هذه المؤسسات أفضل بالمقارنة مع الرواتب التي يصرفها النظام السوري لموظفيه.