الانتفاضة الإيرانية الأخيرة التي هزت أركان النظام الإيراني،  إذ خرجت مظاهرات في أكثر من 100 مدينة وقتل أكثر من 200 شخص واعتقل حوالي 10  آلاف شخص ، حاربها النظام بشدة من بدايتها ، وكعادة النظام الإيراني لإبعاد نفسه من المسؤولية تجاه ما آلت إليه الأوضاع الاقتصادية والسياسية في إيران واحتجاج الشعب ضد هذه الأوضاع ، اتهم أطرافا خارجية بالتدخل وهي نفس الذريعة التي ألصقها بأسباب الاحتجاجات العراقية واللبنانية ، ولم يكتف بهذا وحسب بل اعتبر أن من قام بهذه الاحتجاجات هم من الأشرار ، وأنهم ليسوا من الشعب الإيراني ! ، وأن الحوادث أمنية وغير شعبية . 

هذه الاتهامات الغريبة والتي لا يصدقها المجنون فكيف بالعاقل ، إذا كان النظام الإيراني صادقا فيما يقول فليكشف هوية المحتجين بخاصة أنه اعتقل حوالي 10000 شخص ،  فليكشف هويتهم هل هم إيرانيون أقحاح أم هم مخلوقات فضائية جاءت من كواكب أخرى، لتعيث فسادا في جمهورية ولاية الفقيه النقية، الصافية الخالية من الأخطاء والعيوب والممارسات المسيئة للشعب الإيراني !

نظرية المؤامرة جاهزة دوما عندما يتعرض النظام للمعارضة الشعبية ، وهو يقوم بقمعها بشدة كبيرة تكاد لا توجد دولة في عالمنا المعاصر تمارس مثل ما يمارسه النظام الإيراني ، إذا كان النظام الإيراني فهلويا وذكيا إلى هذه الدرجة، فلماذا منع الإنترنيت عن الشعب الإيراني، وهو يعرف عين اليقين أن الشباب الإيراني في مختلف المناطق الإيرانية يستخدمون وسائل التواصل الاجتماعي في تنسيق حراكهم واحتجاجاتهم ؟ 

وتطبيقا لمقولته المؤامراتية راح يطلق صواريخ باتجاه إسرائيل،  وترد عليها إسرائيل بقصف أعنف وأشد، في نفس فترة الإحتجاجات ليبرهن أن هناك جهات خارجية تتدخل في إيران والدليل ضرب إسرائيل لمواقع إيرانية في سورية.

إن الحراك الإيراني الراهن وإن ضعف أو توقف الآن؛ لكنه كشف حقيقة جوهرية وهي أن الشعب لم يعد يقبل السياسة الإيرانية في الداخل والخارج، وأن احتجاجهم ليس بسبب رفع أسعار الوقود وحسب، وإنما هم يرفضون  دكتاتورية ولاية الفقيه بدليل أن أصواتهم تعالت في أكثر من منطقة إيرانية، وهي تقول لا للدكتاتور ولا للخامنئي ، كما أنهم أحرقوا صوره في غير مدينة إيرانية.

الاحتجاجات  كانت شاملة وعابرة للشعوب والإثنيات والأديان والطوائف الإيرانية،  وهي وإن لم تسقط النظام الإيراني إلا أنها تبين أن هذا النظام دخل مرحلة الضعف والتآكل الداخلي، الذي سيستمر وسيؤدي به إلى السقوط في نهاية المطاف ، ويبدو أن العقوبات الامريكية وسياسات إيران  الخاطئة وتدخلاته في كل من سورية ولبنان والعراق واليمن، والتي اشتعلت على إثرها احتجاجات لبنان والعراق، والتي ترفض الهيمنة الإيرانية على شؤونها وبخاصة في العراق، أقول أن كل هذا بات يؤدي إلى صراع داخلي إيراني بين الشعب والسلطة الإيرانية .

هذا السلوك الإيراني المستند إلى نظرية المؤامرة لا يختلف عن حليفه العتيد “نظام الأسد”،  الذي كان يتهم الثورة السورية منذ بداياتها بأنها من نتاج مؤامرة كونية تستهدف النظام، وليست ثورة شعبية تطالب بالعيش الكريم والحرية والعزة، وبناء دولة المؤسسات والتعددية ودولة القانون والمواطنة بعيدا عن الفساد والاستبداد ، كان النظام وإعلامه ومأجوريه من الإعلاميين يظهرون على شاشات الفضائيات العربية ليتحدثوا بصورة مختلفة كليا عن الواقع ، كان النظام يقول عن المتظاهرين في بداية الثورة السورية أنهم عصابات مسلحة وأنهم  يخرجون للتظاهر بمبلغ زهيد من الدولارات لتخريب الدولة السورية، وكان يقول أن هناك مجسما مفبركا لدى تلفزيون الجزيرة في قطر، وأن التظاهرات غير موجودة في الواقع ، ووصل الإعلام السوري إلى درجة من السخف والغرابة، عندما قال أن أهالي دمشق خرجوا إلى الشوارع ابتهاجا بنزول المطر ، وكان يقول هكذا كلام لكي لا يعترف بأن المظاهرات تخرج ضد النظام لا بل تريد اسقاطه ، لقد قال عن عنفه وقمعه التظاهرات بالسلاح الحي، أن هناك مندسين هم الذين يطلقون النار على المتظاهرين  ، وجدير بالذكر أن النظام كان يُخرج مظاهرات مضادة للمظاهرات الشعبية الكبيرة التي كانت تخرج ضد النظام، وعندما كان يُسأل عن سبب عدم وجود مشاكل وعنف في هذه المظاهرات كان الجواب أن هذه المظاهرات كبيرة ولا يستطيع المندسون الاقتراب منها، بينما الفوضى هي سمة المظاهرات الشعبية ، علما أن مظاهرة واحدة خرجت بحماه كانت حوالي 700 الف شخص وأخرى بدير الزور حوالي 400 ألف شخص.

الأنظمة الاستبدادية تتعامل إعلاميا وعسكريا بنفس الطريقة الوحشية هنا وهناك ،  النظام السوري لا يختلف عن الإيراني في النفاق والكذب ، وهو النظام الذي بذل جهودا كبيرة وأجرى شتى المحاولات لإبعاد شبهة أن هذه المظاهرات تخرج ضده ، ذلك أن النظام لا يريد أن يظهر بموقف الضعيف، أو أن الشعب يحتج على سياسته؛ لذلك  يتم اتهام المتظاهرين والمحتجين بأنهم عملاء السفارات ، وأن هذه المظاهرات تخرج ضد محور المقاومة والممانعة ، ومن تحت الطاولة يقوم النظامان في دمشق وطهران بعقد الصفقات المشبوهة مع إسرائيل، التي يتهمون المتظاهرين أنهم يعرقلونهم عن مواجهتها  في خداع مذهل للشعوب التي يحكمونها بالنار والحديد.

لقد انتهت هذه الحجة وباتت الشعوب واعية لأوضاعها ،  وتدرك جيدا أن ما يبثه إعلام طهران ودمشق وحزب الله من أنهم محور مقاومة وممانعة، ما هي إلا أسطوانة مشروخة عفى عليها الزمن، وأن حركة الشعوب من أجل العيش الكريم لن تتوقف طال الزمن او قصر . 

مصدر الصورة: wikimedia

اترك رد

avatar