فرضت سنوات الحرب التي عاشتها إدلب على الكثير من طلابها الالتحاق بمعاهد خاصة، لإتمام دراستهم بعيدًا عن مدارسهم التي باتت تفتقر للكثير من مقومات العملية التربوية نتيجة غياب الدعم.

وفي الفترة الماضية، قطعت عدّة منظّمات دولية الدعم عن قطاع التعليم في الشمال السوري، الأمر الذي أدّى إلى إغلاق عددٍ كبير من المدارس فضلًا عن توقّف عدد من المدرّسين عن العمل.

وعلى الرغم من العودة الجزئية للدعم في مجال التعليم، إلّا أن هذه المشكلة لم تؤدِّ إلى حل مشكلة هذا القطاع في الشمال السوري.

 

رسوم مرتفعة

توقف أسامة عن الذهاب لمدرسته والتحق بمعهد خاص، نتيجة إحساسه بالتقصير الذي سيطر على المفاصل التدريسية في مدرسته.

ويعتزم أسامة التقدم للشهادة الثانوية هذا العام، ولا يريد أن يضيع وقته في الذهاب للمدرسة التي باتت تعاني بشكل حقيقي من غياب الدعم، ما انعكس بشكل أساسي على دوام المدرسين الذين يعملون بشكل تطوّعي.

ويتقاضى المعهد الذي يدرس فيه أسامة أكثر من 20 ألف ليرة سورية، كرسوم شهرية مقابل تقديمه دروسًا خاصة لكافة المواد، وهو ما يراه أسامة مبلغًا مرتفعًا مقارنة بدخل المواطن السوري في إدلب، لكن الحاجة دفعته لارتياد المعهد لنيل قدرٍ كافٍ من الدروس التي تمكنه من الحصول على تقدير مميز في الشهادة الثانوية.

يقول أسامة لـ “بوابة سوريا”: “تتفاوت أعداد الطلاب في المعهد الخاص ما بين 15 إلى أربعين طالب في الحصة التدريسية الواحدة وهو ما يمنح الطلّاب قدرًا كافيًا من الفهم على عكس الأمور التي عانينا منها في المدارس العامة التي تضج بطلابها ويصعب على المدرس السيطرة على القاعة”.

في المعاهد الخاصة يختلف عدد الطلاب المتواجدين بحسب المادة إذ يركز أكثر الطلاب على حضور المواد العلمية التي يصعب عليهم دراستها بمفردهم في المنزل، في حين يختصر الكثير من الطلاب بعض الحصص التعليمية مثل العلوم واللغة العربية، بهدف توفير أجورها لأن المعهد يتقاضى أجوره بحسب المواد المسجلة.

معهد “الهدى” واحدٌ من المعاهد التي تأسست منذ عام 2012 ليستقبل طلاب الشهادتين الثانوية والتعليم الأساسي، في حين يقوم كادره في بعض الأوقات بإنشاء دورات تقوية لطلاب الصفين الثامن والحادي عشر، بحسب مدير المعهد أحمد التعتاع.

ويعمل المعهد على تدريس جميع المواد العلمية والأدبية واللغات وتتفاوت أعداد الطلاب بين عام وآخر بحسب جودة التعليم في المدارس العامة.

 

يقول التعتاع لـ “بوابة سوريا”: “إن الأجور التي يتقاضاها المعهد تتناسب نوعًا ما مع دخل الفرد في الشمال السوري، حيث يتقاضى المعهد ما بين 2000 إلى 5000 ليرة سورية أجرة شهرية للمادة الواحدة وتختلف الأجرة من مادة لأخرى بحسب كثافة منهاجها”.

ويضيف أنّه في الوقت نفسه يقدم المعهد خصومًا للطلاب والفقراء والأشقاء المسجلين معًا في المعهد، كما يعمل المعهد في كثير من الأحيان على تنظيم دورات تقوية مجانية لجميع الطلاب”.

يأمل التعتاع من الجهات المعنية أن تساهم بشكل فعلي بدعم العملية التعليمية سواء في المدارس العامة أم المعاهد، مما يساهم بتخفيض التكاليف على الطلاب ورفع سويتهم الدراسية.

 

إقبال على المعاهد الخاصّة

وتشهد المعاهد الخاصّة إقبالًا مرتفعًا من الطلّاب في عدد من المناطق، ويرى المدرّس عبد المعطي الحكيم أن “إقبال الطلاب على المعاهد والمدارس الخاصة لا يعود لانقطاع الدعم عن المدارس العامة فحسب بل هناك عوامل أخرى تدفع الطلاب للالتحاق بمعاهد خاصة” موضحًا أن الأعداد الكبيرة الموجودة داخل الصف المدرسي تنعكس بشكل سلبي على العملية التعليمية ما يدفع الطلاب للبحث عن حلول بديلة.

ويكمل الحكيم “الوقت الحالي هو عصر تقدم وتكنولوجيا، ومديريات التربية غير قادرة على توفير المستلزمات الكافية لسير العملية التعليمية داخل كل المدارس”.

ويرى الحكيم أن نقص الكوادر التدريسية والتفات الكثير من المدرسين للعمل في المعاهد الخاصة قد يساهم بشكل كبير في اختيار الطلاب لتلك المعاهد.

وتعاني الكثير من مدارس محافظة إدلب من نقص كبير في الكوادر التدريسية المؤهلة، الأمر الذي ساهم بانخفاض المستوى التدريسي فأصحاب المؤهلات العلمية قلة والقلة نفسها تحتاج للتأهيل من جديد وتوضيح العمل المطلوب منهم فأصحاب الكفاءات إما عزفوا عن العمل أو انتقلوا إلى الخارج نتيجة الضغوط المعيشية والأمنية في الشمال السوري.

وبحسب المدرّس عبد المعطي الحكيم، فإن أعداد الطلاب المناسبة في الفصل الدراسي الواحد ضمن المعاهد الخاصة تولّد تجاوبًا أفضل بالنسبة للطلاب وذلك بسبب العلاقة الجيدة التي تبنى بين المدرس والطالب، في حين تفتقر المدارس العامة لهذا الأمر نتيجة الأعداد الكبيرة والوقت الزمني القصير الذي يمنع المدرس من الخروج عن سياق التدريس لأي دقيقة ما يشكل عوائق كبيرة بين المدرس والطالب، كما أن متابعة الأهل للطالب تكون أكبر في المعاهد الخاصة، فالأهل لا يفضّلون دفع التكاليف والنفقات في ظروف كهذه بدون الحصول على نتائج مرضية.

 

متابعة من مديرية التربية

بدورها تعمل “مديرية التربية” في إدلب على متابعة المعاهد الخاصة رغم استقلاليتها بهدف الاطلاع على المناهج الموجودة ودراسة التزام تلك المعاهد بالمعايير المحددة للعملية التربوية.

يقول مسؤول التعليم الخاص في “مديرية التربية في إدلب” عبد الواحد الخضر لـ “بوابة سوريا”: “إن المعاهد الخاصة شكّلت منذ القدم رافدًا جيدًا للعملية التربوية وساهمت بشكل كبير بتخريج دفعات من المتفوقين ورفع سوية الطلاب المتوسطين والضعفاء كما أنّها رفعت من سوية الطلاب المتأخّرين تعليميًا الذين فقدوا أملهم باللحاق بركب رفاقهم، ما منحهم فرصة المنافسة من جديد لتحقيق أحلامهم”.

ويبيّن الخضر أن هذه المعاهد حافظت على مستوى الطلاب المتفوقين وساعدتهم على التميّز من خلال التنافس القوي مع أقرانهم لتحقيق أعلى درجات دراسية ممكنة.

ويقدر عدد المعاهد الخاصة الموجودة في محافظة إدلب بنحو 100 معهد، وتشرف عليها “مديرية التربية” بشكل غير مباشر، وتمنحهم التراخيص اللازمة للعمل بما يضمن التزام المعهد بالمناهج العامة والخطط الدراسية المتفق عليها.

كما أن غالبية تلك المعاهد مرخصة لدى “مديرية التربية” في حين تعمل المديرية على متابعة المعاهد غير المرخصة بهدف ترخيصها ومعالجة المخالفات وتسوية أوضاعها بما يتلائم مع قرارات التربية بحسب الخضر.

ويعمل أبو سامر على متابعة أوضاع أولاده التعليمية بشكل مستمر عبر زيارات دورية للمعهد الذي يدرسون به من جهة وعبر التواصل المستمر مع الكادر التعليمي من جهة أخرى.

يقول أبو سامر لـ “بوابة سوريا”: “أتمنى أن يحصل أبنائي على التميز في شهاداتهم، فأنا أدفع تكاليف إضافية رغم صعوبة تأمين تلك التكاليف وأبحث عن معلمين لمنحهم دروس خاصة بهدف التفوق”.

ويرى أبو سامر، أن أجور المعاهد الخاصة والمدرسين مرتفعة مقارنة بدخل الفرد في الشمال السوري، موضحًا أن انهيار الليرة السورية ساهم بإحداث فارق كبير في الأسعار مقارنة بالأجور المعمول بها قبل الثورة، ما يمنع الكثير من أصحاب الدخل المحدود من إرسال أولادهم إلى تلك المعاهد رغم حاجتهم لها.

ويأمل أبو سامر أن تولي المنظمات الإنسانية اهتمامًا حقيقيًا في المعاهد الخاصة، ما يساهم بشكل كبير في تخفيض نفقاتها الأمر الذي ينعكس بشكل إيجابي على مسيرة الطلاب التعليمية ويوفر الكثير من النفقات التي يدفعها الأهل بهدف التحصيل العلمي لأبنائهم.

 

guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments