لم أجد سوى رسائل ياسين إلى سميرة من يؤنس وحشة هذا المساء الثقيل، مساء التاسع من شهر كانون الأول، بعد ست سنوات من تغييبها مع رزان ووائل وناظم، في العام ٢٠١٣، ورسائل ياسين لها أضاءت بداخلي ما أجهل التعبير عنه، أقرأ وأشعر أن شعوري بعض من هذا الشعور، وفقدي لسميرة بعض من فقد ياسين لها، أحسده على قوته وقدرته على البوح بكل هذا الوضوح في الأفكار والمشاعر، وتأثيث غيابها بكل هذا الحب، الذي يفسح مجالا في و سطه،  وعتمة لا تضيؤها سواها.

لم ألتق بسميرة سوى مرتين، لكن ياسين يجعلها حاضرة مع كل كلمة يكتبها لها، وكلما تحدث لها وعنها، وربما كان ما كتبه عنها من أجمل ما قرأته لياسين الحاج صالح، الحكيم والكاتب، برأيي، أشعر بأن أفكاره ولغته تذوب كالذهب وتصاغ من جديد بحبه لسميرة، قلادة من الذهب في انتظار جيدها الحر.

بالطبع لم تكن مصادفة أن تكون سميرة مع رزان ووائل وناظم تحت سقف واحد، وأن يقبض عليهم رجال جيش الإسلام الملثمون ذاك النهار، كان يجمعهم العمل الدؤوب في أكثر من منظمة سورية ثورية  وعلى أكثر من صعيد.

كانت رزان ناشطة حقوقية تعمل منذ العام ألفين أو قبله بقليل، تدير موقع رابط حقوق الإنسان، و تهتم بالدفاع عن كل المعتقلين، كانت صديقتي، هل أستطيع أن أقول ذلك دون أن تتبلل عيناي؟

كانت تسهر حتى ساعة متأخرة من الليل، دائمة العمل والقلق قهوتها، مكتبها، كرسيها أمام شاشة الكمبيوتر،أشتاق لكل تفاصيلها، أشتاق لغضبها علي، حين كنت أخطىء في أي أمر، أعلم اليوم أن رزان كانت أما لكل من حولها، كانت أما قوية!

بالطبع كانت رزان تقلق من تعقب النظام وملاحقته،  لكنها لم تتردد يوما في الوقوف بجانب كل إنسان علمت أنها قد تساعده، رغم علمها أنها ستدفع ثمن ذلك، كانت قد اتخذت قرارها بالمضي حتى النهاية في الوقوف بجانب قضيتها: العدالة!

لم يكن وائل حمادة موجودا هناك لأنه زوج رزان، لكنه كان الناشط الحقوقي الذي وثق كثيرا من جوانب الانتهاكات التي حصلت زمن النظام وأزمنة أمراء الحرب والظلام الجدد، وكان وائل أيضا الزوج الفخور بزوجته والداعم لها والمحب.

تعرفت إلى ناظم في إحدى جلسات الحكم على معتقلي ربيع دمشق، وتحدثنا مطولا حول أوضاع البلاد التي لم يكن يبدو لنفقها نهاية، وأهداني ديوانه “أوراق التوت الغامضة”، كان ناظم ناشطا حقوقيا وشاعرا قادرا على رسم البسمة على وجوه من حوله، وصديقا داعما قل مثيله.

في ليلة اختطافهم من قبل جيش الإسلام كنت في تركيا، غير أني توقعت تحريرهم خلال ساعات، ثم خلال أيام، لم يكن عقلي يقدر أن يتخيل ان غيابهم سيطول، وكأني كنت أعرف مسبقا خطورة غيابهم.

لكن على ما يبدو اليوم جليا أكثر من أي وقت مضى كانت تلك الجريمة التي ارتكبها جيش الإسلام في وضح النهار بداية لتصفية الثورة السلمية، في الوقت الذي كانت معظم الأراضي السورية خارج سيطرة النظام، كانت الحرب الحقيقية قد بدأت!

مذ ذلك الحين ازداد عدد ضحايا النصرة وداعش من المختطفين والشهداء، وصارت الروايات من داخل أقبية وسجون جيش الإسلام تخرج إلى العلن، وكأنه أريد للشعب السوري، كما لدوما يومها، أن تقارن بين ظالمين، وتختار بينهما، الأسد أو جيش الإسلام! لقد أرادوا أن يقولوا للبلاد بأنه ليس ثمة أي مستقبل للثورة السلمية، إما أن تتسلحوا فتموتوا، أو لا تتسلحوا فتموتوا أيضا!

تتبدى اليوم القضية السورية بشكل جلي على أنها قضية تغييب، تغييب من قبل النظام، أو تغييب من قبل داعش والنصرة، لا يزال مصير معتقلي كل من النظام وداعش وكثير من زعماء الميليشيات مجهولا،  بل يبرز التحدي الأهم اليوم في جعل قضيتهم متقدة على الدوام.

نحن مدعوون لإيقاد شعلة حضورهم في هذا الغياب المهيب، مطالبون أكثر مع كل يوم يمضي على غيابهم باختراع كل أبجديات الحضور لمخاطبتهم، فقضيتهم بلا أدنى مبالغة هي قضية الحرية والعدالة السورية، قضيتنا جميعا.

مصدر الصورة: flickr

اترك رد

avatar