توجه بعض الطلاب الجامعيين بعد سنوات من العناء في إتمام دراستهم الجامعية إلى دراسة المعاهد لأسباب عديدة فرضتها ظروف الحرب عليهم.

ومن أبرز تلك الظروف، رفض جامعات النظام منحهم وثائقهم التي يقومون بموجبها بالتسجيل في جامعات الشمال السوري، إضافةً إلى حاجتهم إلى دراسة قصيرة الأمد للانخراط السريع في سوق العمل. 

يقول خالد عمر، طالب جامعي من بلدة قمحانة شمالي حماة: “التحقت بفرع الجغرافيا في جامعة حمص وبعد سنتين من الدراسة المتواصلة، بدأت الثورة السورية حيث تعرضت للاعتقال واضطررت لترك جامعتي قبل التخرج بعد أن يُفرج عني”.

يضيف خالد: “غادرت إلى الشمال السوري بدون شهادة، وبدأت بالبحث عن عمل ولكن دون جدوى فمعظم المنظمات العاملة تطلب شهادة جامعية مع خبرة في المجال الذي تطلبه، وبعد أن افتتحت جامعات إدلب ومعاهدها سجلت في معهد العلوم الإدارية”.

وأكمل خالد: “التحقت بالمعهد بدلاً من الجامعة لقصر مدة دراسته التي هي عبارة عن سنتين فقط، بحيث لا اضطر لترك جامعتي في منتصف الطريق كما حصل معي في المرة الأولى، بالإضافة إلى أنه فرع مطلوب لدى المنظمات ولا يوجد خريجين منه، كما أن المواد فيه أقل من الجامعات مما دفعني لدراسة المعهد بدلاً من الجامعة”.

 

الوثائق حاجزاً أمام إتمام الدراسة الجامعية

كانت هناك عوائق مختلفة في إتمام الدراسة الجامعية تقف أمام الطلاب النازحين من مناطق نظام الأسد إلى الشمال السوري، ومنها الوثائق الرسمية التي تثبت إتمام مرحلة من الجامعة لتمكن الطالب من الالتحاق بجامعات إدلب.

وعن هذه التجربة يروي طالب العمر، وهو طالب جامعي من مدينة حماة تجربته قائلاً: “لا تختلف تجربتي عن غيري من الطلاب الذين تركوا جامعاتهم في مناطق النظام في منتصف الطريق، جراء تعرضهم للاعتقال أو الخوف منه، ومع أول فرصة لي حاولت التسجيل بجامعة إدلب، لأكمل دراستي في فرع اللغة الإنكليزية إلا أن الشرط الأساسي لدى الجامعة كان الأوراق الثبوتية الجامعية وكشف العلامات للمواد الناجحة في آخر مرحلة وصلت لها”.

حاول طالب الحصول على الأوراق الثبوتية في جامعة حماة وإخراج كشف للعلامات عن طريق بعض الأشخاص في المدينة، إلا أنه تفاجأ بالتكلفة الباهظة لكشف العلامات الذي طلب فيه الموظف 400 دولار، وعلى كفالته ففي حال كان مزوراً يخسر طالب المبلغ كله، ويوضّح أن التكلفة مرتفعة بالنسبة لشابٍ نازح وعاطل عن العمل ولا سيما أنّها سوف يتبع هذا المبلغ، الأقساط الجامعية التي تبلغ 75$ لكل فصل دراسي الأمر الذي فرض عليه التخلي عن الجامعة والتسجيل بمعهد للغة الإنكليزية بسبب قسطه الدراسي المنخفض مقارنةً مع الجامعة.

 

صعوبات ومشاكل أمنية 

أثّر الواقع الأمني في الشمال السوري على الدراسة الجامعية لدى كثير من الطلاب والطالبات، كما تسبب لهم بردّة فعل سلبية للخوف من سنوات الدراسة الجامعية الأربع أو الخمس.

تقول مها نزار، وهي طالبة جامعية من مدينة حماة: “كنت في السنة الأولى من الدراسة الجامعية مع بداية الثورة، وخلال سنوات الثورة اجتزت ثلاث مراحل جامعية في جامعة إدلب، ولكن قبل التخرج بعام واحد تم تحرير مدينة إدلب، حيث أحرقت قوات نظام الأسد جميع الوثائق الجامعية والمصنفات قبل أن تخرج منها، لأبقى بلا هوية جامعية مع كثير من الطلاب”.

وتوضّح نزار أن الوصول إلى الجامعة خلال سنوات الدراسة كان غاية في الصعوبة في بعض الأحيان بسبب الواقع الأمني واستمرار المعارك والحواجز.

تضيف مها: “بعد عودة الاستقرار إلى إدلب واستقرار عائلتي في الشمال السوري بعد أن نزحت من حماة، حاولتُ الالتحاق بالجامعة وإكمال دراستي، لكن لم أستطع أن أثبت أنني كنت في السنة الثالثة كما لم تعترف رئاسة الجامعة الحرة بكوني طالبة بسبب عدم امتلاكي وثائق تؤكّد ذلك”.

انتهى المطاف مع مها بقيامها بالتسجيل في “المعهد التقاني للعلوم الإدارية” بدلاً من الجامعة، خوفًا من أن يتكرّر نفس السيناريو في حال سجلت بالجامعة.

وأردفت: “حتى اليوم الأوضاع الأمنية غير مستقرة، حيث أمضيتُ سنتين المعهد وترفعتُ للجامعة، إلا أنني أشعر بارتياح لأنني حصلت على شهادة المعهد المتوسط ولم أضيع سنتين من عمري كما حدث من قبل”.

 

المعاهد المتوسطة جسر للجامعة

على الرغم من أن المعاهد المتوسطة لا تلبي طموح غالبية الطلاب، إلا أن الإقبال عليها أكثر من الجامعات وخاصة في المناطق المحررة، بهدف الحصول على وظيفة جيدة في إحدى المنظمات.

توضح هبة الشيخ، وهي طالبة في المعهد المتوسط للتمريض، وعن أسباب التحاقها بالمعهد بدلاً من الجامعة قالت: “كنت أعمل ممرّضة في مستشفى ميداني، وحصلت على الوظيفة بشهادة خبرة بعد الشهادة الثانوية”.

وتشرح الشيخ أنّه مع التغيير في سياسة المنظمات الداعمة لقطاع الصحة، فرضت إدارة المستشفى عليها أن تكون الموظّفات من حملة الشهادات، ما دفعها للتسجيل في معهد التمريض وبذلك حصلت على شهادة تضمن استمرار وظيفتها، وبزمن أقل من الجامعة.

وتابعت هبة: “معظم الممرضات في المستشفى كنّ موظفات على أساس الخبرة، والتحقنَ بمعهد التمريض لاستغلال الزمن” لافتةً إلى أن تكلفة المعهد تعتبر منخفضة مقارنةً بالجامعة، ولا سيما أن الكثيرات يخشينَ من تدهور الوضع الأمني أو تقدم قوات الأسد على مناطق الشمال، مما دفعهنَّ لدراسة المعهد بسبب فترة الدراسة القصيرة”. 

 

تسهيلات من جامعة إدلب

يشرح الدكتور محمد عبد الحي نائب رئيس جامعة إدلب لـ “بوابة سوريا” التسهيلات التي قدّمتها الجامعات في الشمال السوري للطلاب قائلًا: “استقبلت جامعة إدلب جميع الطلاب من مختلف المحافظات، وحاولت الإدارة الجامعية تقديم ما تستطيع من مساعدة”.

وأضاف عبد الحي، أنّه في البداية كانت هناك لجنة سميت “لجنة التسوية”، ومهمتها جلب الوثائق للطلاب من مناطق النظام، حيث كانت هذه اللجنة مشتركة بالتقاء المصالح، وهي الحصول على وثائق الطلاب من جامعات نظام الأسد والعكس تماماً، إلا أن إدارة الجامعات في نظام الأسد أوقفت عمل تلك اللجنة، قبل الحصول على وثائق جميع الطلاب، 

ومن التسهيلات أيضاً بحسب عبد الحي، أن جامعات إدلب فتحت باب التسجيل الشرطي، وهو إكمال الطالب لدراسته الجامعية ولكن لا يستلم وثيقة التخرج حتى يحصل على كشف علاماته من جامعته السابقة، علمًا لا يوجد جامعة تقبل استقبال أي طالب بدون وثائق وأوراق ثبوتية للمرحلة التي يريد إكمالها”.

وتابع محمد عبد الحي: “لم نقف بوجه الطلاب في سنة التخرج، وهذا ما سمي بنظام الإكمال الدراسي، وهو أن يتقدم طالب تخرجه متوقف على مادتين أو ثلاث مواد في أحد الأفرع، وكان الفرع غير موجود في جامعاتنا، فنقوم بتخصيص مدرّسين لإجراء اختبارات للطالب في المواد المتبقية له”.

وبحسب عبد الحي فإن جامعات إدلب قدمت على 823 كشف علامات للطلاب من جامعات النظام تم الحصول على 734 كشفًا منها، كما تم التقديم على 101 مصدقة تخرّج وتم الحصول على 80 واحدة بالإضافة إلى استقبال 120 طالب بنظام الإكمال وحصولهم على شهادات تخرج.

مصدر الصورة: جامعة إدلب

guest
1 تعليق
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
trackback

[…] التعليم سواء في المناطق الخارجة عن سيطرة قوات الأسد أو الواقعة […]