لم تسلم المرأة السورية، من إصابات الحرب التي حلّت بمئات آلاف المدنيين في سوريا، إثر القصف العنيف من قبل قوات الأسد، حيث زادت الإصابات المزمنة جراء القصف من معاناة المرأة السورية، ورافقتها طيلة حياتها لتقضي على الأمل المتبقي لديها.

 

إصابات على وقع الحرب

يقول عبد الله العبود شاب من قرية الأربعين في ريف حماة الغربي: “تعرضتُ للإصابة مع جدتي علياء العبود جراء غارة جوية بالبراميل المتفجرة على قرية عابدين جنوبي إدلب، حيث تسببت الإصابة بإعاقة مستديمة في قدم جدتي، ومنذ ثلاث سنوات لا تستطيع السير بطريقة جيدة”.

أضاف العبّود: “كانت الإصابة في قدم جدتي اليسرى، حيث مزقت شظية الأوردة في قدمها، وأُسعفت بعدها لعدة مستشفيات كان آخرها مستشفى حاس، حيث عمل الأطباء في المستشفى على خياطة الجرح دون توصيل الأوردة المنقطعة، مما أدى لشبه إعاقة في السير” مشيرًا إلى أنّها اكتشفت لاحقًا عندما راجعت طبيباً من مدينة حماة، بأنها بحاجة لعملية توصيل الأوردة من جديد”.

وأوضح العبّود، أن الطبيب اكتشف بأن أوردة القدم لم يتم توصيلها، ونتيجة الإهمال لوضعها تحتاج لعملية جديدة، إلا أن نسبة نجاحها 70% وإن لم تنجح تسبب لها إعاقة كاملة وشلل”

وتابع: “رفضت جدتي إجراء العملية بعمر يناهز 60 عاماً، لأن نسبة فشلها كبيرة، فآثرت البقاء على حالها أفضل من الشلل الدائم، فيما تستمر معاناتها من صعوبة المشي نتيجة تقدمها بالعمر والإصابة التي تمنعها من المشي بشكل جيد، فهي تحتاج لارتداء جهاز كلما أرادت الذهاب لمكان أو قضاء حاجة”.

 

شلل تام

تسببت إصابات أخرى تعرّضت لها النساء في ريف حماة ومناطق أخرى في شمال سوريا، بشللٍ دائم ما أجبر المصابات على ملازمة السرير بقية حياتهنَّ. 

يقول مرهف الجدوع، وهو قريب لمصابة من مدينة كفرزيتا تقطن في مخيمات أطمة شمالي إدلب: “أصيبت مريم الصطوف منذ أربعة سنوات جراء غارة جوية من الطيران الحربي على منزلهم في مدينة كفرزيتا شمالي حماة، حيث أصابتها شظية في الظهر، وأدّت لشلل نصفي دائم، في حين أصابت شظية أخرى رأسها وتسبّبت بخلل في الدماغ والذاكرة”. 

وأضاف الجدوع لـ “بوابة سوريا”: “لم تعد مريم قادرة على الكلام بشكل جيد أو أن تمسك ملعقة وتتناول طعامها بيدها، فهي لم تعد تستطيع أن الحركة نهائياً، وتلازم السرير بشكل دائم فلا حركة إلا للتقلّب جنباً إلى اليمين واليسار خوفاً من أن يتسبب الفراش بجروح لجسدها”.

 

وتعيش مريم حاليًا في خيمة صغيرة في مخيمات أطمة برفقة شقيقتها أمينة، التي ترعاها بالرغم من مرضها العضال، فهي تقوم برعايتها كالأطفال، حيث وضعت أمينة سرير مريم أمام نافذة الخيمة الصغيرة لتنظر طوال اليوم لذات المشهد وتسمع أصوات جيرانها بالخارج دون أن تستطيع الحديث بشكل جيد حتى. 

أما مريم الحمادة، وهي امرأة من بلدة عطشان شمالي حماة، تعرضت لإصابة جراء غارة جوّية من طيران الأسد على منزلها، ما أدّى لإصابة عمودها الفقري.

ومن جهةً أخرى، يقول أبو حسين وهو قريب إحدى المصابات: “أصيبت قريبتي ميادة بالعمود الفقري الرقبي في الفقرة السادسة، فاحترق قسم من النخاع الشوكي، وأدّت الإصابة الكبيرة إلى شلل رباعي للمصابة، جعلها طريحة الفراش ترافقها معاناتها في الأيام الطويلة، من انعدام الحركة والمشي وعدم قدرتها خدمة نفسها” لافتًا إلى أن الوضع الجديد أثر عليها نفسياً لتبتعد عن الجميع بحثًا عن هدوء في سقف الغرفة الذي فوقها فهو لا يتغير صيفًا أو شتاءً ولا تستطيع رؤية غيره”.

 

أضرار نفسية

سجلت فرق الدفاع المدني في الفترة الأخيرة في كل يوم أكثر من عشرة إصابات معظمها من النساء، في مدينة كفرنبل جنوبي إدلب، نتيجة صواريخ الراجمات التي تسقط على منازل المدنيين.

تقول نور ابنة العشرين عاماً وإحدى المصابات في المدينة: “سقط صاروخ راجمة على منزلنا في مدينة كفرنبل، كنت أنا وزوجي وطفلتي الصغيرة التي لم تتجاوز الثلاثة أعوام نائمون في الغرفة”.

وتضيف: “أصبنا نحن الثلاثة، وتسببت شظية ببتر قدمي اليُسرى من أعلى الساق وقطع الأوردة في اليد اليمنى، ما أدّى إلى تشوه في اليد وشبه شلل وعدم قدرة على الحركة، بينما بترت شظية أخرى قدم زوجي وتسببت له بشبه عجز عن الحركة”.

أمّا طفلة نور فمزقت الشظايا جسدها وتسببت بجروح عميقة في قدمها اليُمنى، ثم خضعت على لعدة عمليات جراحية ولم تنتهي معاناة عائلة نور.

 أردفت نور: “عندما أنظر لزوجي ولا أستطع أن أرعاه أشعر بالعجز الذي خلفته تلك القذيفة، والألم النفسي الذي أصبح عمره عشرات السنوات بينما هو في الحقيقة لم يتجاوز الثلاثة أشهر”.

وتكمل: “لا أستطيع أن أحمل طفلتي عندما تبكي من ألم جراحها، وقدمها التي خُيّطت حتى أصبحت كالخريطة، فلا أقدر على فعل أي شيء لها نتيجة إصابة يدي التي لا أقوى على تحريكها، في حين أن بتر قدمي أفقدني التوازن”.

كل هذه الإصابات وما زالت نور في العشرين من عمرها، ولكنّها دون قدم، ويدها شبه عاجزة عن الحركة، ما يجعلها غير قادرة على قضاء حاجاتها الحياتية، فتحتاج لمن يساعدها على الوقوف والسير ومن يطعمها بيده ويمسح دموع طفلتها عوضًا عنها. 

في عيادة الطبيب الجراحي جلست شقيقة نور تبكي عائلة أختها وتقول: “ألم جسدي ونفسي تسبب لأختي بفقدان عقلها في بعض اللحظات، فأحياناً تتمنى الموت وتقول لو أنني قتلت منذ تلك اللحظة ولم أرَ طفلتي وزوجي بهذه الحال”.

وتضيف شقيقة نور: “أنا عاجزة عن فعل شيء لهم.. ترتجف قدمها عند الوقوف رغم إمساكي بها بكل قوتي كما ترتجف يدها الأخرى التي لا تشعر سوى بألمها جراء الحركات اللاإرادية فيها، وبعد كل زيارة للطبيب تحتاج لجلسة تهدئة من جميع أفراد العائلة، فألمها الجسدي الذي لم تعد تؤثر فيه الأدوية المهدئة رغم شدة تأثيرها، وألمها النفسي الذي يلازمها حتى في نومها، يجعلها تستيقظ ليلًا وهي في حالة خوف ورعب شديدين”. 

آثار جسدية ونفسية خلفتها طائرات الأسد وصواريخه، وإصابات خلّفت جرحًا عميقًا للنساء السوريات في مختلف الأعمار، فهناك من أنهت الإصابة حياتها لتجعلها ميتة على قيد الحياة وهناك بقيت تستطيع الحركة ولازمها ضررٌ نفسي زاد من إصابتها الجسدية.

مصدر الصورة: فليكر

guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments