شهد القطاع الزراعي في محافظة حماة بشكلٍ عام، وفي سهل الغاب تحديدًا، التي تعتبر السلة الغذائية الأكبر للمحافظة تراجعًا كبيرًا، حيث كان إنتاج الموسم الزراعي الماضي، الأسوأ رغم البداية التي كانت مبشرة بالخير.

يقول أبو أحمد رسلان وهو من أبناء مدينة قلعة المضيق لـ “بوابة سوريا”: “بدأ الموسم الزراعي مع نهاية العام 2018 وبداية العام الجديد الحالي بهطول كميات كبيرة من الأمطار لم نشهد مثلها منذ سنوات، بالإضافة لنوع من الاستقرار المؤقت الذي كنا نظن أنه سيستمر، ولذلك توجه غالبية المزارعين لشغل أراضيهم وعدم تركها”.

ويضيف رسلان: “خلال السنوات الماضية ترك الكثير من الأهالي أراضيهم، فمنهم من مات ومنهم من نزح ومنهم من هاجر إلى خارج البلاد، وذلك بسبب الخوف والوضع الأمني المتدهور أولا، وبسبب قلة الأسمدة وغلاء تكاليف الزراعة وغيرها من الأسباب التي أدّت لتراجع إنتاج الغاب من المحاصيل وخصوصاً القمح لمستويات متدنية”.

 

الغاب الجنوبي.. موسم خاسر

وحول نتائج الموسم الزراعي الماضي يرى غالبية سكان محافظة حماة بأنه كان خاسرًا، ويقول جلال الخطابي وهو من أبناء سهل الغاب لـ “بوابة سوريا”: “بعد أن دفعنا تكاليف كبيرة للموسم الزراعي عند بدايته بدأت حملة التصعيد على مناطق ريف حماة الغربي بداية ثم امتدت إلى الريف الشمالي لاحقاً”.

وأضاف الخطابي، أنّه خلال الأشهر الأربعة الأولى من عمر المحصول استمر الناس برعاية الأراضي الزراعية بإمكاناتهم المحدودة، أملا في انتهاء حملة التصعيد وعودة المدنيين، ولكن شيئاً من ذلك لم يحدث، حيث تطور الأمر ودخلت قوات الأسد إلى كافة قرى وبلدات القطاع الجنوبي من الغاب ما أدّى لخسارة المزارعين كل شيء، في حين قامت قوات الأسد بنهب المحاصيل والحقوا خسائر بالمزارعين تقدّر بملايين الليرات.

 

قصف النظام والفيضانات

أما في المناطق الأخرى من سهل الغاب (الأوسط والشمالي) الأبعد عن منطقة المعارك، لم تكن الأوضاع جيدة ولكنها أفضل نسبياً.

يقول محمد العلوش، وهو مزارع من إحدى قرى سهل الغاب لـ “بوابة سوريا”: “كانت بداية الموسم الزراعي جيدة بعد هطول أمطار وفيرة” موضحًا أن زيادة الأمطار كانت مضرة بالمزروعات بسبب فيضان قنوات الري ومياه العاصي، وغمرها مساحات كبيرة من الأراضي التي اختنق فيها الزرع.

وأكمل العلوش: “لم يكن بوسعنا أن نفعل شيء ولم نكن بالأصل قادرين على أي حركة بسبب اشتداد المعارك وقربها من قرانا، وهو ما أجبرنا على النزوح لفترات طويلة ولكن كان لدينا الأمل بالحصول على موسم وفير”.

ويتابع العلوش: “قمنا بحصاد ما بقي من الزرع في ظروف صعبة للغاية وشديدة الخطورة، وانخفض المحصول الذي نجا من الغرق ومن الحرق، لأقل من نصف المساحة الإجمالية، ولكنه بالتأكيد خفف من خسائرنا كثيرًا”.

وختم العلوش: “عدنا للتفاؤل مرة أخرى بإمكانية الاستفادة من الأرض للمزروعات الصيفية كونها مازالت تحوي كميات كبيرة من الرطوبة وتتوفر مياه للري، ولكن استمرار القصف وخطورة الوضع أجبرنا على التفكير ملياً قبل الإقدام على أي خطوة من هذا القبيل” موضحًا أن النظام قتل مزارعين في قرى البدرية وقرب قسطون خلال عملهم بالمزروعات الصيفية عبر القصف المباشر عليهم.

 

استعدادات خجولة للزراعة الشتوية

قبل نحو عدّة أسابيع، هطلت أمطار بشكل متقطع لعدة أيام، لتلعن بداية الزراعة الشتوية، ما جعل المزارعين متفائلين بموسم صيفي مناسب.

يقول المزارع محمد شربوطلي لـ “بوابة سوريا”: “بعد هطول الأمطار فلحتُ أرضي من بين أشجار الزيتون فقط، أما الأرض السهلية المخصصة للزراعة فلست قادرًا على زراعتها هذه السنة، بسبب التكلفة المرتفعة” مشيرًا إلى أنّه سوف يزرع 6 دونمات فقط هذا العام وسيبحث عن مستثمر ليضمن باقي الأرض من أجل زراعتها”.

وبشكل مشابه، كانت آراء عدة المزارعين في المناطق القريبة من سيطرة قوات النظام، حيث قال محمد العلوش: “إنّه سيزرع عدة دونمات قريبة من القرية فقط، أما باقي الأرض فلن يقوم بزراعتها، لأن ما زال الوقت مبكراً وهناك زراعات يمكن تأخيرها حتى شهر شباط المقبل”، وقال أيضًا: “ربما يتحسن الوضع وأزرعها لاحقًا”.

أما الزراعة الأساسية (القمح) فخصص العلوش لها عدة دونمات بعيدًا عن خطر الاستهداف المباشر أو الحرق، مبيّنًا أنّه حتى لو تم إحراقها فإن هناك أراضٍ يمكنك الاقتراب منها ومحاولة إطفائها أما تلك البعيدة والمكشوفة فقد فلا يمكن التدخّل عند اشتعال الحرائق بها.

 

النزوح وتأثيره على موسم الزراعة

رغم وجود عشرات آلاف الهكتارات من الأراضي الزراعية في سهل الغاب، إلا أن المستثمَر منها قليلٌ جدًا، ويعد النزوح وقلة اليد العاملة السبب الرئيسي لذلك.

في هذا السياق يرى المزارع أبو مازن عنكاوي من أبناء سهل الغاب أن حياة أبناء المنطقة ارتبطت بالزراعة طوال عمرهم، ولكن خلال الأشهر الماضية لم يعد الأمر كذلك، فقد آثر غالبية الأهالي على إبعاد أنفسهم وعائلاتهم عن الخطر ولم يعد التفكير في الزراعة كعمل استثماري يغري أحدًا، لذلك بقيت مئات الدونمات الزراعية وستبقى بلا أي زراعة لأن أصحابها ليسوا هنا.

ويوضّح أيضًا أنّ قسمًا كبيرًا من سكان بلدته لن يزرعوا أرضهم هذا الموسم، ويفضلون تضمينها لرعاة الأغنام، لأن ذلك يمنحهم كسب مبلغ مالي مؤكد وبالتالي فهم ليسوا مضطرين للمخاطرة باستثمار زراعي ضخم قد يذهب مهب الريح.

 

عوائق تعترض الزراعة في الغاب

ومع اقتراب الموسم الزراعي الشتوي لهذا العام تعود المشاكل القديمة لتتكرّر كما في السنوات السابقة، بالإضافة لمشاكل جديدة طارئة لهذا العام.

ومن أبرز هذه المشاكل، الخطورة الكامنة في استهداف الجرارات والآلات الزراعية بالصواريخ الحرارية الموجهة من قبل قوات النظام المتمركزة في القرى الموالية.

ووفقًا لعدّة مزارعين فإن سهل الغاب أرض مستوية تمامًا وكل نقطة من الخط الأوسط أو الغربي تكشف السهل بشكلٍ كامل، بالإضافة إلى السفح الغربي لجبل شحشبو وجبل الزاوية، وبالتالي يمكن استهدافها، وهو ما حصل فعلاً أكثر من مرة، حيث تم استهداف سيارات أو جرّارات تعود لمزارعين وأدت بعضها لوفاتهم واحتراق آلياتهم، وهو ما دفع الكثير من الأهالي للعزوف عن الذهاب إلى أراضيهم وخصوصاً الغربية منها.

يوضّح المزارع زهير العبدو أن مشكلة القنابل والصواريخ غير المنفجرة ليست أقل سوءاً من الصواريخ الموجهة، إذ تصادف المزارعين أحيانًا بعض مخلفات الحرب وقد تكون قاتلة إذا ما انفجرت بالسيارة أو الجرارة كما حصل مع شاب قبل أيام في الأراضي الزراعية لقرية الحويجة، حيث انفجرت القنبلة بسيارته فاحترقت وتسببت ببتر ساقه.

كما يعتبر تأمين البذار والسماد إحدى المعوقات الأساسية لعمل المزارعين أيضاً، ومع كل انطلاقة موسم تبدأ رحلة البحث عن بذار جيد ومضمون دون جدوى، فأغلب البذار الموجود بين أيدي المزارعين إما هجين أو مخلوط، أما تلك النوعيات عالية الجودة فلم تعد موجودة، إضافةً إلى أن السماد الكيماوي المستورد ليس بالجودة المطلوبة مع أن سعره مرتفع وهو ما دفع المزارع لتقليل استخدامه وبالتالي قلت الإنتاجية.

guest
1 تعليق
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
trackback

[…] العاصي في المنطقة واتساع رقعة السهول الخضراء وتنوع المحاصيل الشتوية والصيفية في سهل الغاب بريف حماة الغربي، بيئة مثالية […]