لا تتوقّف المعاناة التي يعيشها المواطن في الداخل السوري، ولكن المعاناة تتضاعف عند فئة من السوريين أكثر من غيرهم، وهو الأمر الذي يحصل اليوم مع عائلات المعتقلين التي تعاني من الفقد والألم، وازدادت معاناتهم بعد النزوح، في ظل غياب المعيل، وعدم التفات معظم المنظمات الإنسانية إلى أحوالهم، فضلاً عن إهمال المجتمع لاحتياجاتهم، ليعيشوا على الهامش في حاجة دائمة ومستمرة.

حيث جاء النزوح ثقيلاً على جميع النازحين، ولكن الثقل الأكبر هو على العائلات التي ليس لديها معيل، ولا تلقى اهتماماً حقيقياً من المعنيين. فكانت الحاجة أكبر، والواقع أقسى، والمعاناة أشد.

 

صعوبة اتخاذ القرار بالنزوح 

قرار مصيري وحاسم كقرار النزوح يحتاج مقومات لتهيئ اتخاذه، تقول أم رامي وهي زوجة أحد المعتقلين من ريف إدلب الجنوبي لـ “بوابة سوريا“: “مع اشتداد القصف وعدم إمكانية البقاء في القرية، خوفًا على حياة أطفالي، كنت مترددة في اتخاذ القرار بالنزوح، لأنني أصبحت بين خيارين أحلاهما مر، إما البقاء مع أطفالي في منزلنا وأرضنا التي نعيش من إنتاجها، تحت خطر الموت في أية لحظة، أو النزوح إلى منطقة أكثر أمناً وهذا يحتاج إلى مورد مادي كبير لا أملكه، إضافة إلى أنني غير قادرة على السكن في المخيمات، فليس لي أحد من أقربائي فيها”.

وتتابع حديثها قائلة: “كانت أول مشكلة تواجهني هي تأمين سيارة لنقل الأثاث، وحمالين ليحملوه، وأجرة السيارة والحمالين، لكنني طلبت المساعدة من أختي وزوجها وأولادها، فساعدوني في نقل الأثاث إلى مكان نزوحي في الليل، بسبب خطورة التنقل نهاراً حيث لا يتوقف القصف ولا طيران الاستطلاع، مما سيعرضهم لخطر الاستهداف”.

وتكمل:” أقمت بالقرب من مكان إقامة عائلة أختي في مدينة إدلب، فكان لا بد من تأمين مصروف شهري يكفي مصاريف المنزل وأجرته، إضافة إلى تأمين مواد للتدفئة، فقمت بالتعاقد مع محل للألبسة الأوربية المستعملة “البالة”، حيث أبيع في المنزل ألبسة خاصة بالأطفال والنساء وفق نسبة اتفقت عليها مع صاحب المحل، ورغم أن العمل يؤمن مردوداً مادياً مقبولاً إلا أنه لا يكفي لتأمين كل ما يلزمنا، خصوصاً مع ارتفاع الأسعار بشكل كبير”.

 

معاناة ما بعد النزوح

في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة، والتي زادها انخفاض قيمة صرف الليرة السورية، أصبحت زوجة المعتقل في معركة حقيقية مع الحياة، ومتطلّباتها الاقتصادية التي بات تأمينها أكثر صعوبة يومًا بعد يوم.

وفي هذا الصدد تقول أم مصطفى وهي زوجة معتقل تعيش في إدلب لـ “بوابة سوريا”: “لدي ثلاثة أطفال، أعمل على رعايتهم منذ أن اعتقل زوجي قبل سبع سنوات، وعلى الرغم من قساوة الظرف خلال السنوات الماضية، إلا أنه لا يقارن بوضعنا خلال النزوح”.

وتضيف أم مصطفى: “عندما كنا في بلدتنا لم نكن مضطرين لدفع أجرة منزل، كما هو الحال الآن، لأننا نقيم في منزل استأجره أهلي بمدينة إدلب، فأنا غير قادرة على السكن في منزل لوحدي بسبب الوضع المادي والاجتماعي، وبالرغم من سوء وضع المنزل الذي تعرض محيطه لقصف سابق مما تسبب بتضعضع أركانه، إلا أن أجرته مرتفعة”.

وتتابع أم مصطفى حديثها:” كنت مضطرة لشراء الكثير من الحاجيات الأساسية، بعد أن تركنا أثاث منزلنا في البلدة دون أن نستطيع إخراجه، واليوم نعيش بدون تدفئة بسبب غلاء المحروقات بشكل فاحش وعدم القدرة على تأمينها، ودون أن نلقى مساعدة من أية جهة أو منظمة”.

وختمت بقولها: “عملت سابقاً في الخياطة النسائية ولكنني تركت العمل بها بسبب آلام في الرقبة والظهر، ثم عملت في مراكز تمكين المرأة قبل نزوحنا، أما اليوم تفرغت بشكل كامل لأكمل دراستي الجامعية ولأستطيع الحصول على عمل دائمٍ بشهادتي وتأمين مستقبل أطفالي”.

 

نساء وحيدات في مواجهة مع الحياة

لمى الأحمد زوجة معتقل من ريف إدلب الجنوبي، قالت لـ “بوابة سوريا”: “اعتُقل زوجي منذ ثمانية سنوات، مع بداية الثورة السورية، ومنذ ذلك الحين وجدت نفسي في مواجهة مع الحياة لتأمين لقمة العيش، ورعاية أطفالي”.

عملت الأحمد في مراكز المرأة والطفل فترة من الزمن، وكانت أقيم في منزلها لذلك كانت المعاناة التي تعيشها أقل بكثير من تلك التي تعيشها اليوم بعد النزوح.

وتابعت الأحمد: “بعد أن اشتد القصف بشكل جنوني على مدينتنا، نزحت إلى إحدى قرى ريف مدينة سلقين، لأواجه بعد النزوح واقعاً صعباً جداً، فأمامي الكثير من الأمور الواجب تأمينها، وأهمها إجرة المنزل، إضافة إلى إجرة سكن ولدي الذي يدرس في جامعة إدلب، ومصروف العائلة إضافة إلى مصروف الجامعة الذي يحتاجه ابني، لأنني قررت أن أقدم له كل ما يحتاجه مهما كلفني الأمر، فأنا أرى في مستقبله كل حياتي وآمالي التي بنيتها عليه، خصوصاً بعد اعتقال والده”.

وأكملت حديثها:” لم تقم أية منظمة إنسانية بتقديم مساعدات حقيقية لنا منذ نزوحنا، لكن بداية الأمر قام أحد الخيّرِين بتقديم مبلغٍ من المال لدفع أجرة شهرين للمنزل، وأحاول العمل بين الفترة والأخرى، وفق ما يتوفر من أعمال في مجال المرأة والطفل، لأتمكّن من تأمين الحاجيات الأساسية، خصوصاً مع دخول فصل الشتاء وغلاء سعر مواد التدفئة”.

بينما يعيش المعتقلون البرد والغربة في زنازينهم، تعيش عائلاتهم جزءاً من تلك المعاناة في سجنهم الكبير الذي يسمى وطناً، في ظل إهمال المجتمع المحيط والمنظمات الإنسانية لهم.

guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments