تؤكد الهجمة الوحشية التي تتعرض لها المدن والقرى في محافظة إدلب، والتي يشنها النظام بصواريخه وبراميله المتفجرة، بشراكة مع الطيران الروسي، أن ما يسمى مناطق “خفض التصعيد”، كانت تنطوي على قدر كبير التورية والتلاعب والزيف، إذ تحت ستار تلك التسمية تمت عملية إسقاط المناطق التي كانت تسيطر عليها فصائل المعارضة المسلحة في الجنوب والوسط والشمال، وتحت ستارها تم تمكين النظام بحيث أضحى يسيطر على على 60 بالمئة من مساحة سوريا. وهكذا فبعد إسقاط مناطق خفض التصعيد الثلاث في السنوات الثلاث الماضية، أي منذ نشوء تحالف استانة الثلاثي (روسيا وإيران وتركيا)، باتت منطقة خفض التصعيد الرابعة في إدلب هي محور الهجوم لإسقاطها بذات الطريقة التي جرت في المناطق الأخرى، أي عبر أعمال القصف والتدمير والتشريد.

على ذات المنوال يمكن الحديث عن تحالف استانة الثلاثي (مطلع 2017)، أي الذي نشأ قبل ثلاثة سنوات، بعد سقوط مواقع المعارضة في حلب (أواخر 2016)، وعن مفاوضات استانة، التي نشأت برعاية الضامنين الثلاثة، والتي لم تفضي بدورها إلا إلى تمييع مسار جنيف التفاوضي، وإعادة تعويم النظام، في محاولة لتعزيز شرعيته عربيا ودوليا، باعتباره الطرف الرابح في الصراع الدائر في سوريا. وطبعا ففي المسارين، السياسي والعسكري بدت المعارضة هزيلة، ومرتهنة، وعاجزة، لاسيما أن تموضع تركيا ضمن التحالف المذكور، بغض النظر عن اعتباراتها الخاصة بهذا الشأن، كان على حساب الثورة السورية ومصالح الشعب السوري.

على أية حال، فإن نتائج تلك المعركة لن تختلف عن غيرها، في ظل الظروف والمعطيات السائدة، وبحكم موازين القوى المختل لصالح النظام، وبحكم التدخل العسكري الروسي، ما يعني أن الصراع السوري وصل إلى مرحلة بات يتعذر فيها استمرار الصراع بالوسائل المسلحة، أولاً، لانتفاء أدواته، بعد تفكك معظم الفصائل في معظم المناطق. وثانيا، بحكم تقاسم النفوذ في الجغرافيا السورية، بين الولايات المتحدة (شرقي الفرات) وتركيا على امتداد الحدود الشمالية لسوريا من جهة، وروسيا وإيران في الداخل والساحل السوري من جهة أخرى، الأمر الذي يفترض أنه يحث على إيجاد وسائل وتوافقات ومنابر تفاوضية أخرى، لإيجاد حل لهذا الصراع الطويل والمعقد على الأرض السورية.

وللتذكير، فإن تحالف أستانة الثلاثي كان تأسس لحلّ، وبالأصحّ لإدارة الصراع، في سوريا، قبل ثلاثة أعوام، بين الدول الأكثر انخراطا في ذلك الصراع (روسيا وإيران وتركيا)، وعلى الجبهتين، والتي عرفت فيما بعد، بالدول الضامنة لما سمي في حينه بـ “مناطق خفض التصعيد” الأربع، في الجنوب ودمشق وحمص وإدلب.

وربما يجدر التذكير أيضا، في هذا المجال، بأن النظام السوري كان استعاد المناطق التي كانت خارجة عن سيطرته في مدينة حلب، أواخر العام 2016، مقابل تمرير حملة “درع الفرات” التي شنّتها تركيا مع فصائل سورية معارضة، في آب/ أغسطس عام 2016، ومكنتها من السيطرة على ريف حلب الشمالي، وصولا إلى مدينة جرابلس السورية (على الضفة الغربية لنهر الفرات قرب الحدود التركية)، ما يعطينا فكرة عن تقلبات وتحولات الأطراف الفاعلة في الصراع السوري، واشتغالها بحسب أجنداتها الخاصة، ويأتي ضمن ذلك عدم فهم انخراط تركيا، الداعمة للمعارضة السورية، في هذا التحالف مع شريكي النظام روسيا وإيران، انطلاقا من مصالحها أو من أجندتها الخاصة، أو وفقا لما تعتبره أمنها القومي، والذي بات يتلخص بالحؤول دون قيام كيانات كردية بجوار حدودها، والحؤول دون تدفق أعداد كبيرة من اللاجئين إلى أراضيها، وتعزيز حصتها في التقرير بشأن مستقبل سوريا.

هكذا، ففي غضون الأعوام الثلاثة الماضية، اشتغل تحالف أستانة على ثلاث مسائل. المسألة الأولى، خلق مسار تفاوضي مواز للمسار التفاوضي لجنيف، وربما لفرضه كبديل عنه، بحيث عقد حتى الآن 13 جولة تفاوضية، من دون التوصل إلى نتائج ملموسة، سوى تقويض شرعية وصدقية المعارضة، وتمييع مسار جنيف، وتعويم نظام الأسد.

والمسألة الثانية، الاتفاق على إيجاد مناطق خفض تصعيد، وهي الأربع التي تحدثنا عنها، بما يتطلبه الأمر من وقف القصف والأعمال القتالية، وإتاحة المجال لتأمين الحاجات الإنسانية التموينية والطبية للسوريين، وهو ما لم يحصل إذ على العكس تم استئناف القصف والتهجير. وبالمحصلة، فإن تلك المناطق سقطت واحدة تلو الأخرى بيد النظام بدعم عسكري مباشر من روسيا، عبر القصف الجوي، ونحن الآن إزاء الصراع على المنطقة الرابعة في إدلب.

أما المسألة الثالثة في هذا السياق فهي السعي لتشكيل لجنة، أو إطار دستوري، لحل الصراع السوري، جرى تدشينه في مؤتمر سوتشي مطلع العام 2018، من دون التوصل إلى أي نتيجة تذكر، سوى ما تمخض مؤخرا عن تشكيل لجنة دستورية، لم يلبث المبعوث الدولي جير بيدرسون أن نعاها مؤخرا، أمام مجلس الأمن الدولي، بسبب تملص النظام منها، إلى درجة أنه لم يحدد أي موعد لاجتماع قادم لها.

على ذلك فإن الهجوم الوحشي على منطقة إدلب، ولاسيما على مدن مثل المعرة وسراقب، هي استمرار للمعركة على إضعاف المعارضة وتعويم النظام، كما هي معركة على تقاسم النفوذ في الأراضي السورية، بين القوى الدولية والإقليمية. كان الله في عون السوريين.

اترك رد

avatar