بعد طول انتظار، رُزق زوجان سوريان في مدينة القامشلي بطفلتهما الأولى، ولكن الفرحة لم تكتمل، بعد أن لاحظا بأن وجه الطفلة كان شاحبًا وغير طبيعي.

هنا بدأت رحلة الزوجين مع الأطبّاء، الذين أجمعوا أن الطفلة لا تشكو من أي مرض، وأنّها سليمة وتفتقد لبعض الكلس لا أكثر.

ولكن عن طريق المصادفة، كان الزوجان مدعوان لحفلة زفاف في مدينة الحسكة وهناك هزّ المنطقة تفجير في تلك الحفلة، ما أدّى لمقتل العشرات، وإصابة ابنة الزوجين بجروح طفيفة في رأسها، حيث كان الإصابة سليمة ولكن صورة الأشعّة اكتشفت شيئًا آخرًا، وهو أن الطفلة تعاني من ضمور في الدماغ الأمر الذي لم يكشفه جميع الأطباء الذين تابعوا حالتها.

لم يدخر الزوج وقتًا وذهب بطفلته إلى دمشق وعرضها هناك على مجموعة أطبّاء أكّدوا إصابتها بضمور الدماغ، وبعد التحاليل خرج الطبيب بالنتيجة وهي أن الطفلة أصيبت بسبب نقص الأكسجة عند الولادة والالتهابات التي كانت مع والدتها نتجت عن توقف الغدة الدرقية.

 

إعاقات الولادة

تتعدّد أسباب الإعاقات الذهنية، ويقول الأخصائي برزان سليمان الحائز على الدكتوراه في النطق والتخاطب لـ “بوابة سوريا”: “قد تحدث الإعاقة في ثلاثة مراحل، إمّا قبل الولادة أو أثناء الولادة أو بعدها”. 

وأضاف سليمان، أنّه في المرحلة الجنينية قد تتعرض المرأة الحامل للسقوط، أو حادث ما، أو تناول بعض الأدوية دون استشارة الطبيب أو حتى إصابة الأم ببعض الأمراض كالحصبة الألبانية أو اليرقان النووي، إضافة إلى زواج الأقارب والحالة الوراثية، وهذا كله قد يتسبب بإعاقة للطفل في المرحلة الجنينية.

أمّا عن الإعاقات أثناء الولادة، فهناك أخطاءً طبية تكون سببًا في الإعاقة كحالات عسر الولادة أو لف حبل الصرة حول عنق الجنين والتي تؤدي بدورها إلى نقص أكسجة التي تكون سببًا في عدم إيصال الأوكسجين إلى الخلايا الدماغية، ما يؤدي الى تلف بعض الخلايا الدماغية والتي قد تؤثر عليه من الناحية الحركية أو العقلية والسمعية وحتى البصرية، وقد تتسبب هذه الأخطاء بأكثر من إعاقة، بحسب سليمان.

وتابع: “هناك بعض الأخطاء الطبية التي قد تحدث خاصة عندما تكون الولادة قيصرية، فقد يعطي الطبيب بعض الجرعات المخدرة أكثر من المطلوب للأم، وهذا قد يكون سببًا في حدوث إعاقة لدى الطفل، وارتفاع درجة الحرارة وحدوث اختلاجات كلها قد تؤدّي للإعاقة، كما أن هناك أسباب بعد الولادة كالحوادث أو الإصابة باليرقان النووي وكما نسميه بالعامية “أبو صفار”.

وأشار سليمان إلى تعرض الأم الحامل لصدمة نفسية كالخوف الشديد أو بعض الصدمات الأخرى، ما يرفع احتمال حدوث الإعاقة لدى الطفل، ويشدّد في هذا الصدد على ضرورة اهتمام الأم بصحتها النفسية واتباع نظام غذائي لمنع حدوث أي ضرر للجنين.

 

أخطاء طبّية

يُجمع الأطباء على وجود أخطاء طبية تتسبب في حدوث الاعاقة لدى الطفل ولكنهم يجمعون في الوقت ذاته على إن هذه الأخطاء لا تكون مقصودة.

تقول الطبيبة المتخصّصة بالأمراض النسائية نسرين بك لـ “بوابة سوريا“: “هناك أخطاء توليدية وأخطاء من تناول أدوية مشوهة والتعرض لإشعاعات”، موضحةً أنّه ليست كل إعاقة بالضرورة ناجمة عن خطأ طبي، لأن هناك تشوهات داخل الرحم يمكن تصحيحها، في حين أن هناك تشوهات مميتة لا يمكن تصحيحها.

وتضيف الطبيبة بك، أن الطبيب له دورين في منع حدوث الإعاقة، الأول هو اختيار الطريقة المناسبة للتوليد، وأدوية للوقاية من التشوهات مثل “الفوليك اسيد” فضلاً عن ضرورة الحفاظ على تغذية شاملة ووافية، وهنا لابد للمريض أن يكون متعاونًا، كما أن الإعاقات لا تأتي جميعها عن طريق التوليد فهناك إعاقات داخل الرحم وتشوهات خلقية.

وتؤكّد على أهمية وجود جهاز “الايكو دوبلر” والذي يساعد كثيرًا في الكشف عن الجنين، ولكنها تؤكد في الوقت نفسه أن هذا الجهاز مطلوب من طبيب الأشعة وليس من الطبيب النسائي، مبيّنةً أنّه و=في الدول الأوربية، لا يكون الطبيب النسائي مسؤولاً عن إجراء “إيكو” للمريضة ولكن قسم الاشعة هو المعني بإجراء الفحوصات، في حين أن الطبيب النسائي يعالج ويولد فقط.

يذكر بأن جهاز الإيكو دوبلر أو الرباعي باهظ الثمن وليس بمقدور جميع الأطباء اقتنائه.

 

معهد الصم والبكم في الحسكة  

تأسس معهد الصم والبكم في مدينة الحسكة عام 2008، وهو معهد حكومي تابع للنظام السوري ويتبع لوزارة الشؤون الاجتماعية والعمل.

وعن معايير القبول في هذا المعهد تحدث مصدر خاص لـ “بوابة سوريا” أن قبول الصم والبكم في المعهد يتم عبر معيارين أساسيين، الأول أن يكون عمر المتقدّم بين السادسة والعاشرة، والثاني أن يكون الطفل لديه إعاقة سمعية أي أن تكون عدم قدرته على الكلام نتيجة لمشكلة في السمع.

وأضاف المصدر، أن عدد أطفال المعهد بلغ في السنة الأولى لتأسيسه 32 طفلاً وطفلة ومن ثم بدأ العدد في التزايد في السنوات التالية ولكن ومع بداية العام 2011 بدأ العدد بالانخفاض نتيجة تراجع الخدمات المقدمة من قبل المعهد، حيث كان هناك في البداية باص من ثم باصين لنقل الأطفال من وإلى المعهد وبشكل مجاني، إضافة لوجود مخبر لغوي “هيتفون” لنقل الكلام إلى الأطفال، وغرفة للعزل الصوتي مجهزة لاختبار السمع وأخرى لتخطيط جذع الدماغ، كما كان هناك معالجين نطق أكفاء يخضعون لدورات تدريبية كل عام.

ولكن بحسب المصدر، فإنّه في هذه السنة لم يبق في المعهد سوى 30 طفلاً والمعهد الآن أصبح عبارة عن قاعات صفية لتعليم الأطفال وتحفيزهم على النطق في السنة الأولى “التحضيرية” من خلال المخارج الصوتية حتى يتكون لديهم أكبر مخزون لغوي، وفي السنة الثانية يتم تعليمهم من خلال المنهاج التربوي الموضوع لهم من خلال الإيماء. 

 

محاولات دمج

لا توجد إحصائية دقيقة حول أعداد ذوي الاحتياجات الخاصة في مناطق الإدارة الذاتية، لكنها تسعى “هيئة الشؤون الاجتماعية والعمل” لإحصائهم بشكل دقيق، وتقوم بذات الوقت في تقديم الدعم لهم من خلال إنشاء بعض المراكز الخاصة بهؤلاء.

تقول هيفي خلو، وهي موظفة في “هيئة الشؤون الاجتماعية والعمل” لـ”بوابة سوريا”: “نقوم بجمع أسماء الذين لديهم احتياجات خاصة، ولكن لا توجد إحصائية دقيقة لدينا إلى هذه اللحظة، ونقوم حاليًا بتركيب سماعات للأطفال الصم والبكم من عمر ستة سنوات إلى عمر 18، كما نقوم بتقديم الكراسي المتنقلة وذلك بالتنسيق مع المنظمات العاملة في هذا الشأن.

تضيف خلو: “نعمل على آلية أخرى وهي دعم عوائل ذوي الاحتياجات الخاصة، عبر تقديم مشاريع صغيرة لهم، كما قمنا بفتح مركز خاص لهم في مدينة الحسكة، ونحن بصدد فتح مراكز أخرى في كافة المدن حتى يستفيدوا من جميع الخدمات المقدمة وبشكل مجاني بالكامل”

وتكاد تكون مراكز ذوي الاحتياجات الخاصة نادرة وإن وجدت فإن خدماتها ليست بالمجان فهي تصل لـ 300 ليرة سورية في الساعة الواحدة، وليس بمقدور أي شخص ارتياد هذه المراكز.

وافتتح مؤخرًا مركز “رنكين” لذوي الاحتياجات الخاصة التابع لـ “لإدارة الذاتية” ويقدم خدماته بالمجان.

عن هذا المركز تحدثت حليمة فاطمي الإدارية في المركز قائلةً: “حتى الآن سجل لدينا 58 طفل منهم 25 طفلا مواظبون على الدوام، وبسبب ضيق مساحة المركز نحن بحاجة لمراكز أكبر كي نستطيع استيعاب أكبر عدد ممكن” موضحةً أن الأطفال المسجلين في المركز هم (صم وبكم – متلازمة داون – التوحد – فرط النشاط)

وتضيف فاطمي، أن كل حالة تحتاج خدمة معينة، فالأطفال المصابون بمتلازمة داون نقوم بتدريبهم عن طريق رياضات معينة وتعويدهم على الاعتماد على النفس ونعلمهم كيف يرتدون ملابسهم، لأن ذويهم يفرطون في دلالهم ولا يعلمون بأن هذا سيؤثر عليهم سلبًا، في حين أن الأطفال الذين يعانون من مشاكل في النطق نقوم بتعليمهم على اللفظ الصحيح من خلال مختصين في هذا المجال.

وأقام مركز رنكين حفلاً ترفيهيًا لمزاولي المركز من ذوي الاحتياجات الخاصة بمناسبة اليوم العالمي لذوي الاحتياجات الخاصة حيث تضمّن الحفل أداء أغنية راقصة من قبل الأطفال بشكل جماعي كانوا قد تدربوا عليها سابقًا وألعاب تشجيعية وكلمة للمركز للأهالي وفي نهاية الحفل قام المركز بتقديم هدايا للأطفال.

الجدير بالذكر أن مركز رنكين خصص باص لهؤلاء الأطفال حيث يتم نقلهم من وإلى المركز بشكل مجاني.

1
اترك رد

avatar
1 Comment threads
0 Thread replies
0 Followers
 
Most reacted comment
Hottest comment thread
0 Comment authors
Recent comment authors
الأحدث الأقدم الأكثر تصويتاً
trackback

[…] الطفل السوري من ذوي الاحتياجات الخاصة فرحة حصوله على هذه الهدية بعد أن فقد ساقه اليمنى إثر […]