عقب اندلاع الثورة السورية، اضطر الكثير من الطلاب الجامعيين إلى ترك جامعاتهم بسبب الملاحقات الأمنية من قبل قوات الأسد التي بدأت بالاعتقالات، بعد مشاركتهم في المظاهرات السلمية بمختلف المحافظات السورية، واستمر الأمر لسنوات عديدة إلى أن افتتحت جامعات ومعاهد من ضمنها “جامعة حلب الحرة” في مناطق سيطرة الجيش الحر شمالي سوريا، والتحق بها الطلاب بشكل تدريجي، إلا أن الكثير من العوائق والعقبات كانت بانتظارهم.

يواجه طلاب جامعة حلب الحرة التابعة للحكومة السورية المؤقتة، بعد نقل جميع مقراتها إلى منطقة اعزاز صعوبات كثيرة، أبرزها تباعد المسافات للوصول إلى الجامعة، والتكاليف المادية الكبيرة التي يضطرون لدفعها في ظل أوضاع اقتصادية سيئة يمر بها معظم قاطني المناطق المحررة.

 

الطريق طويل والتكاليف باهظة

ظروف السفر الصعبة أجبرت الكثير من الطلاب الجامعيين القادمين من مناطق بعيدة إلى مدينة اعزاز لاستئجار منزل قريب من الجامعة وذلك للتخفيف عن أنفسهم أعباء السفر وتوفير وقتٍ للدراسة.

علاء يونس طالب جامعي، يدرس في السنة الثانية بكلية الحقوق، وينحدر من مدينة الأتارب غرب حلب، استأجر بصحبة عدد من رفاقه منزلاً قرب مبنى الجامعة، يوضح لـ “بوابة سوريا” جزءًا مما يعيشونه خلال دراستهم بقوله: “في الأشهر الأولى من التحاقي بالجامعة كنت أخرج فجر كل يوم من منزلي في مدينة الأتارب بسيارة أجرة لأصل في الموعد المحدد لحضور المحاضرات بالجامعة، قاطعًا مسافة تتجاوز 125 كم، حيث يتوجب على المسافر من مدينة الأتارب إلى اعزاز أو بالعكس دفع مبلغ مالي لا يقل عن 2500 ليرة سورية”.

ويضيف “يونس”، أن التكاليف والوقت المهدور خلال السفر كان كبيرًا، ما دفعه للاضطرار إلى استئجار منزل صغير قريب من الجامعة بالشراكة مع أربعة من أصدقائه الجامعيين، ليكون ملاذهم بعد انتهاء محاضراتهم الجامعية وليتسنّى لهم الحصول على الوقت الكافي للدراسة”.

ونوه “يونس” إلى أن هناك الكثير من الطلاب الذين يُجبرون على السفر بشكل يومي من منازلهم إلى الجامعات وتحمل أعباء السفر وتكاليفه، مشيرًا أن الطالب يحتاج للوصول من الأتارب إلى جامعة اعزاز لوقت طويل لا يقل عن أربع ساعات، بسبب سوء الطرقات وكثرة حواجز الجيش السوري الحر، إضافة لوقوف السيارات في الكراجات بمدينتي اعزاز وعفرين.

مصاريف تثقل كاهل الطالب

بالنسبة للطلاب فإن الاستئجار ليس بالحل الجيد بسبب تكاليفه العالية، ولكن لا يوجد حلول أخرى، حيث يضطر الكثير من الجامعيين لاستئجار المنازل في منطقتي اعزاز ومارع بشكل جماعي وبأجور مرتفعة ليتمكنوا من إكمال دراستهم.

وتتألف جامعة حلب الحرة من قسمين، قسم في مدينة مارع ويضم طلاب الطب البشري والصيدلة، وآخر في اعزاز يضم باقي الكليات.

وقال محمود أبو الليث أحد طلاب جامعة اعزاز لـ “بوابة سوريا”: “عمدت مع أربعة من أصدقائي في الجامعة إلى استئجار منزل صغير مكون من غرفتين في مدينة اعزاز قرب مبنى الجامعة، مقابل مبلغ قدره 125 دولارًا أمريكيًا، حيث نقوم بدفع الإيجار لصاحب المنزل كل ثلاثة أشهر دفعة واحدة حسب طلبه أي ما يعادل 375 دولارًا، ويعتبر المبلغ الذي ندفعه مقابل إيجار المنزل من أبسط المبالغ، فهناك منازل أخرى تؤجر للطلاب بأكثر من 200 دولار للشهر الواحد”.

وأردف “أبو الليث” أن “هذا المبلغ ليس بقليل، ويتبعه دفع ثمن الكهرباء التي قد تصل شهريًا إلى 200 ليرة تركية خلال فصل الشتاء، إضافة لمصروف التدفئة والذي يقدر بـ 15 ألف ليرة سورية تدفع ثمن أسطوانتي غاز شهريا، كل هذا دون حساب مصروف الطعام اليومي الذي يقدر يوميًا للطالب الواحد بمبلغ 1500 ليرة سوريا”.

وبحسبة بسيطة يتبيّن أن متوسط مصروف الطالب الجامعي في الشهر الواحد يتخطى حاجز المئة ألف ليرة سورية، في ظل ظروف اقتصادية ومعيشية صعبة يعيش بها معظم قاطني المناطق المحررة.

عدم توفّر سكن جامعي

المصاريف الكبيرة أثقلت معظم الطلاب والسبب يعود بشكل أساسي لعدم توفر سكن جامعي يؤوي الجميع ويتيح لهم جو التعليم المناسب، فهناك سكن صغير يؤوي العشرات فقط، وإدارة الجامعة تشارك طلاب الكليات التطبيقية في دفع أجور منازلهم التي يتم استئجارها من المدنيين.

ونشر الحساب الرسمي للجامعة مقطع فيديو يوضح أن إدارة الجامعة استأجرت 19 منزلاً مفروشًا  في مدينة اعزاز ليقيم فيه عدد من طلابها، أما مدينة مارع فتضم سكنًا جامعيًا مصغرًا وهو عبارة عن 8 مهاجع و 13 كرفانة وبنائين مؤلفين من ثلاثة طوابق.

ووفق الفيديو فإن عدد الطلاب الكلي في قسم الجامعة بمدينة اعزاز 435 طالبًا وطالبة، أما في مدينة مارع فعدد الطلاب فيها 110 طلاب.

بدوره لفت طالب كلية الاقتصاد محمود الخالد بحديثه لـ “بوابة سوريا”، إلى أن إدارة الجامعة تسهم بشكل بسيط في مساعدة طلاب بعض الكليات مثل كلية الطب البشري والصيدلة في مارع والهندسة باعزاز عن طريق دفع نصف إيجار المنزل الذي يتشارك عليه ما لا يقل عن أربعة طلاب.

وأضاف “الخالد” أن هناك عددًا من الكرفانات قرب بناء الجامعة في مارع تعد بمثابة السكن الجامعي، لكنها لا تضم إلا عددًا قليلا من الطلاب بسبب قلتها وصغر حجمها، مشيرًا أنها غير مخدّمة بشكل جيد وتفتقر إلى الكثير من الحاجات الأساسية.

وتواصلت “بوابة سوريا” مع إدارة الجامعة للاطلاع على تفاصيل أكثر ومعرفة المشاريع المستقبلية لهم والمساعدات التي يقدمونها للطلاب، إلا أنها لم تتلق أي رد.

 معاناة إضافية

لا تنتهي العقبات أمام طلاب الجامعات، فبمجرّد أن يتم حل مشكلة حتّى تظهر مشكلة أخرى في ظل عجز واضح للمؤسسة المسؤولة عنهم، ربما لأمور تتعلق بالدعم أو عدم توفر الإمكانيات.

يقول طالب كلية طب الأسنان أحمد عمر لـ “بوابة سوريا”: “يعاني كما معظم الطلاب من مشكلة بعد بناء الجامعة في اعزاز عن المنازل التي يستأجرها الطلاب، وعدم وجود حافلة نقل تقلهم جميعًا إلى الجامعة، ما يضطرهم للسير على أقدامهم مدة تتراوح بين العشرين والستين دقيقة للوصول إليها.

ويضيف “العمر” أن الجامعة بحاجة لمختبرات إضافية ومعدات، حيث يضطر الكثير من الطلاب لعدم ممارسة الاختبارات العملية التي من شأنها تقوية الطلاب وخاصة قسم الطب، بسبب عدم حصولهم على دور في القسم العملي نتيجة العدد الكبير للطلاب والعدد القليل للأجهزة العملية.

وأشار “العمر” في نهاية حديثه، أن الظروف المعيشية الصعبة، تجبر الكثير من الطلاب على عدم شراء معدات وأجهزة تقنية تساعدهم في دراستهم وترفع من مستواهم، في ظل غياب تام للدعم من قبل المؤسسات التي تهتم بالتعليم أو منظمات المجتمع المدني أو حتى المؤسسات المحلية.

رغم كل تلك الصعاب التي تعصف بالطلاب الجامعيين إلا أنهم مصرين على إكمال دراستهم، ليكونوا فعالين في بناء مجتمع مثقف ومزود بالخبرات، لكن هل سيستمر حال التعليم في الشمال السوري على ما هو عليه؟ أم أن هناك تغيرات ستطرأ ومن شأنها دعم أولئك الطلاب ليكونوا جيل المستقبل الواعد الذي سيقود الوطن إلى التقدم والازدهار.

مصدر الصورة: جامعة حلب الحرة

guest
1 تعليق
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
trackback

[…] إدارة الكروب بجمع التكاليف من أجل التكفل بالتحضيرات اللازمة للزفاف، كفستان […]