بعض
“يحرق القلب  شيء” تقول السيدة أم كمال ذات الاثنين وسبعين عاماً وهي تغص بدموعها!  إنها حياة اللاجئ حيثما كان، واللاجئ المسنّ بشكل خاص، الذي رأى بعينيه كيف ذهب شقاء عمره بلا عوض،  وعرف أنه انقطع عن كل ما كوَّنه من عائلة وبيت وعالم حي، انقطع عن الهواء الذي ظل يتنفسه لعقود طويلة،  عن أقاربه وأرضه وحاراته وجيرانه.. ولسوف يموت بعيداً عن تراب وطنه.. !

أم كمال لا تعرف ما بها،  تردد (إنني مظلومة)! لكنها لا تعرف كيف؟  تشكو أم كمال من الأمراض التي نشبت في جسدها النحيل،  وهي ليست مريضة مرضاً محدداً – كما يقول ابنها – بمعنى أن لا مرض عضوي معين لديها  يمكن علاجه، تقول أم كمال: لقد كنت أعمل في أرضنا بيدي هاتين، كنت أوفَر قوة من حفيدي  ابن كمال الشاب ذي الواحد وعشرين سنة.. ليس من فترة طويلة.. أجل بالأمس حين كنا في بلادنا!  جيل هذه الأيام ضعيف.

تلتفت نحو الشمال تلقي نظرات قلقة باتجاه باب الغرفة ثم تقول: إيه من قال أن كنتك مثل بنتك؟ ..  وتردف بصوت مبلل بالدمع: ( ليأخذني الله ويريحني).

أم كمال تعيش مع ابنها جمال وزوجته وأولاده الأربعة في مدينة أضنة التركية،  حيث عثر جمال على عمل بصفة مياوم في مجال البناء، هم يعيشون معاً كفاف يومهم، فالعمل لا يتوفر دائماً،  وفي الأيام التي يتوقف فيها عن العمل تلّف حياتهم الحاجة والضيق.. مع ذلك يحرص جمال على الاعتناء بأمه،  يجلب لها الدواء قبل أن يجلب الخبز لأولاده، يتحدث جيرانه عنه كنموذج للرجل الطيب البار بأمه، زوجته كذلك معروفة بين الجيران بطيب سريرتها وحُسن تعاملها مع الجميع ،  مع ذلك يقول جمال: كثيرا ما أتعمد دخول بيتي بأوقات مختلفة وبطريقة مفاجئة لكي أتمكن من معرفة حقيقة شكوى أمي.. الله أوصانا بأهلنا وأن نقول الحق، والحق لم ألاحظ أي شيء..  كل ما أنا متأكد منه أن أمي لا تحب مغادرة غرفتها، ولا تسمح لأحد بدخولها ما عداي وابني وليد فقط ، ولهذا ترسل زوجتي الطعام والشراب والملابس النظيفة… كل شيء يحمله وليد لأمي.. أعرف أن حياتنا تغيرت كلياً وباتت صعبة للغاية،  لقد مضى علينا هنا سبع سنوات، نعم هذا عمر طويل، وبالنسبة لأمي لقد انتقلت إلى الشيخوخة هنا، إنه أمر صعب للغاية، لم يكن ممكناً أن نتركها هناك وحدها، لقد نجونا من تلك المجزرة .. فقد تلطفت بنا الأقدار إذا كنا حينئذ في بيتنا الثاني في المدينة.

يصمت جمال  قليلاً، يزفر بعمق،  يقول: لم تكن أمي على هذا الحال فيما سبق،  كانت حيوية ونشيطة وتطفح عافية وحباً للحياة ،  لقد تغيرت هنا، في السنوات الأولى من رحيلنا كانت تذكر القرية والأرض والأشجار والأغنام والدجاج والمنزل الذي بنته مع أبي في المزرعة.. تذكر جيراننا واقاربنا وأخواتي وأولادهن  وأبي وأخي حميد – رحمهما الله -.. كانت تملك أملاً كبيراً بالعودة.. لكنها شيئاً فشيئاً تحولت من الحديث عن البلد والبيت والمزرعة إلى الشكوى من أي شي ولأي شيء، من حرارة الجو أو برودته،  من بكاء ابنتي الصغيرة أحياناً، من طعم الخضار، من وجع المفاصل، ذات مرة أغضبتها ذبابة كانت تحوم في غرفتها.. لقد غضبت بحق!

فايزة سيدة في أواخر الأربعين من عمرها وإن كانت تبدو أكبر بعشر سنوات أخرى،   زوجة وأم لخمس أولاد، حين تراها تدرك كم تخفي من الحزن وراء ابتسامتها الخجولة تلك،  تحملت مع زوجها وأولادها عناءاً شديداً من قبل خروجهم من حمص بملابسهم فقط ومبلغ زهيد جداً لا يكفيهم مؤونة الطريق..  لذا هم تنقلوا كثيراً في القرى جنوب تركيا بحسب العمل الذي تمكن منه زوجها وأحياناً هي وولدها الأكبر الذي لم يكن قد بلغ الخامسة عشر..  أخيراً وجد زوجها عملاً في مدينة مرسين فأتيح لهم الاستقرار فيها منذ ثلاثة أعوام ضمن إمكانياتهم البسيطة.

فايزة تسافر كل يوم جمعة صباحاً من مرسين إلى ( نيده)  يستغرق طريقها ما بين انتظار ومحطات وركوب حوالي أربع  ساعات في الذهاب ومثلها في الإياب.. فهي مضطرة لذلك من أجل العناية الاسبوعية بوالدتها المقعدة والتي تعيش مع أخيها وزوجته وأولاده،  فإن ( محمد) أخا فايزة يرى أنه يكفيه ما يتحمله هو وزوجته من عبء والدته طيلة أيام الأسبوع، وأن على فايزة هي نفسها أن تقوم بتغسيل والدتها وتنظيف ملابسها وفراشها وما إلى ذلك،  ( هذا واجبك أنت وليس من واجب زوجتي).

لا تشكو والدة فايزة أبداً،  على العكس من أم كمال، هي كثيرة الصمت قليلة الكلام،  إذا ما تحدثت توجهت بالدعاء للجميع ، إنها عاجزة تماماً لا تملك وسيلة إلا الدعاء وعدّ الأيام بانتظار الرحيل النهائي.

تمسح دموعها  فايزة وهي تقول: إنني أتمكن من فعل كل شيء بفضل دعاء أمي،  أنا أعتني بأولادي، بنتي الصغرى عمرها أربع سنوات، أستيقظ في الخامسة صباحاً،  أعد الطعام للغداء، وأحضر طعام الفطور، أوقظ زوجي وأولادي وأرسلهم للمدرسة، وبعد أن يذهب زوجي إلى العمل،  ٱخذ طفلتي إلى جارتنا التي أدع ابنتي عندها مقابل مساعدتها بالأعمال المنزلية حين اللزوم.. تأخذ نفساً عميقاً وتقول بصوت محزون :  كم أتمنى لو أستطيع جلب أمي لتعيش معنا، هذا أسهل ، زوجي يقول لي: أذهب أنا و أحملها بنفسي، لكن أخي يرفض، يقول ( هذا لا يجوز، تعيش في بيت الصهر!  لا لا . يجب أن تعيش في بيت ابنها)، لكن.. أنا متعبة جداً، إنني حزينة ومتعبة، آه يا بلادي لماذا رميتينا في جحيم الغربة!

ليس ( أبو قيس)  أفضل حالاً من فايزة وجمال،  هو أب لثلاثة أولاد، بنتين وولد، يعيش هو وزوجته وأولاده وأبوه المٌسنّ في مدينة بورصة التركية،  أبو قيس يحمل ماجستير في الاقتصاد، تمكن من إتقان اللغة التركية لكنه لم يجد عملاً مناسباً له، أخيراً اضطر للعمل في ورشة كبيرة للنجارة،  ( الحياة تتطلب ذلك) يقول ويردف: ليس هذا ما يزعجني، لقد اعتدت العمل وأتقنته، وعلاقاتي طيبة مع كل العاملين والمدير ومعلمّي المهنة، ما عدا..  يغّص ثم يقول: ماعدا أبي وزوجتي! إنني في حيرة تامة من أمري، فإن أنا وضعت نفسي مكان زوجتي أجدها على حق، وإن فكرت بأبي فأجدني مليئاً بالحزن لما آل إليه! 

لقد ضعفت قدرات أبي الذهنية،  بينما مازالت صحته الجسدية جيدة، هذا  يعني أنه يستطيع المشي والنهوض والتحدث..  لكنه إذا خرج من المنزل يضيع، ولقد حدث ذلك أكثر من مرة،  ولهذا على زوجتي أن تكون دائمة الحذر، عليها أن ترعاه وتراقب  أفعاله، تقفل الباب بعد خروجي أنا أو أحد الأولاد.. وعليها أن تبعد عنه كل ما يستطيع إيذاء نفسه بواسطته،  فقد أقدم ذات مرة على حلاقة رأسه بالسكين فجرح رأسه بطريقة مخيفة.. البارحة كانت قد أعدت العشاء، وحين عدت مساءاً اكتشفنا أن قدر الطعام مخلوطاً بالرمل.. سألت أبي لماذا فعلت هذا يا أبي؟  قال: لقد وضعت التراب للدالية كي تكبر! .. للأسف لقد أمضت زوجتي ساعتين كاملتين في لف ورق العنب من أجل عشاءنا.. في الحقيقة هو يعاني الملل والسأم، لقد فقد ذاكرته كنوع من محاربة الحنين للوطن الذي كان يبكيه في أول قدومنا إلى تركيا، ،بالرغم من كونه لم يبلغ السبعين،  منذ أيام جعل يطارد ابنتي الصغيرة لكي تجلب له المفتاح وكاد يضربها بعكازه الغليظ.. وفي مساء نفس اليوم سألني بكل هدوء ( هل تحسنت الليرة السورية؟ أم مازالت تهبط ؟ ) 

لا يمكنني التخلي عن أبي،  ولا أستطيع ترك عملي للتفرغ له،  إنني أعرف أن زوجتي على حق حين تقول لي ( والله لو كان علي رعاية عشر أطفال لكان  الأمر أسهل من العناية بأبيك ). أقول لها: نعم أنت على حق، ماذا أفعل يا امرأة؟  لا يمكنني التخلي عن أبي ولا يمكنني التفرغ له بسبب وقت عملي الطويل، أعرف أن تحمّله وحدك مرهق لك،  وأنا أشكرك وأدعو لك يا رفيقة الغربة.

تبكي زوجتي وأنا أبكي  ويزداد حال أبي سوءاً.. 

 نعم لدي أخوة،  لكن لا أحد منهم هنا،  لقد بعثرتنا بلادنا، كلاً في بلد..  

لعن الله الطغاة كيف يطيقون تشرد الملايين وقهرهم ويبقون!  لعن الله كل من كانت له يد في مأساتنا.. هذا دعائي اليومي!  

يمثل اللاجئون المسنون نسبة   08.5/0. من إجمالي اللاجئين السوريين بحسب المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين،  ونذكر أن الجمعية العامة للأمم المتحدة اعتمدت مبادئ الأمم المتحدة المتعلقة بكبار السن في قرارها رقم 91/46 في 16 كانون الثاني / نوفمبر 1991 والذي ينص في بنوده الأساسية على ضمان الحكومات لكبار السن  ما تشمله هذه البنود: الاستقلالية،  المشاركة، الرعاية،  تحقيق الذات، الكرامة.

مما جاء في البند الأخير: 

  1. ينبغي تمكين كبار السن من العيش في كنف الكرامة والأمن دون الخضوع لأي استغلال أو سوء معاملة جسدياً أو ذهنياً. 
  2. ينبغي أن يعامل كبار السن معاملة منصفة بغض النظر عن عمرهم أو نوع جنسهم أو خلفيتهم العرقية أو الإثنية أو كونهم معوقين أو غير ذلك ،  وأن يكونوا موضع التقدير بصرف النظر عن مساهمتهم الاقتصادية. 

أما تقرير الجمعية العالمية للشيخوخة بتاريخ 8-12 نيسان / أبريل 2002 فقد ورد في المادة التاسعة منه ما يلي: نلتزم بالدفاع عن كبار السن ومؤازرتهم في حالات النزاع المسلح والاحتلال الأجنبي. 

بعض بعض بعض بعض بعض بعض بعض بعض بعض بعض بعض 

guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments