جسور
تتربع مدينة حماة على ضفتي نهر العاصي الشرقية والغربية، الذي يخترق المدينة من منتصفها، ويشطرها إلى نصفين، لذلك لا بد من جسور تربط بين الضفتين وأحياء المدينة.

وفي مدخل نهر العاصي من الجهة الشرقية لمدينة حماة، شُيّد “جسر الحديد” الذي يربط منطقة الشريعة بمنطقة الجسور، كما يطلق عليه اسم “جسر سلمية” لأنه على طريق مدينة سلمية في ريف حماة.

وشيّد الفرنسيون هذا الجسر، في زمن الاحتلال الفرنسي للمدينة، ولكن بعد هذه المدّة فهو يحتاج إلى صيانة في دعاماته الحديدة التي اهترأت مع مرور الزمن.

 

جسور حماة بين الماضي والحاضر

يقول عبد الحميد الشحنة، أحد أبناء مدينة حماة عن جسور المدينة: “عندما نسير مع اتجاه نهر العاصي بعد جسر الحديد، نصادف منطقة الأربع نواعير وهي منطقة خالية من الجسور لأنها ليست بحاجتها فهي منطقة بساتين وأشجار، وكانت تلك المنطقة في عهد الثورة الأول، مكانًا لتجمّع الثوار لأنها كثيفة الأشجار والبساتين لذلك كانت تحمي الثوار وتؤمّن لهم مخبئًا من قوات الأسد التي تلاحقهم”.

وأضاف الشحنة، أنّه بعد اجتياز هذه المنطقة نجد جسرًا حديث التشييد إلى حد ما، وهو جسر العبيسي، و شُيّد في العهد الفرنسي مع بدايات الاستقلال، ويربط ساحة العاصي مع حي الزنبقي والبارودية والحاضر.

وجاء تشييد هذا الجسر من الحجارة القديمة السوداء، ويعتبر من أكثر الجسور في المدينة حيوية لوجوده وسط المدينة.

وقال أحمد الطويل، من أبناء حي الزنبقي ومعتقل سابق لدى قوات الأسد: “استخدمت قوات الأسد جسر العبيسي مع بدايات الثورة، لتضع حواجز طيّارة عليه، من أجل الإمساك بالمتخلّفين عن الخدمة العسكرية والملاحقين أمنيًا”.

وأضاف الطويل: “كنت أحد الأشخاص الذين اعتقلتهم قوات الأسد من على الجسر وزجت بي في سجنٍ تابعٍ لفرع “الأمن العسكري”، وبعدها تم سوقي للخدمة الالزامية، ووضعي على أحد الحواجز فتمكّنت من الانشقاق”.

 

من جسور وحدائق إلى مفرزات أمنية

بعد جسر العبيسي، يأتي جسر الغزالة وهو جسر قديم يعود تاريخه إلى العصر الروماني، ويعرف حاليًا باسم “جسر حديقة أم الحسن” أو “بستان أم الحسن”، كونه يشبه البستان بسبب كثافة الأشجار والحراج في محيطه.

ويربط هذا الجسر، بين تل الدباغة مع حي الحاضر، وهو الجسر الأقدم في المدينة، يغلب الطابع الأثري على هيكله، ويربط أيضًا بين ساحة العاصي وجزيرة الدباغين، وهي جزيرة قديمة، ولكن حاليًا تم تشييد “جسر المراكب” مكانها.

ويوضّح ناصر العبد أحد أبناء مدينة حماة، أن حديقة أم الحسن أو جسر الغزالة، تحوّلا من حديقة وجسر فوق نهر العاصي يجسّدان الطبيعة، إلى مكانٍ لتجمّع عناصر قوات الأسد، الذين اتخذوا من تلك الحديقة مكانًا للاعتداء على المارين ومصادرة أموالهم بالإكراه، كما أن قوات الأسد اعتقلت عددًا من المدنيين على جسر الغزالة، بسبب مواقفهم المعارضة لنظام الأسد، وهناك منهم من بقي في المعتقل حتّى هذه اللحظة”.

وأضاف العبد: “كانت قوات الأمن التابعة لنظام الأسد، تقف على الجسر، وبمجرد أن تشاهد شابًا مارًا من الحديقة توقفه وتحقق معه، وإن عرفت أنه بدون هوية أو من معارضي نظام الأسد تعتقله مباشرة”.

 

جسر العشّاق؟

أما الجسر الرابع في مدينة حماة، فهو “جسر بيت الشيخ” والذي يُطلق عليه أيضًا اسم “جسر الكيلانية” نسبة للشيخ عبد القادر الكيلاني، بحسب عبد الحميد الشحنة، أحد أبناء مدينة حماة.

ويربط هذا الجسر بين حي الطوافرة والباشورة وبستان السعادة مع حي الكيلانية، وهو جسر قديم اختلفت الروايات حول فترة إنشائه، إلا أنه بني في أوائل القرن الرابع عشر ميلادي.

ويتكوّن هذا الجسر، من خمس قناطر حجرية، وعرف الجسر في سنوات الثورة بتجمّع التظاهرات في محيطه، ولكن قوات الأسد استخدمته لاحقًا كغيره من الجسور، بوضع حواجز طيارة وعناصر أمنية بين الحين والآخر لملاحقة المتظاهرين والعائدين إلى الحي ليلاً ونهارًا.

بعد جسر بيت الشيخ، يأتي “جسر الرئيس” الممتد أيضًا على مسار نهار العاصي، وتم تشييده في نهاية السبعينات ليربط حي الجسر مع حي طريق حلب الجديد، ويعبر فوق حي باب الجسر الذي دُمّر جزء كبير منه في أحداث الثمانينات.

ويفصل الجسر حي الحيرين عن حي باب الجسر، ووضعت قوات الأسد حاجزًا عليه في الأشهر الأولى من بداية الثورة لمنع المظاهرات، واعتُقل من فوق الجسر عددًا كبيرًا من المدنيين والناشطين في حماة.

أما أكبر جسر في مدينة حماة وأقدمها، فهو “جسر الهوى” ويقع في حي “باب الجسر” أحد أقدم أحياء مدينة حماة، ويتمركز هذا الجسر فوق جسر الرئيس، وهو جسر مرتفع جدًا، ويقول عنه سكّان المدينة، إنّه سُمّي بهذا الاسم لأنه مرتفع ويعبر من خلاله “الهواء العليل”، في حين أن هناك رواية أخرى تقول إنه كان مكانًا للقاء العاشقين لذلك سمي باسم “جسر باب الهوى”.

 

فيضان الجسور

في فصل الشتاء وعندما تشتدُّ غزارة الأمطار، كانت تفيض جميع الجسور في المدينة وترتفع مياه النهر لتغمرها كما تُقطع حركة السير عدا عن جسر الهوى، الذي لم تغمره مياه النهر أبدًا بسبب ارتفاعه، وذلك على الرغم من الفيضان الشهير لنهر العاصي في عام 2003، حيث غمرت مياه النهر جميع الجسور، ما عدا جسر الهوى الذي بقي سالكًا للحركة والسير.

ويربط “جسر باب الهوى” بين أجزاء حي باب الجسر وهو الحي الوحيد الموجود على ضفتي نهر العاصي، على عكس باقي الأحياء الموزعة إما على الضفة الغربية أو الشرقية.

واختلفت مسميات الجسور نسبة لأماكن وجودها والأحياء التي تربط بينها، فهناك “جسر باب النهر” الذي تم تشييده في العصر الروماني، مقابل ناعورة المحمدية، ويصل بين البساتين الشمالية الموجودة شمال المدينة مع حي المدينة على يسار النهر، ويتّضح من هيكل بناؤه الحجارة القديمة المتماسكة بلونها الداكن الذي يظهر التراث عليه.

وهناك جسور تعود لحقبة تاريخية متوسطة كجسر السرايا أو كما كان يسمى بـ “جسر المراكب” ويعود تاريخ بناؤه منذ حوالي 400 عامًا ويبلغ طوله 46 مترًا وعرضه 8 أمتار، وهو جسر حجري مؤلف من سبعة قناطر حجرية، انشئ مؤخراً على جزء منه مطعم جسر المراكب كما يوجد عدة مقاهي فوق الجسر.

وتتميز مدينة حماة بجسورها العريقة، التي تعود لحقب زمنية مختلفة، إلا أنها تشبه بعضها في التصميم والغاية، فجميعها حجرية وكأنها صنعت من ذات الحجارة وفي ذات الوقت، كما أنَّ جميعا شُيّد على نهر العاصي لتصبح اماكن للسياحة والترفيه في أيام الصيف لكثير من سكان المدينة، كما تعرضت معظم الجسور نتيجة مرور الزمن وتأثرها بالأحوال الجوية لتلف واهتراء وتغير في ملامحها.

مصدر الصورة: فليكر

 

 

guest
1 تعليق
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
trackback

[…] جسور حماة.. من أماكن تنزّه إلى مفارز اعتقال […]