قبل
أكثر من 20 مليون سوري في أصقاع الأرض عليهم أن يضبطوا ساعاتهم مع أولى أيام السنة الجديدة على إيقاع الـ دومكا وأوبرا القذائف والقنابل الروسية التي تدكّ ما تبقى من مدنٍ وبلدات في محافظة إدلب السورية.

موحشٌ هذا العالم بشكلٍ فاقع، هل من بُعد عاشرٍ لما يجري الآن؟ لا تنتظروا عشتار لتجيب أسئلتكم فقد تركها تموز لمصيرها المحتوم على أنقاض شجرة في دمشق!

في العام 2017 انعقدت أول جلسات مؤتمر أستانة، وكانت مخرجاتها قد شكّلت أزمةً حقيقة بين القوى المسيطرة على الأرض خاصة في إدلب، إذ أن التوافق التركي الروسي على فتح الطرق الدولية المعروفة بـ M5 و M4 لم يكن خافياً على أحد ونشرته العديد من الوسائل الإعلامية وقتذاك، في إشارة بديهية إلى أن جميع ما يحيط بتلك الطرق سينتهي به المطاف إما مسيطراً عليه من قبل النظام أو الروسي أو تحت الوصاية التركية، وهذا ما بدأ يحدث تلقائياً شهراً بعد شهر من محادثات أستانة، تجلّى ذلك بشكل واضح عندما سيطر النظام على مدينة “مورك” بريف حماة.

ولكن ما العمل؟ إذا كنا نعلم أن النظام سيتقدم إلى خان شيخون، وسينطلق بعدها إلى معرة النعمان، وقريباً سيقتحم سراقب وصولاً إلى معبر باب السلامة (عن طريقه أو عن طريق الروس) لفتح الطريق الدولي الواصل بين تركيا ومعبر نصيب الحدودي مع الأردن، وفتح الطريق بين حدود ولاية هطاي التركية مروراً بحلب والجزيرة السورية وصولاً إلى الموصل في العراق عبر الطريق M4، إذا كنا نعلم أن كل ذلك سوف يحدث فما نفعل؟

الأمريكيون والأتراك يطمئنوننا بأنه لا أبعاد لما يحدث، ولكن من يصدق؟ فاللعبة لم تعد تخضع لأي منطق و الأمريكان منفضّون الآن لتصفية حساباتهم في العراق بعد استهداف قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس، في خطوة اعتبرها الكثيرون تصب في صالح تشذيب الوضع الإيراني في العراق، إذ أن مرحلة ما قبل سليماني ستختلف كليّاً عن مرحلة ما بعده، فلطالما تمثّل الوجود الإيراني في العراق عبر كتل شيعية وازنة، لم تنل منها جميع الظروف التي مرت بالعراق، بل كانت أحد الحوامل الرئيسة لاكتساح البرلمان، بيد أن استهداف سليماني والمهندس بتلك الطريقة الهوليودية من شأنه أن يعيد توحيد صفوف البيت الشيعي بجميع فرقائه وبالتالي طي صفحة الثورة العراقية الوليدة تحت شعار “الموت لأمريكا” والانكفاء إلى المعسكر الطائفي مرة أخرى بعد أن توسم العالم خيراً ببدء انفكاك العراقيين من القيود المذهبية والطائفية بعد اندلاع الثورة.

إيران التي تعيش وضعاً اقتصادياً مأساوياً قدح شرارة ثورة لم تر النور بعد في امتداد للثورة الخضراء عام 2009، حتماً يسعى لحرب -أي حرب- تنتشلها من المستنقع الاقتصادي الذي تعيش فيه، لذلك لم تكفّ منذ مطلع العام الماضي عن التحرش بالقواعد والوحدات الأمريكية عبر الميلشيات الشيعية التي تحكم العراق، فضلاً عن استهداف ناقلات النفط الأمريكية في الخليج العربي نهاية العام الماضي، واحتجاز ناقلة النفط البريطانية “ستينا إمبرو” في تموز من العام 2019.

لتأتي عملية اغتيال سليماني والمهندس ليزلزل القرار الإيراني ويدفعه ليتكشّف عن نوايا لطالما كانت طهران تمارسها على استحياء، كان آخرها أن كشفت عن قرارها المتعلق بالخطوة الجديدة من خطتها الخاصة بالتخلي عن التزامات إضافية في الاتفاق النووي المتعثّر أصلاً، إذا  كشف المتحدث باسم الخارجية الإيرانية، عباس موسوي أن القرار بهذا الصدد اتخذ في وقت سابق، لكن “نظرا للظروف” الناتجة عن مقتل رئيس فيلق القدس في الحرس الثوري قاسم سليماني في العراق الجمعة بضربة أميركية: “سيتم إجراء بعض التعديلات على القرار المتخذ” والذي كانت طهران فعلياً بدأت تنفيذه في أيار/ مايو من العام الماضي.

وفي لبنان يبدو أن صدى مقتل سليماني بدأ بالتأثير فعلياً، فحيث البلد الغارق بالفساد وبالـ 90 مليار دولار الدين العام، حيث أن الثورة الشعبية التي انطلقت في السابع عشر من تشرين الأول نجحت في أولى خطواتها بإجبار رئيس الحكومة سعد الحريري على الاستقالة، رغم تراجعه مرة واعتذاره أخرى، وحيث المصارف التي بات الحديث عنها يتواتر بأن اموال مودعيها قد تبخرت إما لصالح المسؤولين الفاسدين وإما لصالح المشاريع الحكومية غير المنجزة، وبين هذا وذاك تردد صدى مقتل سليماني ليطوي الحديث عن الثورة اللبنانية هي الأخرى، والانكفاء لترقب ما سيحدث في لبنان الذي طالما كان ساحة لتصفية الحسابات خاصة عندما يتعلق الوضع بإيران.

يبدو الشرق الأوسط على صفيح ساخن مرة أخرى، والحديث عن حرب عالمية ثالثة يتصدر هاشتاغات توتير، في الوقت الذي ينظر الخبراء إلى عودة جدية للصراع الأمريكي الروسي الصيني، ووسط هذا كله، ينقضي أسبوع أول من العام 2020، وتشخص الأبصار بانتظار الأسابيع الـ 51 المتبقية.

مصدر الصورة: ويكيميديا قبل قبل قبل قبل 

اترك رد

avatar