تداخلت مكونات الصراع السوري وطبقاته والقوى المحلية والإقليمية والدولية المشاركة فيه، على الرغم من وضوح المطالب وقت انطلاقة الاحتجاجات الشعبية في مواجهة سلطة مستبدة، تطالب بحقها في الحرية، وفي تقرير مصير بلدها.

قد نختلف حول توصيف الانطلاقة، هل هي ثورة، أم انتفاضة، أم حراك.. إلخ من التوصيفات، لكن تلك الانطلاقة كانت تحمل شعارات واضحة تشير إلى عطش السوريين للحرية، على الرغم من افتقادها إلى نضوج في العامل الذاتي، ليشكل حاملاً لمشروع الحريات في موجة الاستبداد المتمترس في السلطة، منذ نصف قرن.منذ البداية اعتبر النظام أن مهمته تقوم على تحطيم هذه الصورة، والتعامل مع المطالب بالحرية بوصفها “حق يراد به باطل”، وبوصفها مؤامرة خارجية (كونية) على النظام الممانع، والمهمة الأساسية له، اجتثاث أدوات المؤامرة السورية الداخلية. لم يتعامل النظام مع الاحتجاجات سياسياً، لأنها في منطقه كانت حرباً عليه. وبالتالي، لا يمكن الرد على الحرب إلا عسكرياً، وبهجوم مضاد. هكذا فسر النظام الرد العسكري على المظاهرات السلمية، فهي بتوصيفه ليست سلمية، لأن المسلحين كانوا يخرجون من بين المتظاهرين، ويطلقون النار على رجال الأمن الذين يضطرون للرد على المسلحين، والذين يُقتلون هم المسلحون، والنظام لم يستهدف المدنيين على الإطلاق، حسب ادعائه.

يعود هذا الكلام إلى ما يقارب التسع سنوات، لكن هذا الوضع الذي كان واضحاً في مطالبه وانقساماته وطبيعته في ذلك الوقت، سرعان ما انقلب، وبفعل مجموعة من التدخلات المحلية والإقليمية والدولية، إلى حالة شديدة التعقيد، وارت خلفها المطالب الأولى الشعبية العادلة، التي غابت اليوم عن الصراع الذي خلف إلى اليوم مصرع ما يزيد عن 500 ألف من السوريين، وحوالي عشرة ملايين لاجئ ونازح، وعشرات آلاف البيوت المدمرة التي لم تعد صالحة للسكن. إنه اقتلاع جماعي لعشرات القرى والمدن وأحياء واسعة من المدن الكبيرة، بلد دُمّر لسنوات طويلة قادمة، وما زال التدمير مستمراً.

كيف يمكن تفسير صور الدمار القائم والمستمر في سورية، هل مطالب الحرية التي انطلقت من حناجر الشباب في منتصف مارس/آذار من العام 2011 هي التي تسببت في كل هذا الجحيم؟

الجواب، بالتأكيد لا. ما دفع سورية إلى هذا الوضع الكارثي هو نقل الصراع فيها إلى مستويات أخرى، حوّلت المطالب الداخلية بالحرية إلى شيء ثانوي. فقد تقاطعت وتضاربت مصالح لدول إقليمية وقوى دولية، وتعارضت والتقت، إلى درجة جعلت من خارطة التأثيرات السياسية على سورية نوعاً من الأحجية صعبة الحل. بالتأكيد مثلاً، إيران تسعى إلى الحفاظ على النظام، للحفاظ على مناطق نفوذها وامتداده إلى البحر المتوسط، عبر حزب الله، أداتها في لبنان الذي تدعمه لوجستياً عن طريق الأراضي السورية، وأي سقوط للنظام هو سقوط للمصالح الإيرانية هنا، واليوم ليس مستبعداً أن تستخدم الأراضي السورية للرد على مقتل قاسم سليماني.

بيد أن ذلك ليس هذا السبب الوحيد، وأعتقد أن وقف الربيع العربي في سورية مسألة ملحة لإيران، ليس بسبب المصالح الإيرانية في هذا البلد فحسب، بل لأن ثمة مخاوف إيرانية من أن أي نجاح للربيع العربي قابل لأن يصيب إيران بالعدوى، ويعيد إليها احتجاجات الشعبية في العام 2009 على الانتخابات على نطاق واسع، وهو ما يمكن اعتبار الاحتجاجات الأخيرة في إيران على رفع سعر الوقود بروفا لاحتجاجات أوسع قادمة، ما يهدد النظام الإيراني نفسه. وهذا ما يجمع إيران مع أطراف تدعم المعارضة السورية، والتي تقول إنها تعمل على إسقاط النظام، في وقت تستعمل فيه سورية حاجزاً لصد الربيع العربي عن بلدانها، لأن نجاحه لن يصيب بالعدوى تلك الدول التي وقفت ضد المطالب الشعبية بالحرية في سورية، بل سيصيب الدول التي أيدت المعارضة أيضاً.

تمدد الربيع العربي شكل هاجسا لدول كثيرة في التعامل مع الصراع المحتدم على الأرض السورية. حتى روسيا، عندها مخاوف من تمدد الربيع العربي إلى بطنها الرخوة في جمهوريات آسيا الوسطى. وهذا لا يتعارض مع الاستثمار في الأزمة السورية، من أجل إزعاج الولايات المتحدة الأميركية، على اعتبار أن الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، يعيد الاعتبار إلى مناطق النفوذ التي كانت قائمة في زمن الحرب الباردة، بعد انفجار الوضع بالنسبة له في الخاصرة الأوروبية، أوكرانيا.

لا يقتصر الفاعلون في الأراضي السورية على الدول، بوصفها أساس اللعبة الدولية. لكن، في هذا الإطار، تقدمت أيضاً الطوائف لتلعب دوراً مهماً في المعادلة السورية، وتدخل لحزب الله ولو كان بطلب من إيران، لا ينفي أنه صار فاعلاً داخلياً سورياً، ليس في جبهات القتال فحسب، بل وحتى في التأثير في القرار السياسي للنظام. وهو ما يمكن أن نقوله بشأن المليشيات العراقية الأقل تأثيراً في الصراع على الأراضي السورية.

الظاهرة التي تدل على حجم التقاطعات والتعارضات، في الوقت نفسه، في الصراع على الأرض السورية، هي «داعش»، الظاهرة التي وجدت من يدعمها جهات من الطرفين المتصارعين على الأرض السورية، وكل طرف يدعمها، أو يغض النظر عنها لأسباب خاصة به، لكن هؤلاء موجودون على طرفي الجبهة في سورية، وهو ما يجعل «داعش» تطل برأسهما من جديد بين الحين والآخر، على الرغم من إعلان النصر عليها من الجميع.

تبدو سورية اليوم أرض اختبار للصراعات والقدرة على التأثير، وكل الكلام الذي يُقال عن تسوية الصراع أو حسمه سابق لأوانه، ويبدو إحدى أهم المشكلات التي تواجه أي حل في سورية، أن لا أحد يعرف قدرة الأطراف على التأثير في الحل، بمعنى، لا يُعرف من يملك القوة لتخريب الحل، في حال استثني من المشاركة في وضع الحل، ولا يُعرف من القادر على المساهمة في الحل. باتت التأثيرات متداخلة، إلى درجة لم يعد من الممكن فرزها وتفكيكها بسهولة، وهذا التعقيد ما يجعل الوضع قابلاً للاستمرار على ما هو عليه اليوم، بوصفه الحل الأمثل لوقف مطالب جميع الأطراف المشاركة في الصراع، وعدم إعطاء أي منها إحساساً بالنصر، الذي بات مستحيلاً على الجميع في سورية اليوم.

مصدر الصورة: فليكر

الاستعصاء  الاستعصاء  الاستعصاء  الاستعصاء  الاستعصاء الاستعصاء  الاستعصاء  الاستعصاء  الاستعصاء  الاستعصاء  

guest
1 تعليق
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments