أطفال نازحون من أرياف دير الزور والحسكة وغيرها من المحافظات الأخرى، جمعتهم ظروف الحرب في مدن وبلدات الجزيرة السورية يتجولون في أسواقها وشوارعها، يمتهنون التسول أو ينبشون القمامة في مكبات النفايات بحثا عن مخلفات قد تصلح للبيع بهدف مساعدة أسرهم النازحة في “لقمة العيش”. 

ورغم أن هذه الظاهرة ليست بجديدة على مسمع ومرأى السوريين، ولكن بالتأكيد أنّها تفاقمت بعد ارتفاع معدّلات الفقر وزيادة تدفّق النازحين بين المحافظات السورية، إثر بطش قوات الأسد بالأحياء السكنية.

 

نبش القمامة بحثًا عن لقمة العيش

وتنتشر ظاهرة الأطفال الذين ينبشون في القمامة، في مدن وشوارع وأسواق سوريا عامة، ومناطق الجزيرة السورية أيضًا، حيث يلتقي المتجوّل في مدينة الحسكة، بأكثر من طفل “متسول أو مشرد” أثناء توجهه إلى السوق أو أثناء تجواله من حي إلى آخر، إلى أن بات الأمر مألوفًا على الناس في كل مكان.

يقول الطفل “محمد”، أثناء نبشه للقمامة في مكب النفايات ببلدة عامودا: “إنه كان صغيرًا جدًا عندما نزحت أسرته من منطقة الشدادي بريف الحسكة الجنوبي، بسبب العمليات العسكرية هناك، لتستقر بها الحال في بلدة عامودا منذ نحو خمسة أعوام”.

ويضيف الطفل البالغ من ثمانية أعوام لـ”بوابة سوريا”: “نبحث عن البلاستيك ومواد أخرى قابلة للبيع كالنحاس وغيرها، نحن نعيش في خيم بأطراف عامودا، ونحاول مساعدة أسرنا من خلال هذا العمل”.

لا يعرف محمّد المدرسة، ولم يدخلها على الإطلاق، بسبب صغر سنّه عندما نزحت أسرته، ويقول: “هذه هي حياتنا منذ البداية، كما أننا قد نفقد هذا العمل أيضا حيث باشرت البلدية بنقل المكب من هنا (عامودا) إلى مدينة القامشلي، وبالتالي نفقد مصدر رزقنا”.

تروي “أم عبد الغفور”، وهي نازحة من منطقة “سبع سكور” بريف الحسكة الجنوبي، كيف أن حياة أسرتها “انقلبت رأسًا على عقب” بعد أن نزحوا إلى عامودا منذ خمسة أعوام.

وقالت لـ”بوابة سوريا”: “لدي تسعة أطفال، يخرجون في الصباح الباكر للتجول في أحياء البلدة وأسواقها، بهدف تجميع البلاستيك والمواد والمخلفات القابلة للبيع، وذلك لمساعدتنا في تأمين لقمة العيش”.

“أم عبد الغفور” التي انتقلت مع أسرتها من خيمة في أطراف عامودا إلى منزل للإيجار مؤخرًا، تؤكد أن أسرتها كانت تنعم بحياة “بسيطة وهادئة” في قريتهم بريف الحسكة قبل أن يسيطر تنظيم “داعش” عليها.

وتتابع المرأة: “بعد العديد من المحاولات تمكننا من الفرار من ظلم واضطهاد تنظيم داعش، ولكن للأسف فقدنا كل ما كنا نملك هناك، الأمر يزداد سوءًا يوما بعد يوم، وعوضًا أن يرتاد أطفالي المدارس، تحولوا إلى مشردين يجمعون البلاستيك لتأمين لقمة العيش”.

ومع حلول المساء يعود أبناء وبنات “أم عبد الغفور” حاملين معهم بعضًا من العلب البلاستيكية وغيرها من المواد والمخلفات التي قد تصلح للبيع، والتي توضع في باحة المنزل ليأتي أحد التجار ويشتريها بأسعار زهيدة، على حد قول الوالدة.

 

أطفال حرموا من أبسط حقوقهم

ويرى “قاسم محمد” وهو أخصّائي علم اجتماع، أن ظاهرة أطفال الشوارع المشردين أو ما تسمى بـ”عمالة الأطفال” تنتشر بكثرة في الدول التي تشهد حروبًا أو مجاعات أو الدول النامية التي تكون عادة محكومة بأنظمة “استبدادية أو فاسدة”.

ويتابع محمد قائلاً لـ “بوابة سوريا”: “في مثل هذه الحالات ينبغي أن تتدخل المنظمات الدولية المعنية بشؤون الطفل مثل اليونيسيف، للضغط على الحكومات بهدف بناء برامج تنموية واقتصادية وتربوية وتعليمية، وذلك من خلال إلزامية التعليم ومجانيته بشكل كامل وخاصة في مراحله الأولى، إلا أن هذا التدخل يكون فعالا بعد انتهاء الحروب والنزاعات، وذلك لتوفير البيئة المناسبة”.

ويعتقد “قاسم” أن الحلول تكون “جزئية وصعبة” في ظل الحروب والأزمات، وأنها تقع على كاهل القوى المحلية المسيطرة على المناطق، 

ويضيف: “السلطات المحلية على الأرض لا تولي الاهتمام لمثل هذه الظاهرة الخطيرة المنتشرة في سوريا عامة، والجزيرة على وجه الخصوص، حيث يمكن اتخاذ بعض الاجراءات التي تحد من هذه الظاهرة أو التقليل من نتائجها من خلال توفير فرص العمل وتقديم المساعدات للمواطنين سواء كانوا من أهالي المنطقة أو النازحين إليها، وذلك كخطوة أولى، ثم ينبغي أن توفر السلطات المحلية كافة مستلزمات الطفل من قرطاسية وألبسة وفي بعض الحالات الوجبات الغذائية أيضًا.”

 

خارج خطط المنظمات الإنسانية

ويؤكد إداري في منظمة “إنقاذ الطفل” الدولية العاملة في مناطق الجزيرة السورية، فضل عدم الكشف عن اسمه، أن الأطفال النازحين ولا سيما المتسربين من المدارس ليسوا ضمن خطط المنظمة.

ويتابع حديثه قائلاً: “جل الخدمات التي تقدمها المنظمات الإنسانية المعنية بشؤون الطفل محصورة في المخيمات التي تأوي آلاف العوائل النازحة وبالتالي عشرات آلاف الأطفال، وتعمل المنظمات على افتتاح المدارس داخل المخيمات، كما تسعى إلى دعم الفئات الشبابية أو اليافعة على اكتساب مهن تتحول إلى مصدر دخل لهم في المستقبل”.

ويشير الإداري ذاته إلى الأعداد الهائلة للأطفال الذين يمتهنون التسول والمحرومين من المأوى والتعليم ومن أدنى مقومات العيش سواء في المخيمات أو القاطنين في مدن وبلدات الجزيرة السورية، معتبراً أن معاناة الأطفال من ظاهرتي التشرد والعمالة وغيرها لن تنتهي بالمساعدات الإنسانية التي تقدمها بعض المنظمات الدولية.

 

“الإدارة الذاتية” تعجز عن مساعدة الأطفال

وتعجز “الإدارة الذاتية” عن لعب دورها بإعادة الأطفال المشردين إلى مقاعد الدراسة، وهذا ما تؤكده “مريم كيلو” الإدارية في لجنة التربية والتعليم التابعة للإدارة الذاتية.

وتوضح “كيلو” في حديثها لـ”بوابة سوريا” أن الإدارة الذاتية لا تستطيع إجبار الأطفال المشردين على التوجه إلى المدرسة، كما أنها لا تستطيع تقديم بدائل لعوائل هؤلاء الأطفال التي تعتمد عليهم في تأمين قوتهم اليومي.

وأضافت: “نحن نقدم الدعم اللازم للأطفال النازحين من حيث الكتب والقرطاسية وغيرها، وذلك بالتعاون والتنسيق مع المنظمات الدولية، لكن لا نستطيع إجبار الأطفال على الالتحاق بالمدارس ومنعهم من العمل، في الوقت الذي تعتمد عليهم أسرهم في تأمين لقمة العيش وقوتهم اليومي”.

ويبدو أن ظاهرة “تشرد الأطفال” في مناطق الجزيرة السورية لها أبعاد أكثر وأعمق مما هي عليها، إذ أن الطفل الذي نزح بسبب الحرب ويبحث عن ملجأ ومسكن قد لا يجده بهذه السهولة، وإن استقر به الحال في مناطق شمال شرق سوريا، سيقف على مفترق طرق من العملية التعليمة المشتتة بين المدارس الخاضعة لسيطرة النظام السوري في مناطقه المعروفة بالمربعين الأمنيين بمدينتي القامشلي والحسكة، وبين الإدارة الذاتية التي فرضت مناهجها على معظم المدارس الخاضعة لسيطرتها في الجزيرة السورية.

guest
1 تعليق
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
trackback

[…] تعد فرصة الحصول على الخدمات الطبّية في مناطق الجزيرة السورية أمرًا سهلًا، حيث يعاني المرضى في تلك المناطق، خلال […]