المرأة
لم تجد السيدة (شروق) أمامها سوى أن تستمر في حياة بدون أي إحساس بأنها تنتمي إلى عائلتها، وإن الذي يشاركها منزلها والذي يفترض أنه زوجها وشريك حياتها كان يبتزها لتستمر لأنه مالك المنزل لا أكثر.

فبعد أن قررت هذه المرأة طلب الطلاق بسبب سوء معاملته الدائمة لها، اتخذت قرارها بالإنفصال وأن تكون حاضنة أطفالها الثلاثة لتفاجأ بعد سؤال محاميتها أنها تمتلك الحضانة لا ريب، لكن بدون مسكن فالمنزل ليس لها ولن تستطيع البقاء به مع أطفالها.

وأمام عدم قدرتها على استئجار منزل.. وعدم وجود منزل يأويها وبعد وفاة والديها. وجدت نفسها مضطرة أن تقبل الحياة ضمن طلاق داخلي نفسي. وأن تجبر نفسها على التعايش القسري مع رجل لاتطيقه، فقط لأنها لا تمتلك ظروف معيشة أفضل، ولا تريد الإبتعاد عن أطفالها،أو أن تجرب حياة التشرد التي يلوح لها الشارع .

أما السيدة (ندى) بعد زواج دام عشرة سنوات وبعد إسهامها كونها موظفة في كل مايخص مستلزمات المنزل والأطفال، عندما طلبت الطلاق كان عليها بالكاد أن تلملم ملابسها ضمن حقيبة أو أكثر  وتخرج خالية الوفاض من أي شيء.

فهي لا تملك المنزل الذي تعيش فيه، وحتى تلك الأغراض والكهربائيات التي اشترتها من عملها. لاتستطيع إخراجها أو المواجهة بأنها لها،  مادامت لا تملك فيها فواتير باسمها تثبت ملكيتها لها. ومن منا تفكر عند اقتناء شيء ما أن تطلب من البائع فاتورة اسمية لها لتجعلها شاهد إثبات للزمن بأنها اشترته بمالها الخاص.

كذلك السيدة (سعاد)  كانت تعتقد أنها ستكون محصنة  بتعديلات قانون الأحوال الشخصية الذي تمنع فيه زوجها من الزواج من أخرى، وتمتلك العصمة التي لطالما راودت خيالات النساء السوريات بأنها قادرة على التحكم بمصيرها.

لكن الواقع فرض نفسه بسفر الزوج وحيداً  ( بالاتفاق طبعاً) بعد زواجهما بفترة، تاركاً زوجته بين خيار الانتظار أو تطليق نفسها بعد عدم قيامه بإجراءات لم الشمل، التي طالت حتى خمس سنوات، وهي تنتظر. إلى أن وصلها الخبر اليقين بزواجه من أجنبية كي يضمن حصوله على الجنسية بعد فترة من زواجه.

كذلك نساء فرضت عليهن الظروف السفر إلى الأردن ومصر والزواج من غير سوريين لتكون الطامة الكبرى بأنها لاتستطيع منح جنسيتها لأطفالها. وخاصة بعد حدوث الطلاق، حيث يتم التعامل مع أطفالها في سوريا كأجانب.

أمثلة كثيرة للمقاربة ما بين الواقع والقوانين، فالحقيقة تقول أن مايقال عن علمانية الدولة السورية هي مجرد شعارات كذلك هي التعديلات الأخيرة على قانون الأحوال الشخصية، والتي قام بها النظام فقط ليقدم للمجتمع الدولي واجهة ثقافية عن رعايته للمجتمع والمرأة والطفل السوري. لكن الواقع الموجود عكس ذلك تماماً.

فلو فتحنا ملف التعديلات الجارية على قانون الأحوال والتي تم تداولها وشرحها كثيراً، فهي لاتتعدى  ولا حتى تقديم أي مساعدة على أرض الواقع للمرأة السورية؛ لأن النظام يعي جيداً أن العادات والتقاليد بمثابة قوانين مماثلة تحجّم المرأة وتقيد تفكيرها وخياراتها، ويعي جيداً الحدود المفروضة عليه كنظام يستمد قوته ودعمه من التيارات الدينية التي يروج لها بطرق عدة، والتي ليس من صميم نهجها تقديم أي تمكين للمرأة أو أي استقلالية.

زواج القاصرات كمثال هو ممنوع قانوناً لكن لم يمنع القانون عقد زواج خارج الإطار الرسمي للمحاكم الشرعية، فعقد زواج برعاية رجل دين نافذ قانوناً. ولن تجرؤ فتاة قاصر على التقدم بشكوى ضد والدها أو ولي أمرها الذي يرغب بتزويجها، ولاحتى والدتها التي لاتملك التدخل  بقرار الأب بزواج أولاده. وخاصة في ظل الغلاء والتهجير الممنهج للسوريين الذي قد يدفع البعض بتزويج ابنته لتوفير لقمة طعامها لمن هم أصغر سناً.

الوصاية التي يتحدث الجميع عن منحها للمرأة أخيرا، يتم تجاهل القسم الثاني من البند القانوني، وهو مادامت المرأة لا تملك وصي قانوني ذكر!

فطالما يوجد ذكر يستطيع القاضي أن يوكلها له فلا مكان للمرأة كوصاية أو ولاية. فمثلا يمكن أن يكون الابن في حالات معينة وصي على والدته التي أنجبته.

ويبقى الأهم هو العنف الجسدي واللفظي الذي يجري بحق المرأة سواء كانت أم أو زوجة أو أخت أو ابنة، والذي لايوجد لديه نص صريح وواضح لحماية المرأة من مواجهته، بل ترك الموضوع تابعاً لقانون العقوبات السوري والذي يقتصر على تقديم شكوى مع تقرير للطبيب الشرعي يبين مقدار الأذى الجسدي فقط، على أن لا يقل عن 21 يوم في أقل تقدير كي يستطيع النائب العام تحريك الدعوى العامة بحق المعنف، وإلا تبقى الشكوى رهناً بمقدم الطلب.

فكيف ضمن مجتمعنا المنغلق بشكل كبير أن تتجرأ امرأة وتتقدم بشكوى ضمن تعرضها لضغط نفسي أو مجتمعي؟

المحامية “ميساء نور الدين”  والتي تعايش كل ظروف المرأة السورية في الحرب تقول  لـ” بوابة سوريا”: ” التعديلات أخذت دعاية كبيرة لا ترقى لمستوى التعديلات التي قامت بها. لم نكن ننتظر تعديلاً لأي قانون كان، بل كنا نطمح لوجود قانون أسرة حقيقي، يأخذ على عاتقه حماية الأسرة بما فيها الرجل.، فنحن عندما ندعم قوانين تزيد في الأنا الذكورية للمجتمع نقوم بتعنيف الرجل أيضاً،  لأننا نختار له أن يكون عنيفاً وذكورياَ دون أن يقصد تقمصه للدور، وهذه القوانين تضع الجميع ضمن قوالب جامدة وتفرض أسلوب غير صحي للحياة الأسرية، لأنه في الأساس قائم منذ الاقتران بعد الزواج على عدم الثقة بين الطرفين وتوقع الأذى من الطرف الأقوى في أي لحظة”.

وتضيف  نور الدين: نصل إلى قناعة سريعة بأن القوانين السورية وتعديلاتها تصر دائماَ على مهادنة المجتمع السوري والتيار الديني، وما التعديلات التي طبل لها إلا شعارات طنانة كطبول فارغة لم ترقى لمستوى الورق الذي طبعت عليه،  وما نقرأه عن المقالات التي تمجد بتلك التعديلات ماهي إلا حروف مأجورة لصالح تبييض إحدى صفحات النظام السوداء. إذا لا جديد على أي مستوى للمرأة ولاحتى المجتمع، رغم كل التغيرات الطارئة والظروف التي تمر بنا.، ويبقى الواضح وضوح الشمس هو التناقض الكبير بين ما يطرحه النظام كهوية يعبر فيها عن نفسه كنظام علماني، وبين كل ما يطرحه ويعدله كإجراءات وآخرها دعم تيارات دينية نسائية متشددة، والتي تستمد قوتها من دعم النظام لأنشطتها وقد تابعنا جميعاً تلك الإجتماعات لتجمع القبيسيات دون أن نعلم ما هي خفايا الاتفاق.

وتختم نور الدين: هذا هو ذاته  الوجه الذي يقتل ضمن كل مالديه من وحشية التي يقوم بها لإبادة ادلب وسراقب والمعرة،  له وهو غير آبه بكل الصفات التي تكنى له ويعلم جيداَ أنه يقوم بقتل أطفال وشيوخ ونساء ممن لا طاقة لهم بالإنتقال أو السفر، ليرد على المجتمع الدولي الصامت إبانة هذا القصف الوحشي.. إنهم عائلات تحتضن الإرهاب.

مصدر الصورة: ويكيميديا

guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments