لم تعد فرصة الحصول على الخدمات الطبّية في مناطق الجزيرة السورية أمرًا سهلًا، حيث يعاني المرضى في تلك المناطق، خلال بحثهم عن علاجٍ لأمراضهم.

وازدادت صعوبة الحصول على العلاج، مع جشع بعض الأطبّاء والمستشفيات الخاصّة، وتذرّعهم بانخفاض قيمة الليرة السورية، ما أثقل كاهل معظم المدنيين، فيما لو حصلت معهم أي انتكاساتٍ صحّية.

وبات مراجعة الأطبّاء والمستشفيات الخاصّة أمرًا مكلفًا يفوق طاقة معظم المدنيين في مناطق شمال شرق سوريا، ويمتد بدايةً من زيارة الطبيب المكلفة، والتصوير الشعاعي والتحاليل التي لا نهاية لها، وفيما إذا أراد المريض مراجعة مستشفى خاصة، فإن الأمرسيكلّف كثيرًا من الأموال، حيث باتت هذه المستشفيات حكرًا على الفئة التي تمتلك الأموال.

 

ارتفاع أجور معاينة الطبيب

كانت المعاينة لدى الأطباء في الحسكة، مقبولة إلى حد ما لدى الجميع، لكن مع مرور الوقت تضاعفت أسعار المعاينة حتّى قفزت من 500 ليرة سورية إلى 3000 ليرة سورية لدى بعض الأطباء، وإضافةً إلى ذلك، كانت المراجعة بعد المعاينة مجانية وما لبثت أن أصبحت مأجورة هي الأخرى.

تتحدث كوثر العلي  لـ”بوابة سوريا” عن معاناتها في رحلة العلاج مع الأطباء قائلة: “مشكلتي الصحية هي عدم الإنجاب وهنا بدأت رحلتي مع الأطباء، وعلى مدار خمس سنوات كنت أراجع فيها الأطباء، والأسعار في ازدياد عامًا بعد عام”.

وأضافت العلي: “بعد أن كانت أجرة المعاينة 500 ليرة سورية، أصبحت 3 آلاف ليرة سورية، فضلًا عن تكاليف الصور الشعاعية والتحاليل المخبرية التي ارتفعت أسعارها أيضًا”.

وتابعت: “أجريت عملية تنظير للرحم، وكانت تكلفتها 50 ألف ليرة سورية، ولكن أصبحت اليوم بـ 100 ألف ورغم كل هذا العناء كل الأطباء الذين قمت بمراجعتهم لم يعرفوا سببًا واضحًا لعدم قدرتي على الإنجاب والنتيجة أن كل طبيب يجري تجاربًا على حالتي ويشدد على عدم الانقطاع ولكن الهدف ليس وضع حل لمعاناتي إنما هو كسب زبون كما يقال بالعامية”.

ويتّهم عدد من المدنيين، الأطبّاء بأنّهم خرجوا عن الإطار الإنساني لمهنة الطب، وسلكوا اتجاهًا مادّيًا فقط، ولا سيما أن كل طبيب يتعاقد مع مخبر محدّد وصيدلية محدّدة، من أجل شراء الأدوية وإجراء التحاليل في هذه المخابر والصيدليات، ما يحقّق المزيد من الدخل للطبيب دون جعل الحالة المرضية أولويةً بالنسبة له.

 

مستشفيات خاصة بأسعار خيالية 

لم تتوقّف المستشفيات الخاصة في مدينة الحسكة ومحيطها عن العمل طيلة سنوات الحرب، حيث أن التغيير الوحيد الذي طرأ على هذه المستشفيات أن تكاليف العلاج داخلها تضاعفت عدّة مرات، وأصبحت هذه المستشفيات تطلب مبالغًا خياليةً لقاء العلاج.

وقال إداري في مشفى خاص (رفض ذكر اسمه) لـ “بوابة سوريا”: “إن المستشفيات الخاصة يلجأ إليها أصحاب الحالات الصحّية الحرجة، الذين لا يجدون علاجًا لأمراضهم في المستشفى الوطني نظرًا لقلّة الخدمات المقدّمة هناك”.

وأضاف الإداري ذاته، أن أجرة الغرفة في قسم العناية المركزة في المستشفى الخاص يصل إلى 50 ألف ليرة سورية، وهذا المبلغ لا يشمل الدواء الذي يجب على المريض شراؤه من صيدلية المستشفى الخاصة، ما يجعل التكاليف مرتفعة مقارنةً بالأوضاع المعيشية الصعبة لغالبية المدنيين في محافظة الحسكة.

وتبلغ كلفة إجراء عملية توليد قيصرية في المستشفيات الخاصة مثلًا، ما بين 80 و100 ألف ليرة سورية حسب سعر صرف الدولار الأمريكي مقابل الليرة السورية.

ورغم التكاليف المرتفعة في المستشفيات الخاصة، إلا أن المدنيين مجبرين على الذهاب إليها، بسبب عدم توفّر بديل عنها، حيث يجمع معظم المرضى الذين قابلتهم “بوابة سوريا” على أنه بمجرّد دخول المستشفى الخاص فلن يخرج المريض دون أن يدفع مئات الآلاف من الليرات.

 

المستشفى الوطني: مجانية ولكن دون خدمات

يُعتبر المستشفى الوطني في الحسكة، من أكبر المستشفيات الموجودة هناك، والتي تخدّم الآلاف من المدنيين بشكلٍ مجّاني، حيث يضم المستشفى جميع الاختصاصات الطبّية، كما يُجري كافة العمليات الجراحية ويقدّم حتى الدواء بشكلٍ مجّاني.

ولكن مع بداية الثورة، تعرّض “المستشفى الوطني” لعمليات تخريب بسبب المعارك، كما سُرقت معدّاته الأمر الذي أدّى إلى خروجه عن الخدمة حينها.

وبعد تشكل الإدارة الذاتية في عام 2014، حاولت إعادة المشفى للعمل من جديد، من أجل تقديم الخدمات الطبّية مجانًا.

وقال مصدر خاص في المستشفى لـ “بوابة سوريا”: “إن الإدارة الذاتية ومنذ استلامها إدارة المستشفى الوطني بالحسكة قامت بترميمه وإصلاح الأجهزة الموجودة حيث أن أغلب تلك الأجهزة التي لم تُسرق كانت معطلة”.

وأضاف المصدر، أن العيادات الخارجية وقسم الإسعاف والنسائية عادوا للخدمة، ويتم حاليًا تجهيز أقسام الداخلية والقلبية كونهم غير مفعّلين حاليًا”.

كما أوضح المصدر، أن الإمكانيات المحدودة للمستشفى الوطني جعلت أغلب المرضى يتردّدون في الدخول إليها، ومع كل الجهود المبذولة من قبل الإدارة الذاتية لتحسين خدمات المشفى إلا أنها ما زالت محدودة.

وكانت منظّمة “أطباء بلا حدود” قد استلمت إدارة المستشفى لفترة وجيزة، ولكنّها ما لبثت أن انسحبت منه لأسباب مجهولة، حيث قامت في فترة استلامها ببناء كرفانات في ساحة المستشفى ونصب عيادات جراحة في تلك الكرفانات، إلا أنها غادرت ولم تعد حتّى هذه اللحظة.

 

مراكز للخدمات الطبية

وفي ظل ارتفاع أسعار معاينة الأطباء وتكاليف المستشفيات الخاصة، تأسست بعض المراكز التمريضية والتي تتابع حالات المرضى وتقدّم الخدمات التمريضية وبأسعار أدنى بكثير من مثيلاتها في المستشفيات الخاصة.

يقول محمد فوزي المحمد، وهو مؤّسس مركز طبّي افتتح مؤخّرًا في الحسكة: “يقدم المركز خدماته على مدار الساعة ويشمل متابعة الحالات الحرجة وقياس العلامات الحيوية ومتابعة حالات ما بعد العمل الجراحي، إضافةً إلى سحب الدم وتحليله في المخبر، كما يضم المركز عددًا من الممرّضين المتمرّسين، والذين يختص كلٌ منهم بحالة معينة”.

يضيف المحمد: “هذا المركز ليس بديلاً عن المستشفى، ولكنه يخفف العبئ كثيرًا عن المستشفيات بشكل عام، والأهم من ذلك هو تخفيف الأعباء المادية عن الناس” موضحًا أن أي مريض سيدفع نحو 50 ألف ليرة سورية عن يوم واحد في المستشفى، لكن في مركزنا نقدم نفس خدمات المستشفى بتكاليف أدنى بكثير تصل إلى أقل من ربع تكاليف المستشفيات.

وعانى مدنيّو الحسكة خلال السنوات الماضية، من نقص الرعاية الطبية، وارتفاع أجورها يضاف إلى ذلك هجرة الكثير من الأطباء من المدينة.

كما يشتكي معظم المرضى، بأن الأطبّاء يخبرونهم بعد رحلة علاج طويلة بضرورة التوجّه إلى العاصمة السورية دمشق، وحينها لم يكن الطريق البري بين الحسكة ودمشق مفتوحًا خلال السنوات الماضية، ما أجبر المرضى حينها على السفر بواسطة الطائرة بأجور باهظة للعلاج في دمشق.

guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments