لم يعد شراء الماركات التجارية المعروفة أمرًا صعبًا في محافظة إدلب شمال غرب سوريا، ومن خلال جولة صغيرة على أي سوق من أسواق المحافظة سوف تصادف المتسوّق جميع الماركات التجارية العالمية، كما أن أسعارها سوف تمثّل صدمةً للمتسوّق.

أغلب هذه المنتجات التابعة للماركات العالمية هي “مواد تجميل ومنظفات من ماركات عالمية تجدها تملأ الأسواق ناهيك عن المشروبات الغازية، المواد الغذائية، الملابس، والأدوية الزراعية”.

يقول محمد وهو من سكّان مدينة إدلب لـ “بوابة سوريا“: “لم أعد أثق بأي صنف من الأصناف الموجودة في الأسواق وأعتبرها رديئة بشكل عام مقارنة بالأنواع التي كنا نعرفها سابقا، أو تلك التي توجد في بلاد الجوار”.

وبحسب محمد فإنّ أسواق إدلب تحتوي على نوعين أو ثلاث أنواع من الشامبو، وتكون جميعها متطابقة بشكل شبه كامل لإحدى ماركات “الشامبو” العالمية، في حين أن كل عبوة لها سعرًا مختلفًا، وحتى الأغلى سعرًا منها تقليد للماركة الأصلية.

محمد مجبر على الاعتماد على تلك البضائع رغم يقينه التام بسوء صناعتها، بسبب عدم توفر الحل البديل، وإن توفر المنتج الأصلي، فستكون أسعاره مرتفعة جدا نتيجة تدهور سعر الليرة السورية.

تنتقل سوزان من متجرٍ لآخر، بحثًا عن الماركة الأصلية من “إيديال” (أحد مستحضرات العناية بالوجه).

تقول سوزان لـ “بوابة سوريا“: “يسارع التاجر لإخبارك بأن السلعة التي بين يديك هي الأصلية ويحاول إثبات صدقه عبر علامات ولصاقات ليزرية تميز عبوتها عن العبوات المزورة ليقنعك أن السعر الذي يطلبه هو السعر الحقيقي، وأن الأسعار التي تراها في أماكن أخرى تكون بضائع مزيفة، لكن هذا الكلام لم يعد ينفع فالجميع يعلم أن تلك العلامات التجارية واللصاقات يمكن تزويرها، وفي كثير من الأحيان يتم ملئ العبوة الأصلية نفسها بمادة مزورة” 

وتتابع سوزان، أن “المشكلة الحقيقية تكمن بانم الكثير من مستحضرات التجميل لا يمكن معرفتها من العبوة الخارجية، ولابد من فتح العبوة وتجربتها أحيانا لتمييز الرديء من الأصلي، عن طريق لونها ملمسها وامتصاص الجلد لها وهذا ما يرفضه التاجر، لأن العبوة المفتوحة سوف تُعتبر مستعملة.

وخلال جولة سوزان في الأسواق صادفت عبوتين متطابقتين لنفس المستحضر واحدة تعتبر أصلية وتباع بما يقارب 2000 ليرة سورية والنوع الآخر يباع بـ 700 ليرة، بينما الكل يدعي أن بضاعته تحمل الماركة الأصلية، علمًا أن سعر المادة نفسها في مناطق النظام يتجاوز 3000 ليرة سورية، ليقع الزبون في حيرة وشك من أي مادة تعرض أمامه.

 

معاناة التجّار والصيادلة

يعمل أبو عبدو بتجارة مواد التجميل والإكسسوارت، ويرى أن وجود مثل هذه البضائع في الأسواق تنعكس بشكل سلبي على تجارتهم، حيث تأثر تصريف المواد الأصلية نتيجة المنافسة التي تحققها المواد المزيفة، ولا يمكن للمستهلك معرفتها الا بعد التجربة، وقد يفقد ثقته بالتاجر والمواد المعروضة لديه حتى وإن كانت أصلية.

يقول أبو عبدو لـ “بوابة سوريا: “يعمد بعض المستوردين لتقليد المواد المعروفة عبر صناعتها في الصين وبعبوات طبق الأصل عن العبوة الأصلية، لكن بمواصفات مغايرة، حيث يستحيل كشفها إلا عن طريق التجريب، وهذا الأمر بحاجة لرقابة وتحليل من قبل المعابر التي تدخل تلك المواد عن طريقها”.

ويعاني الصيادلة في الشمال السوري، من كثرة المواد المزورة في الأسواق، وخاصة مستحضرات التجميل، وهو ما يشكل عقبة أمام عملهم، فالصيدلي يستطيع التمييز بين المادة المزورة والأساسية لكن تكمن الصعوبة في إقناع الزبون أو المريض الذي يستهجن السعر الذي يطلبه الصيدلي للمادة الأصلية لأنه سيقارنها فورًا بالأسعار الموجودة في السوق بسبب جهله بالأنواع المزورة الموجود.

تقول الصيدلانية سوسن سعيد لـ “بوابة سوريا”: “يعاني الصيدلي من وجود مستحضرات تجميل مزورة بأسماء شركات معروفة مثل “الشامبوهات، معجون الأسنان، والواقي الشمسي” حيث ظهرت أصناف مشابه بشكل كامل لمنتجات شركات معروفة متل “زيرا” و”هامول” بأسعار أقل، مشيرةً إلى أنّه يصعب على المستخدم تمييزها عن الأصلية، وهنا يكمن دور الصيدلي في الشرح والتوضيح لإجراء المقارنة بين الصنفين”.

وتضيف السعيد: “المشكلة الأكبر تكمن في الأدوية حيث ظهرت مؤخرًا أدوية للبشرة مثل “فيالات الالتهاب” وبأشكال مشابهة لأشكال شركات معروفة مثل شركة “ألفا” و “شفا” بأسعار أقل بكثير وفعالية أضعف، لكن جشع بعض الصيادلة يدفعهم لتداولها بهدف تحقيق مربح أكبر” موضحةً أنّ استعمال تلك المواد من قبل المستهلك، تجبره على دفع تكاليف إضافية دون الحصول على النتائج المرجوة من المادة التي يستعملها.

 

مواد غذائية وزراعية مزيّفة

وكغيره من الأسواق، كان سوق المواد الغذائية مليئًا بأسماء ماركات معروفة، لكنها مزورة ومصنعة بأسماء مشابهة في تركيا بحسب التاجر أبو عبدو الذي قال: “إن المشروبات الغازية التركية هي الأكثر انتشارًا في الأسواق والأكثر مبيعا منها ماركة “بيبسي” والتي تصنع بشكل مطابق للماركة التي يعرفها السوريين والتي كانت تصنع بامتياز من شركة بيبسي الأمريكية”.

ويرى أبو عبدو، أن أغلب المصنعين يميلون لاستعمال أسماء ماركات معروفة بهدف تصريفها بشكل أسرع في السوق، وبأرباح جيدة حيث تباع تلك المواد بأسعار المواد الحقيقية، أو أقل ما يحقق لهم ربحًا أكبر علمًا أن الماركة الأصلية أمسى دخولها إلى السوق قليلًا جدًا.

من ناحية أخرى، تأثر القطاع الزراعي، بالأدوية الزراعية والمبيدات المغشوشة التي تدخل إدلب عبر تركيا، حيث أن بعض تلك المبيدات، غير معروفة أبدًا والمادة الفعالة الداخلة في تركيبة الدواء مغايرة للمادة الفعالة المكتوبة على العبوة.

يقول المهندس الزراعي أنس رحمون: “تدخل إلى الشمال السوري عدة ماركات جيدة لشركات أوربية تم استيرادها عن طريق تركيا، وتلك الأدوية لا تسبب أي مشكلة، ولكن مشكلتنا تكمن مع الأدوية ذات المنشأ الصيني والتي نجهل شركاتها المنتجة، حيث يطلب التاجر السوري بضاعة من صنف محدد بتركيبة كيميائية أضعف من التركيبية الأساسية بهدف الحصول على ربح أكبر”.

وأضاف رحمون، أن تلك الشركات لا مانع لديها من صنع أي دواء مخالف أو مطابق للمواصفات العالمية، ويصلنا مبيد حشري اسمه “الديسيس” بمواصفات جيدة ظاهريًا بحسب ما يكتب على لصاقة العبوة، لكن بعد التجربة نتأكد أن فعالية الدواء منخفضة للنصف، ما يجبر المزارع على تكرار المكافحة عدة مرات للحصول على النتيجة المطلوبة”.

كما يتابع الرحمون، أن بعض الشركات الصينية ماتزال تنتج أدوية محرمة دولية بعد ثبات سميتها العالية أو للدور الكبير الذي تلعبه في الإصابة بمرض السرطان، موضحًا أن جشع التجار وغياب الجهة الرقابية يدفع البعض إلى استيراد مثل تلك الأدوية وإدخالها إلى إدلب مثل مركب “المونو كروتو فوس” أو ما يعرف بصائد العصافير بالإضافة للمركبات الفوسفورية العضوية على الرغم من وجود بدائل، لكن السعي خلف الربح يدفع التجار لاستجرار تلك المواد”.

 

فلتان أمني 

 

ومن ناحية أخرى، تلعب الحالة الأمنية وعدم الاستقرار الذي تعيشه المنطقة دورًا سلبيًا في مراقبة الأسواق والبضائع المستوردة حيث ينحصر عمل مديرية التموين بالأسواق الداخلية فقط، وتأخذ المواد الغذائية الأولوية في ذلك، مثل الخبز والأجبان والألبان للتأكد من سلامتها وصلاحيتها ومطابقة الأوزان للأسعار.

كما تشمل الرقابة أيضًا محلات “السمانة” بهدف التركيز على صلاحية المواد التي تباع للمواطنين، ومخالفة كل من يبيع مواد منتهية الصلاحية وتنظيم الضبوط بحق المخالفين ومحاسبتهم وفق الأصول، حيث تنال تلك المواد أولوية في العمل بمثل هذا الوقت بسبب انعكاسها المباشر على حياة الناس بحسب مدير التجارة والتموين خالد الخضر.

ويرى الكثير ممن التقيناهم أن إدلب ستبقى سوقًا سوداءً لتصريف كافة البضائع المزوّرة، ما لم تقم الإدارات بتنظيم التعاملات التجارية ومراقبة المواد الداخلة إلى المحافظة وإيقاف التجار المستوردين للبضائع المزوّرة والتي قد لا تؤمن عواقبها في المستقبل.


 

guest
1 تعليق
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
trackback

[…] الدراسة: “إن الاندماج في سوق العمل يتحقق بشكل أسرع مقارنة باللاجئين في الأعوام الماضية”, […]