لا ينبع استعصاء الصراع السوري على الحل، من التفوق العسكري للنظام، وقدرته على السيطرة، واستناده إلى شبكة سلطوية واجتماعية متماسكة، ووجود شريكين قويين وأساسيين (إيران وروسيا) في قتل وتشريد الشعب السوري، فقط، وإنما هو يستمده، أيضاً، من عوامل أخرى على غاية في الأهمية. ومثلا، فإضافة إلى العوامل الخارجية المتمثلة في الخذلان الدولي لثورة السوريين، والمداخلات غير المناسبة، أو المضرة، للأطراف الدولية والإقليمية والعربية المحسوبة على مساندة المعارضة، والتي تلاعبت بالثورة السورية، وأخذتها إلى مسارات غير مجدية، ثمة أيضاً المشكلات الذاتية التي أعاقت تطور تلك الثورة، وحدّت من قدرتها على التطور، وعلى جذب مزيد من القطاعات الشعبية إليها، وسهّلت صعود الجماعات العسكرية المتطرفة التي تتغطى بالإسلام، مثل داعش والنصرة وأخواتهما.

أولى تلك المشكلات عدم قدرة الثورة السورية، على الانتظام، كبديل للنظام، أو عدم تمكينها من ذلك، وضمن ذلك يأتي تعذّر قدرتها على تنظيم أوضاعها، في هيكلية سياسية وعسكرية ومدنية وخدمية، علما أننا نتحدث عن مدى زمني قدره قرابة تسعة أعوام.

القصد هنا أن العفوية التي اتسمت بها ثورة السوريين، في بداية انطلاقها، والتي كانت تعبيرا طبيعيا عن حرمان المجتمع السوري من السياسة، ومن التشكيلات أو الكيانات السياسية الممأسسة، ومن الخبرات السياسية والكفاحية، باتت فيما بعد، أي منذ سنوات بمثابة عامل تأخير وفوضى و استنزاف للثورة، وتخبط في إدارتها، واستنزاف كبير لمواردها.

على ذلك فمن غير المفهوم استمرار ضعف المبنى التنظيمي للثورة، في إطاراتها السياسية والعسكرية والمدنية، حتى الآن، لاسيما مع تعثر الائتلاف الوطني، وكل التشكيلات المنضوية فيه، أو المتفرعة عنه (حكومة مؤقتة، مجلس عسكري، هيئة التفاوض، وفد اللجنة الدستورية، لجنة الإغاثة، المجالس المحلية).

وثاني مشكلات السورية تكمن، أيضاً، في التحول نحو العسكرة، بالشكل الفوضوي والمزاجي الذي شهدناه، وبالارتهانات التي تحكمت بها والرهانات التي حكمتها، سيما أن ذلك كله لم تسبقه أية محاولة لترتيب مرجعية أو إطارات سياسية وتنـظيـمية، ودون التبصّر في كيفية إدارة الصراع في الميدان العسكري، أو من دون تبني استراتيجية عسكرية واضحة وممكنة، بخاصة مع ملاحظة التفوق العسكري للنظام، واستناده إلى قـوى عسكرية إقليمية ودولية، في ظل افتقار الـثورة للإمكانيات العسكرية المناسبة.

ثمة هنا أسئلة تطرح نفسها، مع التسليم جدلا بمشروعية التحول نحو العسكرة. مثلا فهل كان من الضروري أن تسير الأمور على النحو الذي سارت عليه عسكريا؟ وبمعنى أدق، هل أن السيطرة على أجزاء من بعض المدن كانت عملا ضروريا لإضعاف النظام، أم كانت ثمة خيارات عسكرية أخرى ربما أنسب وأجدى؟ ثم هل خدمت تلك الطريقة الثورة ومجتمعها أم أضرت وأفادت النظام؟ أيضا، هل استقطبت السيطرة على ما عرف بالمناطق المحررة كتلاً شعبية أكبر في الصراع ضد النظام أم أخرجتها من هذه الدائرة؟ وأخيرا، هل ساهم ذلك في تشتيت القوى العسكرية للنظام أم سهّل تحشيدها وتحسين إدارتها، لاسيما مع فرض الحصار على كثير من المناطق “المحررة” في حمص وحلب ودمشق؟

ما يفترض التذكير به هنا، والآن، هو أن تلك الأسئلة أضحت متقادمة بعد أن تبين العمل العسكري عن مزاجية وارتهانات ومبالغات أدت إلى الكوارث، بخاصة أننا شهدنا أفول الفصائل العسكرية، وتسليمها للمناطق التي كانت تسيطر عليها، مع مستودعات السلاح والذخيرة والتموين للنظام، ملقية كل ادعاءاتها وجبروتها على قارعة الطريق، بل وذهابها ليس إلى مفاوضات جنيف، وإنما إلى مفاوضات استانة أيضا، علما أن كل ذلك لا يقلل من أهمية التضحيات التي بذلها سوريون كثر في كفاحهم وتضحياتهم من اجل التخلص من النظام.

المشكلة الثالثة تتعلق بخطابات الثورة التي انطلقت، أصلاً، لإسقاط نظام الاستبداد والفساد، أي من أجل الحرية والكرامة والمساواة والمواطنة والديمقراطية، والتي أخذت بعد ذلك، وتحت هيمنة السلاح، نحو خطابات أخرى تتعارض مع الخطابات الأصلية. ومع التأكيد بأن هذه “الانحرافات” هي نتاج انتهاج النظام سياسة الأرض المحروقة، ونتاج تعمده تدمير البيئات الشعبية التي يعتبرها معادية، ما تسبب في إزاحة المجتمع السوري من المشهد، فإنها أيضا أتت بمثابة انعكاس لحال الانفلات في الثورة، وتصدر الجماعات المتطرفة، التي استبدلت الخطابات السياسية بالخطابات الدينية، الأمر الذي أضر بصدقية الثورة وشوش على مقاصدها، وأضعف قدرتها على خلخلة القطاعات المجتمعية المرتبطة بالنظام، أو القلقة على مستقبلها، ناهيك أن كل ذلك نجم عنها تبديد أو تفكك الاجماعات الوطنية للسوريين.

هكذا، وصل الوضع السوري اليوم إلى حال استعصاء، فالنظام، فقد السيطرة والسيادة، ولم يعد يستطيع الاستمرار كما كان، والمعارضة المتصدرة لم تثبت ذاتها كبديل شرعي ومناسب، بل ولم تثبت ذاتها كقيادة للثورة ولكفاح السوريين، في حين أن القوى المتطرفة غير مقبولة لا سوريا ولا إقليميا ولا دوليا، وهي أضرت كثيرا بالشعب السوري وبثورته وباجماعاته الوطنية، علماً أن أزمة النظام تتعلق بكيفية نهايته أو رحيله، في حين أن أزمة الثورة تتعلق بكيفية إثبات ذاتها إزاء السوريين وإزاء العالم، لكن كل ذلك ربما لم يعد له قيمة تذكر في ظل الأطراف الدولية والإقليمية التي باتت تتحكم بالصراع السوري

مصدر الصورة : ويكيميديا

guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments