عقب اندلاع الثورة السورية وتحولها من الطابع السلمي إلى شكلها المسلح، قُسمت المناطق السورية تلقائيًا إلى مناطق خاضعة لسيطرة الجيش السوري الحر وأخرى خاضعة لحكومة الأسد

لكن بعد أشهر قليلة من بداية الحراك الثوري المسلح ضد الأسد، بدأت الأخيرة مدعومة بميليشيات إيرانية وروسية بحملات قصف مكثفة وبمختلف أنواع الأسلحة، طالت مناطق المدنيين، وأسفرت عن سقوط الآلاف من الضحايا ومازالت حتى يومنا هذا.

المدارس والمنشآت التعليمية كان لها نصيب كبير من حملات القصف، الأمر الذي أدى لعدم استقرار العملية التعليمية، وعدم وجود الأفرع التي تخدم الطلاب خاصة المصابين بمرض الضمور الدماغي.

 

طلاب “الضمور الدماغي” الأكثر تضررًا

أدّى عدم وجود مدارس خاصة تهتم بالطلاب المصابين بالضمور الدماغي إلى إجبار الكثير من الأهالي على عدم إرسال أبنائهم إلى المدارس العامة، فيما عمد آخرون لإرسال أطفالهم إلى المدارس العامة لعلها تفيدهم وتحسّن من أحوالهم، إضافةً إلى عدم وجود حل بديل أو مؤسسات رعاية خاصة لتلك الحالات.

تضم المدارس التابعة لمديرية التربية والتعليم بحلب نحو 100 طالب مصاب بالضمور الدماغي، بنسبة واحد بالألف من العدد الكلي، حيث يبلغ عدد طلاب المدارس التابعة لـ “تربية حلب” حوالي 108000 طالب وطالبة.

وقال محمد مصطفى مدير التربية والتعليم بحلب لـ “بوابة سوريا“: “إن عدد الطلاب المصابين بالضمور الدماغي يبلغ 107 طلاب موزعين على 36 مدرسة تابعة للمديرية، معظمهم في مدارس قرى “أبين والأبزمو وعينجارة” غرب حلب.

وحول عدم وجود مدارس خاصة تهتم بتلك الحالات أوضح مصطفى، أن عدم توفر دعم مستقل وأخصائيين في التعامل مع حالات الضمور الدماغي حال دون وجود مدارس خاصة تسهم في تحسين وتدريس أولئك الطلاب، مشيرًا إلى أنه لا يوجد دعم مخصص من قبل المنظمات الإنسانية لتلك الحالات، وإنما تقتصر على جلسات الدعم النفسي التي تنفذ في مدارس التربية بشكل دوري.

 

صعوبات يواجهها المعلم

يواجه المعلمون صعوبات كبيرة لإيصال المعلومة إلى ذهن الطالب المصاب بمرض الضمور الدماغي، وفي غالب الأحيان لا تصل تلك المعلومة، خاصة مع وجود طلاب سليمين في ذات الغرفة الصفية، الأمر الذي يجبر المدرس لمتابعة إعطاء دروسه وتجاهل ضعف قدرة الطلاب المرضى على الاستيعاب والفهم السريع.

يقول محمد علاء، أحد المدرسين في بلدة أبين غرب حلب لـ “بوابة سوريا“: “إن الفرق الكبير في القدرات والمهارات بين الطلاب الأصحاء والمرضى، يجعل المدرس في حيرة من أمره، بسبب حاجة معظم الطلاب المرضى لوقت طويل لإدخال المعلومة إلى أذهانهم، خاصة مع ضعف قدرتهم العقلية على الاستيعاب وسرعة النسيان”.

ويضيف “علاء” بقوله: “حاولتُ مرات عدة الاهتمام بالطلاب المصابين بالضمور من خلال تعليمهم مبادئ الكتابة لكن سرعة نسيانهم وقلة انتباههم جعل الأمر معقدًا، خاصة في ظل وجود طلاب أصحاء في ذات الصف”، مشدّدًا على ضرورة تخصيص مدارس خاصة مع مدرسين مختصين ومدربين للطلاب المصابين بالضمور الدماغي، أو على الأقل تخصيص غرفة صفية في كل مدرسة ومزودة بكادر خاص مهمته تدريس أولئك الطلاب ومحاولة دمجهم مع المجتمع.

وفي السياق، ناشد “أبو خالد” ولي أمر أحد الطلاب المصابين بمرض الضمور الدماغي، الجهات المختصة في مجال التعليم، بمنح ولده والطلاب الآخرين المصابين بذات المرض شيئا من جهودهم، لعلّها تحسن من حالتهم الصحية وتساعد في دمجهم مع المجتمع ولو كان بشكل بسيط، بسبب المعاناة الكبيرة التي يواجهها أثناء تعليم ولده بعد عودته من مدرسته، وعدم وجود الخبرة اللازمة للتعامل مع حالته.

 

حلول من “تربية حلب”

إجراءات محدودة اتخذتها “مديرية التربية والتعليم في حلب” في محاولة منها لمساعدة الطلاب المرضى، خاصة في ظل الدعم الشحيح للمجال التعليمي بشكل عام، والحالات الاستثنائية بشكل خاص.

وأوضح مدير التربية، أنهم خصصوا مرشدين نفسيين ومسؤولي حماية ضمن المدارس التابعة لهم، للعناية بتلك الحالات الموجودة ضمن المدارس قدر المستطاع وحسب الإمكانيات المتاحة، لافتًا إلى أن المرشدين ومسؤولي الحماية كانوا قد تلقوا تدريبات من قبل مختصين حول كيفية التعامل مع حالات الإعاقة بشكل عام.

 وأشار “مصطفى”، إلى أن المديرية تحاول دمج بعض الحالات في التعليم العام، لكن هناك الكثير من الحالات التي تحتاج إلى عناية خاصة ورعاية صحية وعلاج لا يمكن دمجها.

 

ما هو مرض الضمور الدماغي؟

يصاب الأطفال بإعاقات كثيرة منها ما يكون منذ الولادة وآخر بسبب حادث أو مرض، ويعتبر ضمور الدماغ من أكثر حالات الإعاقة المنتشرة في أرياف حلب، ويسمى بالشلل الدماغي أو مرض الضمور الدماغي.

وبحسب طبيب الأطفال خالد الحسن، فإن الطفل يصاب بمرض الضمور الدماغي خلال فترة الحمل أو بعد الولادة، وفي بعض الأحيان خلال فترة الإرضاع، حيث يحدث لدى المصاب حركات لا إرادية بالقدمين واليدين، وعدم القدرة على الاستيعاب والفهم، وتتفاوت تلك الحالات بحسب درجة الإصابة، ويعد المرض من الأمراض العصبية، حيث يحدث تلف جزئي أو كلي في خلايا الدماغ أو في أحد أجزائه، ما يؤدي لحدوث عجز وظيفي لأعضاء الجسم التي يسيطر عليها الجزء التالف.

وأشار الطبيب، أنه لا يوجد علاج شاف بشكل تام للمرض، وإنما هناك بعض أنواع العلاجات التي تخفف إلى حد ما من مضاعفات المرض، وهي العلاج بالأدوية والعلاج الفيزيائي والعلاج النفسي والذي يعتبر الأهم.

ونصح الطبيب، بالعمل على تأهيل المصاب وتدريبه على القيام بأمور يومية بسيطة كارتداء الملابس، وتناول الطعام والنظافة الشخصية، إضافة لضرورة تدريس المصاب في مدارس خاصة أو صفوف تعليمية خاصة تهتم به وتزيد من قدرته العقلية، كمان أن لتدريس المصاب في المدارس العامة أثر جيد على الحالات غير الشديدة.

عدم وجود مدارس خاصة أو مدرسين مؤهلين لتعليم طلاب الضمور الدماغي يؤثر بشكل سلبي عليهم، ويزيد من معاناتهم في الحياة، فلو وُجدت تلك المدارس المخصّصة للطلاب المصابين، ربما كانت أحوال أولئك الطلاب أفضل بكثير مما هي عليه الآن، لكن شح الدعم عن القطاع التعليمي يحول دون ذلك، خاصة في ظل الظروف الصعبة التي تعصف بالمنطقة من تطورات عسكرية وقصف مستمر.

guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments