كيف كيف  كيف  كيف  كيف كيف  كيف  كيف كيف كيف  كيف 
بناء جدار من الخوف بين البشر، أسهل من بناء جدار فعلي بينهم، فهم أدوات بناء هذا الجدار، بينما الجدار العادي بحاجة إلى مواد أولية من أجل بناءه. لكن جدار الخوف أكثر فعالية من الجدران العادية في إنتاج العزلة بين البشر وتذريرهم. أعتقد أن بناء الخوف كانت الاستراتيجية الداخلية التي حكمت سياسة النظام في عهد حافظ الأسد، وكان يعتبر أن عليه في كل فرصة سانحة، أن يقول للسوريين أن قسوة النظام لا حدود لها، وأن للاصطدام معه، خاصة فيما يتعلق بالسلطة، ثمنه غالي، وغالي جداً، لا حدود لإيقاع الألم من أجل إنتاج جدار هذا الخوف وجعله عالياً وفعالاً بين السوريين والسلطة وبين السوريين أنفسهم.

سأسوق هنا بعض الأمثلة التوضيحية لإنتاج هذه السياسة، ليس بوصفها النماذج الأقسى لإنتاج الخوف، بل كنماذج تمثيلية لآليات عمل السلطة في إنتاج جدار الخوف.

1

كان جاري ـ الذي يتجنب أي مشكلة مع أي كان، خاصة مع السلطة ـ مدرّساً في مدارس دمشق الابتدائية. في يوم شتائي من مطلع تسعينات القرن الماضي، دخل صفه فوجد صورة للرئيس حافظ الأسد ساقطة على الأرض ومبلولة بمياه متسربة إلى الصف من شتاء الليل، بفعل الصيانة الرديئة للمدارس. احتار ماذا يفعل بالصورة؟ قرّر أن يتعامل معها مثل أكثر شيء مقدس بالنسبة له، القرآن. حيث تسود فكرة بين السوريين، أي ورقة كتب عليها أية قرآنية يصيبها أي تلوث، يجب حرقها لأنها مقدسة. فعل جاري مع صورة حافظ الأسد، ما كان يمكن أن يفعله مع ورقة من القرآن ساقطة وملوثة أمام طلاب صفه.

في اليوم التالي، اختفى الرجل، ولتسعة أشهر، لم يعرف أهله أين هو؟ ليتبين بعد ذلك، أنه معتقل بسبب ما فعله بصورة حافظ الأسد، لأن تلميذاً في الصف أخبر والده صف الضباط في فرع الأمن العسكري بما جرى، وصف الضابط أخبر الضابط المسؤول عنه، وهكذا، حتى خرج الأمر باعتقاله لإهانة الرئيس؟! قضى جاري عامين في السجن، لأنه عامل صورة الأسد الأب كآية من القرآن.

2

في أوساط المحامين السوريين هناك محامي شهير اسمه فيليب شديد، وتأتي شهرة الرجل من التهمة التي قضى خلالها عشر سنوات في سجون النظام السوري في الثمانينات.

تتخلص قصة فيليب المسيحي، أن له زميل وصديق محامي مسلم، احتاج هذا المحامي الصديق أن ينام عند فيليب يوماً واحداً، وكان ذلك في ذروة الحملة على الإخوان المسلمين. بعد فترة من استضافة فيليب للرجل، تم اعتقال الرجل بتهمة الأخوان المسلمين، وأعترف الرجل من بين الاعترافات التي قدمها تحت التعذيب الوحشي، أنه نام ليلة عند فيليب، فتم اعتقال فيليب ودفع عشر سنوات من عمره ثمنا لليلة نام فيها صديقه عنده.

في ذلك الوقت انتشرت نكتة في سورية، أن المخابرات اعتقلت رجلاً مسيحياً ملتحٍ، واستمرت بضربه حتى اعترف أنه من الإخوان المسلمين، لو عرف مطلق النكتة قصة فيليب شديد، لعرف أن سخرية وقسوة الواقع السوري أقسى بما لا يقاس من نكتته.

3

في النصف الأول من الثمانينات، كنت على علاقة جيدة مع جميع القوى السياسية في سورية، فلسطينية وسورية، وكان العديد من هذه القوى ملاحقا، فلسطينياً كانت حركة فتح ملاحقة، وسورياً العديد من القوى خاصة الحزب الشيوعي ـ المكتب السياسي وحزب العمل. لم أنتمِ إلى أي من هذه القوى، كنت يساريا على باب الله في ذلك الوقت، كنت شابا وأملك مكاناً مستقلاً، وهذا ما جعل العديد من الشباب الملاحقين ينامون في بيتي. كنت أقلق عندما ينام شباب ملاحق عندي، كنت أعرف الثمن الذي يمكن أن أدفعه إذا اعتقل أيا منهم عندي أو إذا اعترف أنه نام عندي، وحتى منتصف الثمانينات، من كان ينام عندي كان أما أعتقل، وأما هرب من البلد إلى الخارج، ونجوت من اعتقال محتمل.

في مطلع التسعينات، وكنت قد تزوجت وأصبح عندي طفل، جاءني صديق سرياني، اسمه سليمان كورية من القامشلي، بصديق له، عرفني عليه باسم أبو داوود، وكنت أعرف أن هذا الاسم حركي. كان أبو داوود قياديا في الحزب الشيوعي ـ المكتب السياسي. قال صديقي: إن أبو داوود لا يجد مكاناً يتوارى فيه، والمكان الذي كان متوارياً فيه كشفته المخابرات، ليومين فقط حتى ندبر له مكانا آخر.

في الثمانينات كنت أقلق، وإذا دفعت الثمن كنت سأدفعه وحدي لأني كنت أعزب. لكني هذه المرة أصابني الرعب، فقد أصبح عندي زوجة حامل وطفل صغير لا يتجاوز عمره الثلاث سنوات، ما ذنبهم إذا اعتقل الرجل في بيتي، أو إذا اعترف الرجل أني ساعدته في التواري، أن أقضي بسبب هذين اليومين من خمسة إلى عشر سنوات في سجون النظام. كنت أمام تناقض رهيب، بين التضامن أخلاقياً مع الرجل الذي يملك رأياً سياسياً يدفع ثمنه لأنه يعيش في نظام مستبد، وكونه لا يملك مكاناً يبيت فيه ليلته بسبب ملاحقة المخابرات، وأنا أستطيع أن تأمين هذا المكان، وبين خوفي على نفسي وعلى عائلتي من الثمن الذي يمكن أن أدفعه في حال اعتقل الرجل عندي أو اعترف أنه نام عندي، وهي سنوات طويلة من الاعتقال. وفي هذه الحالة، لا يبقى الرعب وقت نوم الرجل في بيتي وينتهي وقت مغادرته، بل يستمر الرعب وهو غائب أيضاً، خوفاً من أن يعتقل ويعترف أنه نام بضعة الأيام عندي. تكرر لجوئه عندي عدة مرات، وفي كل مرة أصاب بالرعب والتناقض، وفي كل مرة ينتصر الموقف الأخلاقي بصعوبة شديدة وأستضيفه.

في اليوم الذي غيرت بيتي وانتقلت إلى بيت آخر لا يعرفه أبو داوود، شعرت بالارتياح، رغم أن إمكانية يجلبني إلى السجن باعترافه بقيت قائمة في حال اعتقل. فقدت صديقي وفقدت أبو داوود، بحثت عن صديقي سليمان في سورية طويلاً، لم أعرف عنه أي شيء.

بعد أكثر من ربع قرن وفي ستوكهولم في السويد قابلت شخص من ذات الحزب ومن ذات المنطقة ومن ذات الدين لصديقي، وسألته عن صديقي، لأجده في مدينة دوسلدوف في ألمانيا، والذي أصرّ على زيارتي له. هناك لم أقابل صديقي سليمان فقط، بل عرفت منه أن أبو داوود يسكن في منطقة قريبة منه. زرنا أبو داوود هناك، وعرفت منه أنه بقي ملاحق أكثر من ثلاثين عاماً. ولم يخرج من سورية إلا بعد الثورة. أثناء زيارتنا التي استمرت عدة ساعات، كان الرجل بين الحين والآخر، ينظر عبر النافذة، بطريقة تشير إلى أنه ما زال يعيش حالة التخفي التي تلبسته سنوات طويلة. وعندما سألني «لو قابلتني في الشارع كنت ستعرفني؟» قلت له «أنا ما صدقت نسيتك يا رجل.»

4

أستطيع أن أروى عشرات حالات الرعب التي زرعها النظام في نفوس السوريين في اعتباطية الاعتقال ولفترات طويلة، لقيام الشخص بفعل هامشي. كل من عاش في سورية، يعرف عشرات قصص الاعتقال الاعتباطي ولأسباب واهية، وتوقيف عرفي يصل إلى عشرين عاماً بدون تهمة. الرعب الذي بثه النظام الأسدي في سورية، أفهم السوريين بشكل واضح وفج، أن أفعالك لست وحدك المسؤول عنها، كل أحبتك سيدفعون ثمن أفعالك، حتى بعد موتك. أفهمنا حافظ الأسد أن موتنا لا يحل مشكلته معنا، لأن أولادنا وإخوتنا وأحبتنا سيدفعون ثمن أفعال ليس لهم صلة بها، ولن يتورع عن فرمهم في آلة قمعه الوحشية، وهناك مئات القصص عن اعتقال عائلات بكاملها نساء ورجالاً وأطفالاً من أجل أن يسلم المطلوب نفسه إلى المخابرات. كل هذه القصص أنتجت جبل الخوف المعمم في المجتمع السوري، وعندما قرّر السوريين الخروج من خوفهم، أنتج النظام القائم في سورية خلال السنوات التسعة المنصرمة من حكايات الألم والاعتقال والانتهاك والقسوة والقتل والهدم والاقتلاع والرعب، ما لم يعرفه كل تاريخ سورية الحديث.

مصدر الصورة: ويكيميديا كومنز

1
اترك رد

avatar
1 Comment threads
0 Thread replies
0 Followers
 
Most reacted comment
Hottest comment thread
0 Comment authors
Recent comment authors
الأحدث الأقدم الأكثر تصويتاً
trackback

[…] تبعث صور القتلى على الذهول، ليس بسبب وحشيتها فحسب، بل، وبسبب ضعف الإجابة التفسيرية لهذا السلوك، ورفض العقل البشري السوي الإقرار به بوصفه واقعاً يستمر في واقعيته المرعبة. وماذا عن نوعية البشر التي ترتكب هذه الجرائم، عن البشر بوصفهم آلات قتل جهنمية بيد الطاغية، أدوات لفرم البشر بلا رحمة وبلا رفة جفن. من أين جاءت كل هذه القسوة؟ أين تربى هذا الإجرام السادي المنفلت من عقاله؟ أي منظومة قيمية في غاية التشويه انتجت هذه الوحوش البشرية مصاصي دماء بشر مثلهم؟ هل تفسر «عادية الشر» التي كتبت عنها حنة  أرندت في كتابها «ايخمان في القدس» والذي يحمل عنواناً فرعياً «تقرير… قراءة المزيد ..