أجندة أجندة  أجندة أجندة  أجندة أجندة  أجندة أجندة 
شهدت السياسة التركية إزاء الصراع السوري تحولات عديدة، مختلفة، إذ انطلقت من بداية مساندة الشعب السوري في مطالبه المشروعة، لكنها انتهت إلى ما تعتبره الحفاظ على أمنها القومي، الذي يتمثل بالحؤول دون قيام كيان كردي في سوريا، وضمان أمن حدودها الجنوبية، وتعزيز نفوذها بين الأطراف الدولية والإقليمية المنخرطة بشأن تقرير مستقبل سوريا.

وبالطبع، ففي غضون كل ذلك، فإن السياسة التي انتهجتها تركيا كانت مرت بفتح أبوابها لاستقبال عدة ملايين من السوريين، الذين شردتهم الحرب، إلا أنها استخدمت جزءا منهم لابتزاز البلدان الأوروبية، وفق سياسة الإغراق باللاجئين، إن لاستدرار المساعدات المالية منها، أو لتعزيز شروطها في مواجهة اشتراطاتهم على السياسة التركية، الداخلية والإقليمية؛ هذا من جهة. ومن جهة ثانية، فقد انتهجت تركيا إزاء المعارضة السورية سياسة دعم اتجاهات معينة، عسكرية ـ إسلامية، بحيث أن تلك السمة أثرت على الثورة السورية وتحكمت بمساراتها، وبشكل المشهد العسكري، طوال المرحلة الماضية، بل إن تلك الفصائل بدت كاستطالة للسياسة التركية، أو كذراع لها في الشأن السوري، وهو ما تبين في عمليات درع الفرات (2015)، وغصن الزيتون (2018) ونبع السلام (2019)، التي شنتها لخلق منطقة نفوذ لها في الشمال السوري، بموازاة حدودها الجنوبية، ولقطع أي تواصل بين مناطق التواجد الكردي، وإنهاء وجود قوات ال بي واي دي، أو قوات قسد، والتي تعتبرها امتدادا لحزب البي كي كي، والذي تعتبره منظمة إرهابية تتوخى النيل من وحدة الأراضي التركية.

إلا أن الخطوة الأهم، في تلك الفترة، مثلت بقيام تحالف أستانة الثلاثي (2017)، الذي جمع تركيا (حليفة المعارضة) مع شريكي النظام في قتل وتشريد السوريين وتدمير عمرانهم، أي إيران وروسيا، سيما أن ذلك التحالف نشأ بعد التدخل العسكري الروسي المباشر في الصراع السوري (سبتمبر/أيلول 2015)، وبعد سقوط مواقع المعارضة في حلب (2016)، نتيجة ذهاب الفصائل للقتال في عملية درع الفرات. وفي الواقع فإن هذا التطور كشف ظهر الشعب السوري، وقصم ظهر المعارضة، التي باتت في حيرة من أمرها، أو مضطرة لمسايرة الخطوة التركية أو تغطيتها، لا يمكن فهم قيام تحالف أستانا إلا باعتباره محاولة من تركيا تعظيم مصالحها في الصراع الدائر في سوريا، إزاء الأطراف الإقليميين والدوليين، بالتنافس أو بالصراع معهم، علما أن ذلك لا بد سيكون على حساب مصالح السوريين، وسلامة مسار ثورتهم؛ هذا من ناحية. ومن ناحية ثانية، فإنه لا يمكن الاقتناع أن تحالفا تركيا مع طرفين أساسيين، شريكين للنظام، يمكن أن يصب في خانة إنهاء أو حتى إضعاف النظام، أو في صالح تحقيق مكاسب للمعارضة.

على أية حال فقد تراجع وضع المعارضة، السياسية والعسكرية بخاصة بشكل كبير، منذ قيام تحالف استانة، واللافت أن ذلك تم تحت غطاء الخطة التي تسمى “خفض التصعيد” في المناطق الأربع، التي طرحت في الجولة الرابعة من مسار المفاوضات في آستانة (2017). فمنذ ذلك الحين باتت فصائل المعارضة العسكرية تفقد المناطق التي كانت تسيطر عليها، شيئا فشيئا، في حين أن عملية المفاوضات الصورية لم تسفر عن أي شيء، ناهيك انه لم يحصل أي تفاوض ولا في أي من الجولات التفاوضية الـ 13، التي حصلت منذ ذلك الحين، لأن ما يسمى الأطراف الضامنة (روسيا وتركيا وإيران) هي التي كانت تتفاوض، في حين يحضر المفاوض السوري كمجرد شاهد أو كديكور، وشاهدنا أنه حتى اللجنة الدستورية التي يفترض أن من مخرجات موتمر سوتشي (2018)، لم تتحرك قيد انملة، وقبلها قصة السلال الأربع لديمستورا.

الآن، يشهد الصراع السوري عدة تطورات أهمها الدخول في المرحلة الأخيرة من مسلسل الانتهاء من مناطق “خفض التصعيد”، أي في المنطقة الرابعة في إدلب وما حولها، بعد أن أسقطت المناطق الثلاث الأخرى في الجنوب والوسط والشمال، بإرادة دولية وإقليمية، وفق التوازنات أو المقايضات أو المساومات الحاصلة. والمشكلة أن ذلك يحصل بالطريقة الصعبة والوحشية وبأثمان باهظة، في ظل قصف جوي عنيف، وفي ظل تشريد أعداد كبيرة من السوريين، وتدمير مدن كاملة مثل سراقب وكفر نبل والمعرة وعشرات القرى، بواسطة الطيران السوري والروسي، في حين تقف تركيا جانبا، أو تجد نفسها مقيدة، من دون قدرة على فعل أي شيء، علما أن الحديث هنا يدور فقط عن فرض وقف القصف، وليس عن الدفاع عن الشعب السوري.

هكذا، فإن السياسة التي انتهجتها تركيا إزاء الصراع السوري تبقى مثار جدل وخلاف، بخاصة إنها تحكمت بمسارات الثورة السورية، وبالمعارضة الرسمية والعسكرية أكثر من أي طرف أخر، ولهذا السبب فمن البديهي أن تركيا تتحمل المسؤولية عن كل ما جرى ويجري بقدر تلك المكانة، أو ذلك النفوذ، أيضا، بأكثر من أي طرف أخر.

 

مصدر الصورة: kremlin

اترك رد

avatar