بعد أشهر من غياب النفط السوري عن أسواق إدلب واعتماد تلك الأسواق على المحروقات المستوردة بشكل كامل، بدأت تنعكس تبعات النقص في الوقود، على كافة مناحي الحياة الاقتصادية والصناعية، لاسيما في ظل انهيار الليرة السورية الذي انعكس سلبًا على سعر المحروقات المستوردة.

عشرات المعامل والمصالح الصناعية تأثر عملها بشكل كبير نتيجة الفروقات الواضحة التي عاشها سوق المحروقات، بالإضافة للركود الاقتصادي الذي عمّ المحافظة.

 

من النفط السوري إلى المستورَد

شكلت حقول النفط في شرق سوريا موردًا أساسيًا للمحروقات في مناطق إدلب وريفها ولم تعتمد الأسواق في هذه المناطق على المحروقات المستوردة إلّا في أوقات محددة حين يغيب النفط السوري، بسبب الفرق الكبير في الأسعار بين النوعين.

ولكن بعد العملية العسكرية التي شنتها تركيا وفصائل المعارضة المتحالفة معها في شرق الفرات توقف دخول النفط الخام إلى إدلب بشكل كامل، ما أدّى لارتفاع سعره وشحّه في الأسواق.

وتراوحت أسعار المازوت السوري خلال العامين المنصرمين ما بين 40 – 60 ألف ليرة سورية للبرميل، بينما قارب سعر المازوت المستورد عتبة 800 ليرة سورية مترافقًا مع سعر صرف الدولار أمام الليرة السورية.

تدخل جميع المحروقات اللازمة للأسواق عن طريق شركة “وتد” والتي عمدت مؤخرًا لإدخال أحد الأصناف المستوردة بجودة أقل بهدف تأمين المادة بشكل أوفر لكن لم تختلف أسعار الصنف الأول عن الثاني بأكثر من 50 ليرة سورية.

 

الحركة الاقتصادية في إدلب

اعتادت المحافظة أن تشهد ارتفاعًا مؤقتًا في أسعار المحروقات نتيجة الحالة الأمنية التي تعيشها البلاد وتعطل حركة النقل من شرق الفرات إلى إدلب، لكن هذه المرة الأولى التي يغيب النفط بها بهذا الشكل ليعتمد سكّان إدلب وريفها على النفط المستورد والذي ترافق مع أسعار الدولار ما زاد من معاناتهم وانعكس على الحركة الاقتصادية بشكل كبير.

يقول التاجر وليد الحسين: “منذ أشهر والأسواق تعيش حالة من الركود، حيث تقتصر الحركة التجارية على بيع وشراء الحاجيات الأساسية فقط، بسبب ضيق المعيشة من جهة وارتفاع كافة الأسعار بشكل عام نتيجة انخفاض سعر صرف الليرة السورية وارتفاع أسعار المحروقات التي ترافقت معه، ليضيف التجار أجور نقل مضاعفة على كافة المواد المستوردة من الخارج أو القادمة من مناطق النظام، في حين ارتفعت أسعار المواد المصنعة محليًا نتيجة ارتفاع أسعار المحروقات التي تعتبر أهم ركن في القطاع الصناعي بإدلب”.

كما ارتفعت أسعار المواد التموينية والغذائية، متأثّرةً بدورها بارتفاع أسعار المحروقات، فغالبية تلك المواد تصل من تركيا أو من مناطق النظام، الأمر الذي حملها أجور نقل إضافية.

بدوره قال تاجر المواد الغذائية أحمد العبد: “إن جميع المواد الغذائية والتموينية ارتفع سعرها بشكل ملحوظ من المصدر، الذي أضاف إليها أجور النقل التي ارتفعت بشكل كبير مؤخرًا، وتشكل تلك القيمة المضافة مبلغًا يرهق المواطن، لأن البضائع تتنقل بين العديد من التجار قبل أن تصل للمستهلك والجميع سيضيف عليها أجور النقل الجديدة، وبالتالي انخفضت القيمة الشرائية للنصف، نتيجة عجز المواطن عن شراء كافة المواد التي اعتاد شراءها، ما انعكس على مرابح التجار”.

 

تضرّر الحركة الصناعية

شكل ارتفاع أسعار المحروقات عائقًا جديدًا أمام الصناعيين في محافظة إدلب، فغياب الكهرباء يجبر الجميع على الاعتماد على مولدات الديزل مرتفعة الثمن، ما ضاعف تكلفة التصنيع عليهم.

يقول أبو محمد، مدير معمل سابك للمواد البلاستيكية لـ “بوابة سوريا” : “تشكل المحروقات العصب الرئيسي للحركة الصناعية، وأي خلل يصيب ذلك العصب سينعكس بشكل سريع على الصناعة نفسها من حيث كمية الإنتاج أو الأسعار التي يطرح بها”.

اعتاد أبو محمد على شراء برميل المازوت بأسعار تتراوح ما بين 50 ألف إلى 70 ألف ليرة سورية خلال العام الماضي، أما اليوم فقد تجاوز سعر برميل المازوت الواحد 150 ألف ما أدى لتضاعف الأسعار بشكل كبير، رغم انخفاض سعر المواد الأولية التي يعتمد عليها في صناعته.

ويؤكد أبو محمد أن الأسعار ستكون مناسبة بالنسبة للمستهلك بشكل كبير لو عاد النفط السوري للدخول من مناطق شرق الفرات.

قام أبو محمد بتخفيض انتاج المعمل بشكل كبير وبات ينتظر الطلبات المباشرة ليقوم بالتصنيع على حسب رغبة الزبون وحسب السعر المتفق عليه اليوم، لأن حركة الشراء في الأسواق ضعيفة والأوضاع الأمنية والمادية لا تسمح بتخزين البضائع المصنعة بأسعار مرتفعة، حسب قوله.

يعمل في مصنع أبو محمد قرابة 15 شابًا، جميعهم تأثروا بانخفاض إنتاج المعمل، وباتوا يبحثون عن فرصة عمل إضافية تكفيهم مع عائلاتهم مؤونة اليوم.

بدوره أكد أبو زهير، صاحب معمل القساطل المعدنية، أن عمل مصنعه تأثر بشكل كبير بعد ارتفاع أسعار المحروقات، واقتصر إنتاجه على الطلبيات المستعجلة فقط.

يقول أبو زهير لـ “بوابة سوريا”: “تأثر عملي بشكل كبير رغم اعتمادي على البيع بالدولار، ورفعت أسعار المنتج حتى لا أقع في الخسارة وأتمكن من المتابعة في العمل”.

اعتاد أبو زهير على بيع القسطل الواحد ب 55 سنت، لكن اليوم تجاوز سعر القسطل 65 سنت، نتيجة ارتفاع سعر المحروقات التي تعتبر العامل الرئيسي في مصنعه.

يقول أبو زهير: “رغم رفعنا للأسعار إلا أن المرابح انخفضت عن السابق بسبب ارتفاع أجور العمال وانخفاض إنتاج المعمل الذي يعتمد اليوم على الطلبات الخاصة وبعقود أسعار متفق عليها مع التاجر قبل المباشرة في العمل”.

تلك المتاعب ألقت بكاهلها على المواطن بشكلها النهائي فالتاجر ما تزال تجارته مستمرة وإن انخفضت الأرباح وكذلك أصحاب المهن والصناعيين، لكن غلاء تلك المواد أرهق المدنيين وانعكس على حياتهم المعيشية بشكل كامل، في ظل غياب دور المؤسسات الحكومية والمنظمات الداعمة لقطاع النفط والقطاع الصناعي في المحافظة.

اترك رد

avatar