لم تكن الثورة السورية التي انطلقت في آذار من عام 2011 هي الولادة الأولى لمعارضي حكم الأسد.

ومنذ انقلاب حافظ الأسد في عام 1970 واستحواذه على السلطة في سوريا كان هناك الكثير من المعارضين ومن تيارات مختلفة.

ولكن كان للثورة أثر كبير في توسيع دائرة الرفض لحكم نظام الأسد وساعدت في الخروج عن القبضة الأمنية وسطوة الأفرع الأمنية المنتشرة في البلاد.

وأحدثت الثورة مساحة واسعة للتعبير عن المعاناة التي عاشها أبناء معارضي الأسد ومعتقليه السياسيين السابقين، الذين تعرّضوا لأشد أنواع التعذيب في سجونه ومعتقلاته، ومنهم من لقي حتفه وراء الزنازين، أو تم تنفيذ أحكام الإعدام الميدانية بحقهم، لمجرد رفضهم حكم نظام الأسد.

ولكن يبقى السؤال الأهم، كيف ينظر أبناء هؤلاء المعتقلين والمعارضين إلى الثورة السورية اليوم؟ وهل أنصفتهم بحسب ما يرون؟

هذه الفئة، تعرّضت خلال القرون الثلاث التي سبقت الثورة للتهميش وانحرمت من أبسط الحقوق بسبب آراء آبائهم المعارضة للأسد.

 

أبناء معتقلين سابقين

أحمد حاج حميدو، مدرّس وابن معتقل سابق قضى في سجون الأسد ما يزيد عن 17 عاماً بتهمة الانتماء لحزب الإخوان المسلمين قال لـ “بوابة سوريا“: “إن ثورة الشعب المظلوم لا يمكن أن تظلم أحدًا، ولا أستطيع القول إن الثورة لم تنصفني فهي ليست حكرًا على أشخاص معينين ولا يمكن الإنكار أن الثورة لم تمنعني من المشاركة في فعاليات كثيرة سلمية وإنسانية، فالثورة لا تقفل هذا الباب في وجه أحد”.

وتابع حديثه قائلاً: “لم ينصفني التيار الثوري المعارض الذي ينتمي إليه أبي، فإذا كانت الثورة السورية ثورة تيارات أو أحزاب أو جماعات معارضة للحكم فقط فكلها لم تنصفني لأنني لم أقدم فروض الطاعة لأي منها ولن أفعل مستقبلاً”.

وأكمل: “أنا مواطن سوري ثائر على التبعية والعبودية وثورتي لأكون حرًا في وطن حر”.

الإعلامي عبود الكليدو، ابن معتقل سابق أيضًا تم اعتقال والده بتهمة الانتماء لـ “حزب الإخوان المسلمين” قال لـ “بوابة سوريا“: “الثورة أنصفتني لأنه بمجرد قيام الثورة أصبحت إنصافًا للجميع، لأن النظام الحاكم هو نظام قمعي استبدادي أوغل بدماء السوريين ابتداءً من الثمانينات وحتى يومنا هذا”.

ويضيف الكليدو: “الطفولة التي عشتها محرومًا من والدي المعتقل، والشتيمة الشهيرة التي كنت أتلقاها من البعض “يا ابن الإخونجي” كانت تسبب لي الكثير من الأذى على الرغم من عدم فهمي لها بشكل جيد”.

وأكمل حديثه: “حاولت فيما بعد البحث أكثر عن هذا المصطلح وفهمت معناه، بغض النظر عمّا إذا كان المعتقل هو منضم فعلاً في التنظيم أو لا، وهذا أمر معرف لدى السوريين في أحداث الثمانينات وحتى بعد انطلاق الثورة قامت أفرع الأمن والمخابرات باعتقال الكثير من الأشخاص الذين لم ينخرطوا في صفوفها ولم يشاركوا فيها بشيء”.

يرى الكليدو أن الثورة أنصفته، قائلًا: “نحن شعب نستحق أن نعيش في دولة الحرية والعدالة والكرامة، وليس دولة الأمن والمخابرات”.

 

تمييز في التعامل مع أبناء المعارضين

خلال خدمته الإلزامية في سوريا، تم فرز الكليدو على الحرس الجمهوري، ولكن بسبب اعتباره “ابن إخونجي” نُقل إلى الفرقة الخامسة بعد اعتباره أنّه يشكّل خطرًا، وبعد التخرج من الجامعة، حصل على المرتبة الثانية في جامعته، وحصل على  بعثة دراسية للخارج ولكنه حُرم منها لاتهامه بأن والده منضم للإخوان المسلمين.

بعد رفض منحه البعثة الدراسية، تقدّم عبود إلى مسابقة انتقاء مدرسين ورغم تفوقه فيها وحصوله على المرتبة الأولى إلا أنه حُرم من التعيين لذات السبب.

يقول الكليدو: “هذا الأمر شكل لدي ردة فعل على الظلم الذي مارسه نظام الأسد عليّ فأنا لا أملك مستقبلاً في سوريا لأنني ابن معتقل سياسي، ولكن عندما شاركت في انطلاقة الثورة وخرجت في المظاهرات السلمية عام 2011 لم أكن أحاول الثأر من النظام الذي ظلمني، بل خرجت مشاركًا في الثورة لإنهاء الظلم الذي يمارس علينا جميعًا ولأننا فعلاً نستحق دولة مدنية تحترم حرية وكرامة الإنسان وتحقق له العدالة الإنسانية”.

 

أبناء معتقلين قضوا في سجون الأسد

إسماعيل الإسماعيل، ابن ضابط مهندس ومعتقل تم إعدامه في حقل الرمي بمنطقة عرطوز عام 1980 بتهمة الانتماء لحزب محظور.

يقول الاسماعيل ردًًا على سؤال حول ما إذا كانت الثورة قد أنصفته: : “من وجهة نظري يجب أن نقول هل نحن أنصفنا الثورة؟ لأنه من الواجب علينا نحن كأبناء الثورة أن نقدم لها كل شيء وندعمها”.

يرى الإسماعيل أن الثورة الآن في فترة صعبة وتشهد تحولات كبيرة، ولكن الذي لم ينصفه كثائر وابن شهيد، هو بعض أبناء الثورة الحاليين من الفصائل والأحزاب الثورية، تصدّروا المشهد ولكنهم في الأصل هم من أبناء “البعث” الذين كانوا سابقًا ينعتوه بصفة “الإخونجي”، ولكنه يكمل: “لم تكن تضايقني هذه الكلمة بل على العكس كنت أشعر بالفخر حينها كرمى لوالدي الذي كنت أعتبره قدوة ومثلاً أعلى”.

وتابع قائلاً: “مع اندلاع الثورة السورية كنت مندفعًا، لأنني كنت أحلم منذ زمن بالتخلص من النظام القمعي وتأسيس دولة مواطنة حقيقية، ولكن تم تغييبي عن المشهد وتهميشي خصوصًا من قبل “الإخوان المسلمين” أنفسهم، فلم يتم توظيفنا في منظماتهم أو جمعياتهم التي أسّسوها، على الرغم من أنني تركت وظيفتي طوعًا وقاموا بالاستعاضة عنا بأشخاص أقرباء لهم رغم أنّهم كانوا منتسبين لحزب البعث” حسب تعبيره.

وختم قائلاً: “الفصائل المحسوبة على الثورة لم تنصفني عندما تفرقت كلمتهم، واتبعوا الغايات الشخصية، والمصالح الضيقة، فضعفت شوكتهم وبتنا جميعًا نخسر المعركة تلو المعركة حتى أصبحنا في أسوأ حال”.

 

أبناءٌ معارضين وُلدوا في الغربة

أحمد عبد الله، ولد في الأردن قبل خمسة وثلاثين عامًا، لم يزر وطنه يومًا بسبب ملاحقة والده من أفرع الأمن، وبدون أي تهمة حقيقية إلا أنه عبّر عن رفضه لحكم الأسد الأب في جلسة خاصة.

يقول عبد الله لـ “بوابة سوريا”: “ولدتُ في الغربة بعيدًا عن الوطن فقط لأن والدي كان مطلوبًا لأفرع الأمن، هذا الأمر حرمني من العيش في الوطن والانتماء، لذلك أرى بأن الثورة أنصفتني رغم كل ما حصل من أخطاء لأنه في النهاية لا يصح إلا الصحيح” حسب قوله.

وتابع: “الثورة السورية كانت حلمًا لكل متطلع إلى الحرية والكرامة، لأنها قالت “لا” في وجه أكثر نظام ديكتاتوري في الشرق الأوسط”.

يعتبر عبد الله، أنّه حتّى لو لم تنجح الثورة في إسقاط الأسد حتّى الآن، ولكنها انتصرت من أول مظاهرة خرجت ضد نظام الحكم القمعي.

وتابع: “أنا واثق من أن الثورة نجحت، لأن سوريا بعد 2011 ليست كما قبلها، والشعب الذي تذوق طعم الحرية لن يقبل بالعودة إلى الحكم العسكري بأي شكل من الأشكال”.

guest
1 تعليق
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
trackback

[…] انطلاق الثورة السورية ظهر دور وسائل التواصل الاجتماعي بشكل متعاظم […]