الملك
ولد الممثل السوري نوار بلبل في 25 إبريل نيسان عام 1973، وقد تخرج في المعهد العالي للفنون المسرحية قسم التمثيل عام 1989، وشارك في العديد من العروض المسرحية بالمعهد. كان أول عمل أوبرالي له عام 1995، وله العديد من الأعمال الفنية المختلفة كما شارك في الكثير من المهرجانات الدولي،  وهو مؤسس فرقة مسرح الخريف التي تأسست في دمشق عام 2006، وقد حاز نوار على جائزة الامتياز في التمثيل بمهرجان ميدلاند الدولي المسرحي بأمريكا عام 2006، وحصل أيضا على جائزة أفضل ممثل بمهرجان مونت لوربير الدولي للمسرح بكندا عن دوره بمسرحية (حلم ليلة عيد)، وله من الأعمال الإخراجية العديد أشهرها مسرحية (عمال مدينة حمص) وهو ابن الأديب المسرحي والكاتب فرحان بلبل.

فيلم شكسبير في الزعتري 

يبدأ الفيلم بلقطة عامة، جماعية لأطفال مخيم الزعتري وهم يصرخون “نكون أو لا نكون”، مقولة شكسبير الشهيرة في مسرحية “هاملت التراجيدية ” على لسان بطلها “هاملت” وذلك باللغتين العربية والانكليزية، يليها مباشرة عرض اسم الفيلم “شكسبير في الزعتري”، لينتقل بنا المخرج “معن موصلي” إلى مشهد يعرف فيه الممثل “نوار بلبل” السوريين بطريقته الخاصة قائلا : “نحن أحفاد هذا السوري الذي قال في يوم من الأيام حطم سيفك واحمل معولك واتبعني لنزرع السلام والمحبة في كبد الأرض. بينما تنتقل الكاميرا إلى عرض لقطات لوجوه أطفال من المخيم، لا تتجاوز أعمارهم السنتين أو الثلاث سنوات وهم يتلمسون بأصابعهم الصغيرة “الشبك الحديدي” لسور المخيم، وأحدهم يدخل ذراعه داخل فتحة من الشبك وكأنه يقيس مسافة حريته بيده الصغيرة الممدودة خارج سور المخيم، تتبعه مشاهد ولقطات من المسرحية، لقطة لهاملت يعرف بها عن نفسه ولقطة إعلان موت الملك “لير”، فنجد أنفسنا نحن المتفرجين أو المتلقين، أننا أمام فرجة ثنائية فرجة مسرحية وفرجة سينمائية منذ الدقائق واللحظات الأولى من بداية الفيلم،

ثم يأخذنا المخرج “معن” مع كاميرته لاقتحام المخيم من خلال لقطات يرصد فيها لعب وضحكات والألوان التي يرسمها الأطفال، لتغيير معالم المخيم واللون الموحد لخيامهم التي لا تحميهم من برد الشتاء ولا قيظ الصيف، وحرارته العالية فتتجول الكاميرا المحمولة على السيارة بين الخيام على أنغام أغنية لطالما غناها السوريون في محبة وطنهم سوريا والكثير منهم خسر حنجرته عقابا له من السلطة والنظام الحاكم في سوريا، وربما كانت الأغنية توثيقا لاستشهاد الثائر الرياضي عبد الباسط الساروت ابن حمص والذي لطالما غناها في حصاره هو ورفاقه في حمص أو على جبهات القتال في ادلب ،فنجدهم يغنون معا بفرح طفولي  أغنية جنة : 

جنة جنة جنة == والله يا وطنا

يا وطن يا حبيب == يا بو تراب الطيب

حتى نارك جنة

بترابك روينا == وبأحضانك روينا

ولترابك حنينا == وبمجدك علينا

للقمة وصلنا == للعليا وصلنا

وينضم إليهم “نوار ” في خيمتهم وعلامات الدهشة تبدو عليه أكثر من وجوه أطفال، ربما لأول مرة يشاهدون نجما من لحم ودم ويتمكنون من مصافحته بل والغناء واللعب والتمثيل معه، إلا أن جو التفاؤل والتفاعل بين المخرج والأطفال سرعان ما يصطدم بـ “البيروقراطية” والفساد الذي كما يبدو أنه يلاحق السوريين حيثما ذهبوا وحلو ترحالهم حتى لو كانت خيمة لجوء، فبعد يومين كما يروي “نوار” لـ”بوابة سوريا” يتم طرده مع الأطفال من الخيمة بحجة أنها خيمة مخصصة لرياضة التايكوندو والتي رآها القائمون على المخيم أهم من تعلم الأطفال أشياء تتعلق بالمسرح.

ولكن لم يرضخ “نوار” الذي يقوم بدور الراوي في الفيلم والذي يروي الحكاية بدون تكلف ودون الاستعانة بالزخرفة اللغوية وترفها، يلجأ للاستعانة بصديقه “شكسبير” عندما يكتب على الشاشة عبارة “حتى أنت يا بروتوس” مختصرا الحالة ومتابعا روايته وعمله، بأن يشتروا خيمة خاصة بهم ويسمونها “خيمة شكسبير”

ليتابع البروفات مع الأطفال، وعن اختياره لأعمال شكسبير يقول : “كان بغرض ترك تأثير الصدمة على الإعلام وتاليا على الناس والمعنيين لشد انتباههم إلى معاناة الأطفال، وتعريف المجتمع الدولي والمنظمات الدولية بالطاقات الكامنة عند الأطفال السوريين.

ويتنقل بنا المخرج “معن” بين رواية “نوار” في سرده للأحداث وبين مشاهد للبروفات من داخل خيمة شكسبير، انتقالا سلسا وانسيابية يبعد المتلقي عن الشعور بالملل فالمشاهد حيوية وتبعث الراحة في النفوس وتحفز روح الفضول لدى المتلقي وتثير في خلجاته تساؤلات عن مدى تقبل واستجابة الأطفال للعمل على نص مسرحي لكاتب كبير مثل شكسبير، نص من مستوى “الملك لير” و”هاملت” ومدى قدرة المخرج والأطفال في النجاح أمام هكذا تحد كبير، مسرحية باللغة العربية الفصحى وشخوصها كثر، وحبكتها معقدة، وهم جميعا في تجربتهم الأولى ولا يمتلكون قدرات القراءة والكتابة كونهم طردوا من مدارسهم وبيوتهم، إلا أننا نلاحظ بكل سهولة، من خلال عدسة المخرج الذكية، شغف الأطفال بالتمثيل وانضباطهم والجهد الذي يبذلونه مع مخرج العمل “نوار بلبل” ، وننسى على مدار الوقت الذي يرصد فيه المخرج بروفاتهم أننا في مخيم كئيب وأمام أطفال يسمون لاجئين، وتنقصهم كل مقومات الحياة والطفولة، وأمام هذا التساؤل في دواخلنا كمتلقين نجد على الشاشة عبارة”من خلال أشواك الخطر نحصل على زهور السلام”.

ثم وربما كسرا لرتابة متوقعة في الفيلم يدخل بنا صانع الفيلم إلى محورين آخرين لنجد الأطفال يمارسون الرسم ويشتغلون على لوحة فنية يصل طولها إلى  أكثر من (500) متر، ويروي “نوار” التفاعل التصاعدي بين الأطفال و الألوان وتدرجاتها واكتشافهم ألوان الفرح وألوان الطبيعة ،غير تلك التي اعتادوا عليها أثناء قصف المدافع والطائرات، وغير مناظر هدم البيوت ونزف الدماء، 

ويأخذنا في زاوية أخرى من خلال لقاء المخرج المساعد”علاءا لحوراني” والذي يلقي بعض الضوء على التجربة وعلاقته مع الأطفال ومع مخرج العمل “نوار”،والذي أشار للنقص الكبير الذي يعانيه الأطفال لدرجة أنهم لا يملكون أحذية مناسبة،إلا أنه وفي الدقيقة السابعة عشر وضمن كل هذه الأجواء المفرحة والتي تبعث على التفاؤل والذي كاد ينسينا أن أبطال فيلمنا ومسرحيتنا هم “أطفال مخيم لجوء”. 

يصدمنا “نوار” بحكاية الطفل “مالك”ذاك الطفل الذي آثر أن يتناول الوجبة الصغيرة البسيطة والمخصصة لشخص واحد، آثر أن يترك “خيمة شكسبير” ويذهب إلى خيمة عائلته، ليتناولوا ويأكلوا الوجبة معا.

يصمت نوار عن كلامه ، ويكتفي بإظهار عبارة “يمكننا عمل الكثير بالكراهية،لكن بالحب أكثر”على الشاشة.

ويعيدنا إلى أجواء البروفات ومدى تقدم الأطفال وتمكنهم بل واحترافيتهم في الأداء والتمثيل، خلال أربعة شهور من العمل، والذي بنى على أساسه أهداف المشروع بإعادة الفرح والضحك والحياة ورسم معالم المستقبل ، مستقبل الأطفال ومستقبل سوريا، فهؤلاء الأطفال استطاعوا أن يجعلوا من أرض المخيم الصحراوي مسرحا وأن يحولوا ضعفهم قوة، وتغلبوا على كل التحديات وقدموا عرضا ناجحا أمام الكثير من وسائل الإعلام، وأمام جمهور، غفير، واستطاعوا أن يتحولوا من لاجئين إلى نجوم تصور الكاميرات نجاحاتهم وتألقهم.

ينهي “نوار” الفيلم على غير ما كنا نتوقعه كمتفرجين مندمجين بعوالم أطفال المخيم وشخوص مسرحيات شكسبير، بل ربما أنهى الفيلم كما انتهت حيوات أبطال “شكسبير” بالموت، فيخبرنا “نوار بموت الطفل “همام” أحد شخوص المسرحية  وموت “خيمة شكسبير” من خلال بيعها لتأمين بعض الحاجيات من غذاء وملابس، أسوة بموت الكثير من الأشياء الجميلة في دواخلنا وفي العالم المحيط بنا ك “سوريين”.

طاقم العمل:

إخراج : معن موصلي

إخراج مسرحي :نوار بلبل

مساعد مخرج :علاء حوراني

موسيقى كنان عظمة الملك  الملك  الملك الملك  الملك 

مصدر الصورة: ويكيميديا 

guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments